موقع يوتيوب

يوتيوب - YouTube - مقاطع يوتيوب - موقع يوتيوب - فيديو يوتيوب
 
الرئيسيةالبوابةس .و .جبحـثالتسجيلالأعضاءالمجموعاتدخوليوتيوب

شاطر | 
 

 ملف ادوارد سعيد ...

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
kanaan
{{}} مشرف {{}}
{{}} مشرف {{}}
avatar

ذكر عدد الرسائل : 533
البلد : Yiebna
الوظيفة : Critic
تاريخ التسجيل : 12/07/2007

مُساهمةموضوع: ملف ادوارد سعيد ...   السبت أغسطس 18, 2007 2:39 pm

ملف عن المفكر الفلسطيني الراحل ادوارد سعيد


محتويات الملف : " [ آلية الاعداد: تجميع وبحث ونقل بتصرُّف]



أولاً : نبذة عن حياته ومساهماته.

ثانياُ : موقفه من مقولة دريدا " لا شيء خارج النص"

ثالثاً : مقالته بعد احتلال العراق عن " حال العرب "

.......................................................................................



أولاً: نبذة عن حياته ومساهماته



البروفيسور إدوارد سعيد أستاذ اللغة الإنجليزية والأدب المقارن في جامعة كولومبيا بنيويورك. صاحب كتاب «الاستشراق» المشهور، وكتاب: «نهاية عملية السلام: أوسلو وما بعدها»، وكتاب: «تأملات حول المنفى ومقالات أخرى»، وكتاب: «السلطة، السياسة، الثقافة»، وكتب أخرى عديدة.
كان عضو اًفي الأكاديمية الأميركية للفنون والعلوم، وعضواً في الجمعية الملكية للأدب، وعضواً في الجمعية الفلسفية الأميركية، وعضواً الأكاديمية الأميركية للفنون والآداب.

ولد إدوارد سعيد في القدس الغربية لأبوين كانا يسكنان القاهرة في تلك الفترة. ولكن العائلة كانت تسافر الى فلسطين كثيراً لكي تقضي بعض الوقت لدى الأعمام والعمات والأخوال.
وكانت اول تجربة له مع المنفى عام 1948 عندما طردت عائلته من فلسطين نهائياً. ولم يعد اليها الا بعد خمسة واربعين عاماً من المنفى! ثم هاجر إلى أميركا ودرس في جامعة برنستون التي وسعت آفاقه كما يقول. وبعدئذ اصبح أستاذا في جامعة كولومبيا. وقد نشر أول كتاب في عام 1966، عن الروائي الشهير جوزيف كونراد. وبعدئذ كتب ما لا يقل عن عشرين كتاباً. وقد ترجمت الى ما لا يقل عن ست وثلاثين لغة.
وفي عام 1977 انتخب إدوارد سعيد عضواً في المجلس الوطني الفلسطيني وظل فيه الى عام 1991 حيث استقال. وكان دائماً ناطقاً رسمياً لامعاً باسم القضية الفلسطينية.
يضاف الى ذلك ان إدوارد سعيد موسيقار لا يستهان به، فهو يعزف بشكل رائع على البيانو.

ومن كتبه أيضا : "مسألة فلسطين" عام 1979، و "بعد السماء الأخيرة" عام 1986، وكلاهما عن الصراع العربي الإسرائيلي، ثم "متتاليات موسيقية" عام 1991، و "الثقافة والإمبريالية" عام 1993، إلى جانب كتب "الادب والمجتمع" و "تغطية الإسلام" و "لوم الضحية" و "السلام والسخط" و "سياسة التجريد" و "تمثيلات المثقف" و "غزة اريحا: سلام أمريكي".

كان سعيد منتقدا قويا ودائما لإسرائيل لما كان يعتبره إساءة وإهانة الدولة اليهودية للفلسطينيين.

وقد ظهر سعيد من جديد تحت أضواء الجدل والخلاف عندما شوهد وهو يرمي حجرا على مركز حراسة إسرائيلي عند الحدود مع لبنان.
لكن جامعة كولومبيا الأمريكية، التي كان أستاذا فيها، لم تعاقبه بدعوى أن الحجر لم يكن موجها ضد أحد، ولم يخرق او ينتهك قانونا، كما أن العمل الذي قام به سعيد مصان بموجب الحريات الأكاديمية الأساسية.
وقد كتب سعيد قبل عامين، وعقب زيارات إلى القدس والضفة الغربية، قائلا إن "جهود اسرائيل لعزل نفسها من العرب خوفا وهلعا منهم" أدى في واقع الحال إلى رفع درجة التصميم والإرادة الفلسطينية.
كما كتب سعيد في صحيفة الأهرام الأسبوعي الصادرة بالإنكليزية من القاهرة قائلا : "فلسطين والفلسطينيون سيظلون وسيبقون، على الرغم من جهود إسرائيل المنظمة ومنذ البداية للتخلص منهم او تحجيمهم من أجل إفقادهم فاعليتهم".

وانتقد سعيد الزعيم الفلسطيني ياسر عرفات واعتبر ان اتفاقيات أوسلو كانت صفقة خاسرة للفلسطينيين.
وقال إن عرفات والسلطة الفلسطينية اصبحا "متواطئين ومتعاملين برضا وقبول منهما مع قوات الاحتلال الاسرائيلية، أي ما يشبه حكومة فيشي"، في إشارة إلى الحكومة الفرنسية التي نصبتها قوات الاحتلال النازية عقب غزوها فرنسا في الحرب العالمية الثانية.

جاء سعيد إلى الولايات المتحدة كطالب، وحصل على درجة البكالوريوس من جامعة برنستن عام 1957 ثم الماجستير عام 1960 والدكتوراه من جامعة هارفرد عام 1964.
وقضى سعيد معظم حياته الأكاديمية أستاذا (بروفيسور) في جامعة كولومبيا في نيويورك، لكنه كان يتجول كأستاذ زائر في عدد من كبريات المؤسسات الأكاديمية مثل جامعة يال وهارفرد وجون هوبكنز.

رحل عنا في الخامس والعشرين من أيلول/سبتمبر2003 عن 68 سنة تاركاً خلفه أثراً معرفيا فكرياً كبيراً.

.......................................


ثانياً: المواقف النقدية الجريئة [ موقفه من مقولة دريدا الشهيرة :

"لا شيء خارج النص" there is nothing outside the text ؟


تصدى المفكر العربي الفلسطيني الراحل إدوارد سعيد بموقفه النقدي الواضح والجريء لمقولة دريدا " لا شيء خارج النص"، وقد أصرَّ على رفض هذه المقولة جملة وتفصيلاً في "العالم، النص، الناقد"، ومارس هذا الرفض بعمق وإصرار فريدين في "الاستشراق"1987 و"الثقافة والإمبريالية" 1993. ففي "الاستشراق" كما في "الثقافة والإمبريالية" أكّد إدوارد سعيد على العلاقة الوثيقة التي تشبك الأدب، وجميع أشكال الممارسات الثقافية، بالشروط الخارجية السياسية والاجتماعية والاقتصادية التي تحيط به. ويبدو أن النقد العنيف الذي ساقه سعيد في "الاستشراق" قد انصبّ أساساً على الخطاب الاستشراقي لكونه قد مارس أخطر عملية في تحويل "الشرق" من كينونة تاريخية وثقافية إلى مجرد "ظاهرة نصيّة"؛ وذلك لأن قيمة أي تقرير عن الشرق، كما يكتب إدوارد سعيد، لا تتأتى من "الشرق" ذاته، بل على العكس، أي من خلال إقصاء "الشرق"، الوجود الحقيقي، وإزاحته إلى شيء نافل ولا وجود له إلا في نصوص غرائبية تؤسس لتمثيلات هذا الشرق في المتخيّل الغربي الذي يعتمد، في عملية التمثيل هذه، على مؤسسات وتقاليد وأعراف ونظم ترميز للفهم متفق عليها من أجل تحقيق تأثيرها.

ومنذ البدء قد رفض إدوارد سعيد "التمييز بين المعرفة الخالصة والمعرفة السياسية"، فليس ثمة معرفة خالصة، بمعنى بريئة من انشباها وتلوثها بالواقع الذي تظهر فيه إنتاجاً أو استهلاكاً. فكل معرفة، وكل نص إنما يظهر في ظروف تاريخية محددة، وهو ما يجعل سعيد يؤكد أن "النصوص دنيوية"، وهي أحداث إلى حد ما، وهي فوق كل هذا وذاك جزء من العالم الاجتماعي والحياة البشرية، وجزء بالتأكيد من اللحظات التاريخية التي ظهرت فيها، وذلك كله هو ما يجعل النصوص ممكنة أصلاً. ومن هنا يدعو سعيد إلى أن تكون هذه الأحداث والوقائع والمؤسسات التاريخية هي مثار اهتمام النقد والوعي النقدي.

تقع هذه الدعوة في موازاة النقد الشرس الذي شنّه المفكر سعيد على النقد النصوصي الذي يعزل النص ويعزل نفسه عن الدنيا وشروطها الثقافية والاجتماعية والسياسية والاقتصادية. وسعيد يحشر تحت هذا النقد كل النقاد ما بعد البنيويين وعلى رأسهم دريدا وبارت، بل ولا يستثني من ذلك حتى "ميشيل فوكو" الذي كان يدين له بالكثير في كتابه "الاستشراق". لقد سبق لإدوارد سعيد أن وضع في مرة من المرات دريدا وفوكو في موقف متعارض، فدريدا وفوكو، من منظوره، يتعارضان في عدة أمور، فدريدا يركّز في قراءته على النص فقط، حيث لا شيء خارج النص، ولا شيء كذلك داخل النص أكثر من "آثار" يجدها القارئ. وهو ما حمل فوكو نفسه على القول، بحسب ما ينقل سعيد، إن أهمية النص لدى دريدا تكمن في كونه نصاً، أي وجوداً نصيّاً دون أي ارتباط بالواقع الفعلي. في حين أن أهمية النص لدى فوكو تكمن في كون النص ينغرس في الواقع بوصفه جزءاً من شبكة القوة أو السلطة التي هي موضوع فوكو الأثير في "المعرفة والسلطة". وهكذا فإن نقد دريدا يدخلنا، كما يكتب سعيد، في قلب النص، في حين أن نقد فوكو يدخل بنا في النص ويخرجنا منه. غير أن هذا الموقف المأخوذ بعبقرية ميشيل فوكو لم يمنع إدوارد سعيد من نقد أطروحات فوكو ومسلكه النقدي الذي وصفه سعيد في نهاية المطاف بأنه نصي. فالتاريخ عند ميشيل فوكو، كما يكتب سعيد، وجود نصي، أو هو بالأحرى مصبوغ بصبغة نصيّة. وهذه الصبغة النصية هي ما تمايز بين فوكو وبين مفكّر ماركسي خطير في نظر إدوارد سعيد، وهو أنطونيو غرامشي، وهذه النصية كذلك هي ما جعلت ميشيل فوكو مراوغاً فيما يتعلّق بدور الدولة أو السلطة السياسية في التحكّم بالمعرفة والتلاعب بها لصالحها. إن إدوارد سعيد يسحب مقولة فوكو المطروحة في "تاريخ الجنسانية" عن "السلطة موجودة في كل مكان" إلى أقصى مدى لها. فمن منظوره "إن السياسة في كل مكان"، وإن الشرط الإمبريالي الاستعماري متمدد في كل مكان، وليس هناك مجال للادعاء بوجود عالم الفن والفكر الخالصين، ولا عالم الموضوعية اللامبالية أو النظرية المتعالية.

وعلى هذا، فإن رد إدوارد سعيد على مقولة دريدا "لا شيء خارج النص" يتمثّل في مقولته الضد التي يأخذها عن ميشيل فوكو "السلطة أو السياسة في كل مكان"، بحيث يندرج في هذا الـ"كل مكان" النص ذاته، سواء نظرنا إليه بوصفه نصاً فقط أو حدثاً تاريخياً أو "حادثة ثقافية" كما يقول الدكتور عبد الله الغذامي. وهكذا، فبدل الخواء الذي يخيّم في "خارج النص" بناء على مقولة "لا شيء خارج النص"، ينقلب هذا الخواء إلى ضجيج صاخب ومثقل بالأعراف والتقاليد والمؤسسات والأنظمة والطقوس والممارسات والمتخيّلات والأحداث والوقائع، ليكون كلٌ من "خارج النص" و"داخل النص" وجوداً ممتلئاً، وهو ما يجعل إمكانية التداخل والتفاعل بين هذين الوجودين أمراً وارداً، بل هو موضوع الوعي النقدي بحسب ما يطرحه إدوارد سعيد في "العالم، النص، الناقد"، وهو ما يجعلنا نتحدث عن تأثير خارجي في النص، وتأثير نصي في الخارج. وأتصوّر أن هذا هو المعنى البعيد لمقولة التاريخانيين الجدد عن "أرخنة النصوص، وتنصيص التاريخ"، وهي المقولة التي احتفى بها الغذامي كثيراً في كتابه "النقد الثقافي".

يقودنا هذا الأمر إلى طرح حقيقة العلاقة بين التاريخانية الجديدة والتفكيكية أو التوجهات ما بعد البنيوية بصورة عامة. فهل التاريخانية الجديدة واحدة من توجهات ما بعد البنيوية؟ وهل هي تتأسس على نقد ما بعد البنيوية كما يقول الغذامي؟ أتصوّر أن مقولة التاريخانيين الجدد عن "أرخنة النصوص، وتنصيص التاريخ" كافية للقول بأن التاريخانية الجديدة ومعها النقد الثقافي تقع على الطرف النقيض من التفكيكية والتوجهات النصية البنيوية وما بعد البنيوية. فإذا كان ما بعد البنيويين يرتضون الجزء الثاني من معادلة "أرخنة النصوص، وتنصيص التاريخ"، فإنهم لن يرتضوا إطلاقاً الجزء الأول من هذه المعادلة "أرخنة النصوص"، وذلك لأن هذا الجزء يقتضي أن يكون هنالك خارج للنص، وهذا الخارج هو السياق التاريخي الذي ظهر النص فيه، وظل محكوماً به وبشروطه. وهو ما يجعلنا نحترز كثيراً في طرح العلاقة بين ما بعد البنيوية (والتفكيكية) وبين التاريخانية الجديدة، خصوصاً أن هناك نقاداً قد حسموا القول في هذه العلاقة بترجيح علاقة الضد والانقطاع بين هذه التوجهات. ومن هؤلاء "ريشارد جونسون" الذي طرح في دراسته سنة 1986 "What Is Cultural Studies Anyway" اقتراحاً مؤداه أن "الدراسات الثقافية" قد تكون حركة "ما بعد – ما بعد بنيوية" Post-post-structuralist، والأمر ينسحب، بحسب ما يرى باتريك برانتلنجر، على "التاريخانية الجديدة". ففي دراسته المعنونة "ما بعد - ما بعد البنيوية أم حركة ما قبل الانحراف: الدراسات الثقافية و التاريخانية الجديدة" Post-poststructuralist or Prelapsarian? – 1992، يجادل بأن التاريخانية الجديدة والدراسات الثقافية يمثلان حركة ما بعد – ما بعد بنيوية، وأن التاريخانية الجديدة لا تدين بشيء إلى ما بعد البنيوية، اللهم إلا بالقدر ذاته الذي تدين به إلى التاريخانية القديمة والمتمثلة في المثالية الهيجلية والمادية الماركسية، وإن كانت تقترب أكثر من هذه التيارات الأخيرة، وخصوصاً في صورتها الغرامشية والألتوسيرية. إن التاريخانية الجديدة تكشف لنا خطأ مقولة دريدا السابقة "لا شيء خارج النص". ويعرض برانتلنجر هذا الكشف بالصورة الساخرة التالية: "حسناً، ربما لم يكن هناك شيء خارج غوّاصة النصيّة أو الثقافة الصفراء غير المحيط the ocean، لكننا نستطيع رؤية هذا المحيط من خلال الفتحات الجانبية من الغوّاصة، نستطيع تحليله".

ويبقى الأمر مفتوحاً في تعيين ماذا يكون هذا المحيط؟ فمن منظور إدوارد سعيد يعد السياق الإمبريالي الاستعماري هو الشرط التاريخي المحيط بكل الممارسات الثقافية من فن وأدب وفكر في العصر الحديث، في الإمبراطوريات الاستعمارية، والأقاليم المستعمرة سواء بسواء. وهو ما يجعل موقف سعيد من النظرية النقدية مطبوعاً بكثير من النقد والانتقاد، فالنظرية النقدية بما فيها التفكيكية والماركسية وحتى التاريخانية الجديدة، من منظور سعيد، قد تحاشت مناقشة وتحليل الأفق السياسي الرئيسي المشكّل للثقافة الغربية الحديثة، وهو "الإمبريالية". فإذا كان الغذامي يتحدث عن "العمى الثقافي" الذي يجعلنا في غفلة من تسرّب الأنساق الثقافية المتشعرنة عبر الشعر وبالشعر، فإن إدوارد سعيد من قبله قد تحدّث عن "العمى" المسيطر على النظرية النقدية عن مسألة "الإمبريالية" والسياق الاستعماري المتطاول في العصر الحديث. وصحيح أن ستيفن غرينبلات قد أطلق على "التاريخانية الجديدة" مصطلح "شعريات الثقافة" أو "الشعريات الثقافية"، واعتبر أن فضيلة هذه الشعريات الثقافية، في وجودها كبديل للماركسية، أنها تعترف بأن "لا شيء خارج النص". غير أن هذه الفضيلة قد تفهم بسهولة بوصفها مشكلة، فمن المؤكد أن في الخارج يقبع الوجود الخارجي بشروطه التاريخية. وهو ما جعل برانتلنجر يفهم هذا الاعتراف بوصفه رغبة من غرينبلات ليس في إزاحة النموذج الماركسي واستبداله بنموذج نصي ما بعد بنيوي، بل في التخفف من سطوة التصور الماركسي عن البنية التحتية والبنية الفوقية. فمصطلح "شعريات الثقافة" جملة تتأسس على تحصيل حاصل، فـ"الثقافة" تساوي "الشعرية" من حيث أن كليهما تقعان من المنظور الماركسي في البينة الفوقية. فالبنية التحيتة، القاعدة الاقتصادية الصلبة، قد بدأت تذوي، فليس هناك إلا البنية الفوقية، الثقافة والشعرية. وهو ما يقرّب بين "التاريخانية الجديدة" وبين ماركسية ألتوسير مثلاً، وهو الذي رفض وجهة النظر الماركسية الفجّة التي ترى أن الأدب، وجملة الممارسات الثقافية، محكومة جملة بالعوامل الاقتصادية والاجتماعية التحتية. وقد جادل بأن الأدب يمتلك استقلالاً نسبياً عن شروطه الاقتصادية، وطرح بدل فكرة "الحتمية" المطلقة فكرة "الحتمية المضاعفة" Overdetermination ، أي أن النص محكوم بشبكة معقدة من العوامل والشروط ولا تنحصر إطلاقاً في العامل الاقتصادي فحسب. وقد أعاد تيري إيجلتون طرح فكرة ألتوسير، وأصرّ على أن علاقة النص بالأيديولوجيا يجب أن تطرح من منظور "الحتمية المضاعفة"، وهو ما جعل التفكير النقدي الماركسي المعاصر تفكيراً توفيقياً، أو نقداً توفيقياً "syncretist" يتقاطع مع أفكار وتيارات متعددة كالبنيوية وما بعد البنيوية وسيكولوجية لاكان التحليلية وسيميولوجية كريستيفا، ونظرية الخطاب، ونظرية الأنوثة، مما نجده عند إيجلتون وفردريك جيمسون اللذين لم تكن الماركسية لديهما

........................................


ثالثاً : "حــال العـرب"


مقال نشر في جريدة الحياة اللندنية بعد احتلال العراق بشهرين.


انطباعي أن الكثيرين من العرب اليوم يشعرون بأن ما يحصل في العراق منذ شهرين لا يقل عن كارثة كبرى. نعم، لقد كان نظام صدام حسين من كل الوجوه جديراً بأشد الاحتقار ومستحقاً للتدمير. كما من الصحيح أن الكثيرين شعروا بالغضب ازاء المدى المذهل الذي وصله النظام في الوحشية والتسلط، وما جاء به للعراقيين من عذاب. لا شك أيضاً أن الكثير من الحكومات والأفراد تواطأ على ادامة صدام حسين في السلطة، وتجاهل ممارساته تجاه العراق والعراقيين. ومع ذلك فإن هجوم الولايات المتحدة وبريطانيا على البلد وتدمير حكومته لم يقم على أي اعتبار أخلاقي أو عقلاني بل القوة العسكرية الصراح. فبعد سنين طويلة من دعم البعث وصدام حسين أعطى الأميركيون والبريطانيون أنفسهم حق انهاء تواطئهم مع ديكتاتوريته وتدمير تلك الديكتاتورية، ومن ثم الادعاء بأنهم جاؤوا لتحرير العراق من ذلك النظام الكريه. لكن ما يبرز الآن في العراق خلال/ وبعد الحرب اللا شرعية على شعب وحضارة تمثل جوهر العراق يشكل تهديداً للشعب العربي ككل.
لهذا من المهم هنا أن نركز أولاً على ان العرب، رغم كثرة الانشقاق والخلاف، هم شعب واحد وليس مجموعة اعتباطية من البلدان التي تنتظر بسلبية التدخل الخارجي والسيطرة الخارجية. ان هناك خطاً من التواصل الإمبراطوري من بداية الحكم العثماني على العرب في القرن السادس عشر الى يومنا هذا. وبعد الحرب العالمية الأولى حلّت بريطانيا وفرنسا محل العثمانيين، ثم حلّت محلهما اثر الحرب العالمية الثانية أميركا وإسرائيل. ومن بين التوجهات الفكرية الأكثر إيذاء في الاستشراق الأميركي - الإسرائيلي في الآونة الأخيرة، والتي تتبدى بوضوح في السياسة الأميركية والإسرائيلية منذ أواخر الأربعينات، العداء المسموم والعميق للقومية العربية والإرادة السياسية لمعارضتها وقتالها في كل شكل ممكن. فالمسلّمة الأساسية للقومية العربية بمعناها الأوسع هي أن البشر الذين يتكلمون العربية وينتمون الى الثقافة العربية، على تنوعهم وتعددهم شكلاً ومضموناً، هم عرب ومسلمون (لنسمهم الشعوب الناطقة بالعربية كما فعل ألبرت حوراني في آخر مؤلفاته) ويشكلون أمة وليس مجموعة من الدول المتناثرة بين شمال إفريقيا وحدود ايران الغربية. وقد تعرضت كل محاولة للتعبير عن هذه المسلّمة الى الهجوم، كما في حرب السويس في 1956 والحرب الكولونيالية الفرنسية على الجزائر، وحرب الاحتلال والسلب الإسرائيلية، والحملة على العراق التي كان هدفها المعلن تغيير النظام هناك فيما كان الهدف الحقيقي تدمير البلد العربي الأقوى. ومثلما كانت حملة فرنسا وبريطانيا وإسرائيل وأميركا على عبد الناصر تهدف الى تحطيم قوة أعلنت صراحة عن طموحها الى توحيد العرب ليشكلوا كتلة سياسية مستقلة وقوية، فالهدف الأميركي اليوم هو إعادة رسم خريطة العالم العربي بما يلائم المصالح الأميركية وليس العربية. انها سياسة تقوم على ما تراه أميركا من تشرذم العرب وعجزهم الجماعي وضعفهم العسكري والسياسي.


عدل سابقا من قبل في السبت سبتمبر 29, 2007 9:11 pm عدل 3 مرات
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://lorca.ahlablog.com/
kanaan
{{}} مشرف {{}}
{{}} مشرف {{}}
avatar

ذكر عدد الرسائل : 533
البلد : Yiebna
الوظيفة : Critic
تاريخ التسجيل : 12/07/2007

مُساهمةموضوع: رد: ملف ادوارد سعيد ...   السبت أغسطس 18, 2007 2:40 pm

ان من الحمق القول ان من الأفضل لكل من الدول العربية حصر مساعيها الوطنية ضمن كياناتها المنفصلة - سواء كانت تلك مصر أو سورية أو الكويت أو الأردن - بدل مخطط للتعاون العربي في المجالات الاقتصادية والسياسية والثقافية. واذا كنت، بالتأكيد، لا أرى حاجة الى اندماج كامل، فلا بد أن أي نوع من التعاون والتخطيط المشترك سيكون أفضل من مؤتمرات القمة المشينة التي شوهت حياتنا القوميـــة، كمـــا رأينا خلال الأزمة العراقية على سبيل المثال. ويطــــرح كل عربــــي، مثلما الكثيرين من الأجانب، السؤال: لماذا لا يوحد العرب قدراتهم للقتال في سبيل القضايا التي يدعون رسمياً دعمها، من بينها تلك التي تساندها شعوبهم بكل طاقاتها وجوارحها مثل القضية الفلسطينية؟
لن أضيع الوقت في القول بأن كل الخطوات التي اتخذت دعماً لقضية القومية العربية مبررة على رغم مما صحبها من انتهاكات وقصر نظر وتضييع للجهد وقمع وحماقة. ان السجل هنا ليس جيداً. لكن أريد أن أؤكد على ان العرب منذ بداية القرن العشرين لم يستطيعوا التوصل الى استقلالهم الحقيقي الكامل أو الجزئي بسبب مطامع القوى الخارجية في أراضيهم وأهميتها الاستراتيجية والثقافية. ولا نجد اليوم دولة عربية حرة في التصرف بمقدراتها أو اتخاذ المواقف التي تراها ملائمة لمصالحها، خصوصاً اذا بدا ان المصالح تهدد سياسات الولايات المتحدة. وفي السنين الخمسين أو أكثر منذ توصل الولايات المتحدة الى موقعها العالمي المسيطر قامت سياستها تجاه الشرق الأوسط على محورين لا ثالث لهما: حماية اسرائيل وضمان تدفق النفط، وكلاهما يتعارض في شكل مباشر مع القومية العربية. وقد عاملت واشنطن تطلعات الشعب العربي - مع استثناءات قليلة - بكل ازدراء وعدوانية، على رغم أنها لم تلق تحدياً يستحق الذكر من قادة العرب منذ وفاة عبد الناصر، بل ان الكل يتهافت على القيام بكل ما تطلبه.
وقد أبدى العرب ضعفاً جماعياً مذهلاً كلما تعرض جزء من عالمهم الى الصدمات والضغوط، مثل الغزو الإسرائيلي للبنان، والعقوبات على العراق التي هدفت الى اضعاف الشعب والدولة عموماً، وقصف ليبيا والسودان، والتهديدات لسورية، والضغوط على المملكة العربية السعودية. وعلى رغم قوتهم الاقتصادية الكبرى وإرادات شعوبهم فإن أياً من الدول لم توجه تحدياً مهماً كان رمزياً الى الولايات المتحدة. نجحت سياسة "فرق تسد" الاستعمارية في تجزئتهم، وأصبحت الأولوية لكل من الدول المحافظة على علاقاتها الثنائية مع أميركا. وأصبح هذا الاعتبار سابقاً على كل ما عداه، مهما كان الحاح الظروف. وهناك من بين الدول هذه التي تعتمد على المعونات الاقتصادية الأميركية، وتلك التي تعتمد على الحماية العسكرية وهكذا. ذلك ان كلاً من الدول قرر أنه لا يثق بالبقية، كما لا يهمه رفاه وتقدم الشعب، مفضلاً بدل ذلك الاعتماد على الأميركيين بكل ما لديهم من الاحتقار للعرب والتعالي عليهم، وهو ما تزايد أضعافاً منذ أن أصبحت الولايات المتحدة القوى العظيمة الوحيدة في العالم. وقد كانت هذه الدول دوما اكثر استعداداً لقتال بعضها بعضاً منها الى مواجهة العدوان الخارجي.
النتيجة اليوم، بعد غزو العراق، الشعور العميق بالإحباط والهزيمة لدى الأمة العربية، التي لا تجد أمامها سوى الانصياع الى مخططات أميركا المعلنة لاعادة رسم خريطة الشرق الأوسط لمصلحتها ومصلحة إسرائيل بالطبع. ولم يجد هذا المشروع المنفلت في شموليته حتى الآن رداً موحداً من الدول العربية، مهما كان ضعيفاً أو عمومياً. بل يبدو أن هذه الدول لا تجد سوى الوقوف مكتفة الأيدي في انتظار ما يأتي، فيما يواصل بوش ورامسفيلد وبأول والآخرون إطلاق القنابل هنا وتوزيع التهديدات هناك وترسيم الخطط وتوجيه الاهانات والقيام بالزيارات الامبراطورية لهذه الدولة أو تلك. وما يضفي مرارة خاصة على كل هذا أن العرب وافقوا من دون شروط على خريطة الطريق الأميركية (والرباعية) التي تبدو كأنها خرجت من عالم احلام اليقظة الذي يعيش فيه جورج بوش، فيما احجم الاسرائيليون بكل برود عن أي موافقة. اذ ما هو شعور الفلسطيني وهو يرى قائداً من الصف الثاني مثل أبو مازن، الذي كان دوماً من الاتباع المخلصين لعرفات، وهو يحتضن كولن باول والأميركيين، فيما يتضح حتى للأطفال أن خريطة الطريق صُممت خدمة لغرضين: أولاً اشعال حرب أهلية فلسطينية، وثانياً إخضاع الفلسطينيين دون مقابل للمطلب الأميركي - الإسرائيلي بـ"الإصلاح". هل هناك حضيض أعمق من هذا لسقوطنا؟
أما في ما يخص الخطط الأميركية للعراق فما لا يقبل الشك أن ما سيحصل سيكون وضعاً كولونياً من الطراز التقليدي، يشابه الاحتلال الإسرائيلي في 1967. ان فكرة جلب الديموقراطية بالأسلوب الأميركي الى العراق تعني أساساً إخضاعه للسياسة الأميركية، أي معاهدة سلام مع إسرائيل واعادة تنظيم أسواق النفط ضمانا للربح الأميركي، مستوى من الأمن الداخلي لا يتجاوز الحد الأدنى الممكن، بما لا يسمح بمعارضة حقيقية أو بناء حقيقي لمؤسسات الدولة. وربما كانت فكرتهم، ولو أنني لا اعرف ذلك يقيناً، تحويل العراق الى وضع لبنان أثناء الحرب الأهلية. لكن يكفينا مثال صغير واحد على نوع "التخطيط" الذي يقومون به للعراق. فقد نقلت الصحافة الأميركية أخيراً أن نوح فيلدمان (32 سنة)، البروفسور المساعد في مادة القانون في جامعة نيويورك، سيكون المسؤول عن إعداد دستور عراقي جديد. وجاء في التقارير عن التعيين لهذا المنصب الرئيسي أن فيلدمان خبير لامع في القانون الإسلامي، وقد درس العربية منذ أن كان عمره 15 سنة، وانه نشأ يهوديا محافظا. لكنه لم يمارس القانون في أي بلد عربي، ولم يزر العراق، ولا يبدو ان له أي خلفيات تساعده عمليا على فهم مشاكل عراق ما بعد الحرب. ويا لها من إهانة صريحة، وليس فقط للعراق، بل للألوف من القانونيين العرب والمسلمين الذي يمكنهم بجدارة القيام بمهمة كهذه خدمة لمستقبل العراق. لكن كلا. أميركا تريد اسناد المهمة الى هذا الشاب العديم الخبرة، لكي تستطيع القول: "ها نحن نعطي العراق الديموقراطية!". انه بالتأكيد احتقار ما بعد احتقار.
هذا العجز العربي الفاضح ازاء ما يجري يبعث على أشد الإحباط، وليس فقط لغياب المساعي الحقيقية لتشكيل رد جماعي متماسك على الحملة الأميركية. ذلك انني من منظوري كشخص في الخارج أجد أن من المذهل أننا لم نسمع طوال هذه الأزمة أي نداء من الحكام الى شعوبهم طلبا للدعم أمام الخطر الذي يهدد الجميع. فيما لا يخفي المخططون العسكريون الأميركيون انهم يتهيؤن للقيام بتغييرات جذرية في العالم العربي، وهي تغييرات يمكنهم فرضها بقوة السلاح لأن ليس هناك قوة تستحق الذكر في مواجهتهم. إضافة الى ذلك فالفكرة خلف هذه المخططات كما يبدو لا تقل عن تدمير الشعور الوحدوي الكامن لدى العرب مرة والى الأبد، والتغيير الحاسم لكل أسس حياتهم وتطلعاتهم.
ولا أرى من جهتي سبيلاً لردع استعراض القوة الهائل هذا الا بقيام تحالف لا سابق له بين الحكام العرب وشعوبهم. لكن هذا يتطلب بالتأكيد تعهد كل الحكومات العربية بفتح مجتمعاتها لشعوبها والغاء كل الإجراءات الأمنية القمعية لتشكيل معارضة منظمة للإمبريالية الجديدة. ان الشعوب التي تجبر على خوض الحروب أو التي تعاني من الاخراس والقمع لا يمكنها الوصول الى مستوى التحدي للخطر الداهم.

والمطلوب أن يكون لنا مجتمعات عربية تحررت في شكل تام من حال الحصار المفروضة ذاتياً بين الحاكم والمحكوم. لماذا اذن لا نرحب بالديموقراطية دفاعا عن الحرية وحق تقرير المصير؟ لماذا لا نقول إننا نريد تعبئة كل مواطن يرغب في القيام بالمهمة في جبهة موحدة ضد العدو المشترك؟

إننا بحاجة من كل مثقف وكل قوة سياسية الى التكاتف ضد المشروع الاستعماري لاعادة صياغة حياتنا دون موافقة منا. لماذا نترك مهمة المقاومة للتطرف والمفجرين الانتحاريين اليائسين؟
يمكن القول استطراداً إنني لاحظت أثناء قراءتي لتقرير الأمم المتحدة عن التنمية البشرية في العالم العربي قلّة تركيزه على التدخل الاستعماري في العالم العربي وما له من تأثيرات عميقة وطويلة العهد. إنني لا أقول ان الخارج هو مصدر كل مشاكلنا، لكن في الوقت نفسه ارفض الرأي القائل بأنها كلها من صنع أنفسنا. لكن لا شك أن السياق التاريخي ومشاكل التجزئة السياسية تلعب دوراً كبيراً لا يعيره التقرير اهتماماً يذكر. ان غياب الديموقراطية يعود في جزء منه الى التحالف بين القوى الغربية من جهة وأنظمة أو أحزاب الاقليات الحاكمة من الجهة الثانية، وبالتالي فالقضية ليست أن العرب لا يريدون الديموقراطية بل لأن الديموقراطية مثّلت خطرا بالنسبة للكثير من الأطراف في هذه الحلبة. إضافة الى ذلك، لماذا علينا اتخاذ النموذج الأميركي للديموقراطية (وهو التعبير الملطف عن حرية السوق وعدم الاهتمام بما للإنسان من حقوق والحاجة الى الخدمات الاجتماعية) وكأنه الوحيد المطروح. انه موضوع يحتاج الى نقاش أوسع بكثير مما تتحمله هذه المقالة، ولذا سأعود الى نقطتي الرئيسية:
لنتصور كيف كان للموقف الفلسطيني ضد الهجمة الأميركية الإسرائيلية أن يكون أكثر فاعلية لو قام على وحدة فلسطينية صلبة بدل التسابق المهين على الانضمام الى الفريق المكلف مقابلة كولن باول. ولم أفهم عبر السنين سبب فشل قادة الفلسطينيين في تطوير استراتيجية مشتركة في وجه الاحتلال ورفض الدخول في متاهات مثل خطط ميتشل أو تينيت أو "الرباعية" الحالية. لماذا لا نقول لكل الفلسطينيين.

إننا نواجه عدواً واحداً بأطماع معروفة في أرضنا وحياتنا ويجب التوحد للكفاح ضده؟ المشكلة الجذرية في كل مكان وليس فقط فلسطين هي الانقسام العميق بين الحاكم والمحكوم، وهو من النتائج المشوهة للاستعمار. انه الخوف من المشاركة الديموقراطية، وكأن مقداراً زائداً من الحرية يؤدي الى خسارة النخب الحاكمة دعم القوة الاستعمارية. النتيجة بالطبع ليست فقط غياب أي تعبئة حقيقية لخضوع الصراع المشترك بل أيضاً ادامة التجزئة والانقسامات الداخلية. وها نحن نجد أمامنا الوضع الحالي الذي يتلخص في استبعاد غالبية المواطنين العرب عن المشاركة في معركة المصير هذه.
الشعب العربي اليوم، أراد أم لم يرد، يواجه هجوماً شاملاً على مستقبله من قبل القوة الاستعمارية الأكبر، أميركا، التي تعمل بالتنسيق مع إسرائيل لإخضاعنا وتحويلنا الى إقطاعيات متصارعة أولويتها ليست الولاء لشعوبها بل لتلك القوة الاستعمارية ووكلائها المحليين. انها الحقيقة الجلية التي لا يعني عدم إدراكها سوى التعامي المتقصد. ما نحتاجه الآن هو كسر القيود الحديد التي تكبل المجتمعات العربية وتحيلها الى عُصب مكبوتة تغلي بالغضب الصامت، وقيادات لا تشعر بالاطمئنان في مواقعها، ومثقفــــين مهمشين. انها أزمة لا سابق لها، ولذا لا بد لمواجهتها من وسائل جديدة. الخطوة الأولى اذن هي إدراك حجم المشكلة، ثم العمل على التغلب على تلك العوامل التي تقصر تفاعلنا معها على الغضب العاجز وردود الفعل المبتسرة. لكن البديل أمامنا كما ذكرت، وهو يقدم الكثير مـن الأمل.


http://www.edwardsaid.org/ موقع المفكر بالانجليزية
[/size]
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://lorca.ahlablog.com/
kanaan
{{}} مشرف {{}}
{{}} مشرف {{}}
avatar

ذكر عدد الرسائل : 533
البلد : Yiebna
الوظيفة : Critic
تاريخ التسجيل : 12/07/2007

مُساهمةموضوع: رد: ملف ادوارد سعيد ...   السبت أغسطس 18, 2007 2:41 pm

رحيل الفلسطيني الطائر "إدوارد سعيد"

صبحي حديدي


[url=]كان إدوارد سعيد (1935 – 2003) استعارة حيّة من لحم ودمّ لفكرة المنفى: في المحطات الأساسية من سيرته الذاتية، وفي النقلات الكبرى لتطوّرات تفكيره النظري، وفي مجموعة المواقف التي اتخذها بصدد مسائل آيديولوجية وفلسفية وجمالية وأخلاقية وسياسية. وفي مقالته اللامعة "ذهنية الشتاء: تأملات حول الحياة في المنفي"، والتي نشرها في عام 1984، حدّد سعيد بعض خصائص المنفى على النحو التالي:"المنفى هوّة قسرية لا تنجسر بين الكائن البشري وموطنه الأصلي، وبين النفس ووطنها الحقيقي، ولا يمكن التغلّب على الحزن الناجم عن هذا الإنقطاع. وأياً كانت إنجازات المنفيّ، فإنها خاضعة على الدوام لإحساس الفقد".
إذا صحّ ذلك، فكيف تحوّل ذلك الإحساس بالفقد إلى دافع غنيّ للثقافة الحديثة؟ يجيب سعيد: "ربما لأن الحقبة الحديثة ذاتها مُتيتّمة ومغتربة روحياً، ويُفترَض أن هذا هو عصر القلق الشامل والحشود العزلاء". وهكذا فإن المنجز الأساسي في الثقافة الغربية الحديثة صنعه المنفيون، والمهاجرون، واللاجئون. ويضرب سعيد أينشتاين وصمويل بيكيت وفلاديمير نابوكوف وإزرا باوند أمثلة على ذلك.
أنْ نفكّر بفوائد المنفى كباعث على الموقف الإنساني والإبداع أمر لا يعني التقليل من عذاباته الكبرى. وأنْ نرى شاعراً في المنفى أمر آخر غير أن نقرأ شعره عن المنفى. والمبدعون المنفيون يسبغون الكرامة على شرط كان القصد منه في الأساس حرمانهم من الكرامة. وبهذا المعني، لكي نفهم المنفى كعقاب سياسي معاصر، من الضروري أن نذهب أبعد مما يرسمه الأدب من ملامح. باريس، على سبيل المثال، اشتهرت باجتذاب عشرات المنفيين الكوزموبوليتيين، ولكنها كانت أيضاً المدينة التي شهدت عذابات الآلاف من النساء والرجال المنفيين المجهولين الذين لا نعرف أسماءهم وحكاياتهم.
القوميات تدور حول الجماعات، بينما يدور المنفى حول غياب الجماعة الوضعية المتموضعة في موطن أصلي. فكيف للمرء أن يتغلّب على عزلة المنفى دون أن يقع فريسة لغة الفخار القومي والعواطف الجَمْعية ومشاعر الجماعة؟ من هنا فإن المنفى "حالة حَسَد". ولأن المنفيّ لا يملك سوي القليل فإنه يتشبث بما يملكه ويدافع عنه بشراسة. ما ينجزه المنفيّ هو ذاك الذي لا يريد لأحد أن يشاركه فيه، وهكذا تتنامى مشاعر الانطواء والاستئثار، والتضامن داخل الجماعة الصغيرة، والعداء للآخر. ومن هنا أيضاً تولد تلك الحالة القصوى من مناخات المنفى: أي معاناة النفي على يد فئة منفية أصلاً...
العالم الجديد للمنفيّ هو منطقياً عالم لاطبيعي، ولاواقعيته تشبه الخيال. وفي كتابه "الرواية التاريخية" أثار جورج لوكاش مناقشة عميقة حول أن الرواية (وهي شكل أدبي نبع من لاواقعية الطموح والفانتازيا)، هي شكل من التشرّد التصعيدي Transcendental Homelene. ورأى لوكاش أن الملاحم الكلاسيكية تنبثق من ثقافات مستقرة حيث القيم واضحة والهويات ثابتة، والحياة لا تتبدّل. الرواية الأوروبية تنهض من تجربة معاكسة، حول مجتمع متبدّل حيث يسعى البطل (المنتمي إلى الطبقة الوسطى) إلى بناء عالم جديد يشبه بعض الشيء العالم القديم الذي جرى التخلّي عنه. عوليس يعود إلى إيثاكا بعد سنوات من التجوال، وآخيل سوف يموت لأنه لا يستطيع الفرار من قدره. ولكن الرواية توجد لأنه قد توجد عوالم أخرى هي بدائل يحتاجها البرجوازي والجوّال والمنفيّ.
المنفى تجربة يتوّجب عيشها بحيث تسمح بإحياء الهوية، وإحياء الحياة نفسها، وترتقي بها إلى وضعية أكثر اكتمالاً ومعنى. هذه النظرة الخَلاصية إلى المنفى دينية أساساً، رغم أنها كانت أطروحة للعديد من الثقافات، والإيديولوجيات السياسية، والأساطير، والتراثات. المنفى يصبح شرطاً سابقاً ضرورياً من أجل حالة أفضل، وهذا ما نعرفه عن نفي الأمم قبل أن تحرز كياناتها، ونعرفه أيضاً عن نفي أنبياء مثل موسي والمسيح ومحمد قبل عودتهم الظافرة.
المنفى ليس موقع امتياز يتيح للفرد ممارسة التأمل الذاتي، بل هو بديل عن مختلف المؤسسات الجبارة التي تهيمن على معظم الحياة المعاصرة. وإذا اختار المنفيّ أن لا يمارس النقد العميق، وأن يكتفي بلعق جراحه على الخطوط الجانبية للحياة، فإن من واجبه أن يطوّر حسّاً معمقاً بالذات، من النوع الذي فعله الفيلسوف الألماني اليهودي تيودور أدورنو في عمله الهامّ Minima Moralia، والذي كتبه في المنفى واختار له عنواناً فرعياً هو "تأملات من داخل حياة مبتورة". ولقد رأى أدورنو أن الحياة تنضغط في أوطان جاهزة مسبقة الصنع، والموضوعات تنقلب إلى سلعة، والواجب الأخلاقي يقتضي أن لا يشعر المرء بالاستقرار في أي مقام. هذه هي المهمة الفكرية التي يتولاها المنفيّ.
والمنفي، كما تحدّث عنه الناقد الأدبي الألماني الكبير إريك أورباخ Erich Auerbach أثناء نفيه في تركيا خلال الحرب العالمية الثانية، هو تصعيد للحدود الوطنية أو الأقاليمية. إنه يتعلّق بوجود الموطن الأصلي وحبّه والإرتباط به، ولكن ما هو حقيقي في كل حالة نفي ليس فقدان الوطن وحبّ الوطن، بل أن الفقد موروث في الوجود ذاته للوطن ولحبّ الوطن.
وينتهي سعيد إلى القول: "المنفى لا يمكن أبداً أن يكون حالة رضى عن النفس، واطمئنان، واستقرار. المنفى، بكلمات [الشاعر الأمريكي] والاس ستيفنز هو ذهنية الشتاء حيث تكون عواطف الصيف والخريف، مثل العواطف الكامنة للربيع، قريبة ولكنها ليست في المنال. المنفى هو الحياة خارج النظام المألوف. المنفي بَدَوي، غير متمركز، طباقي Contrapuntal، ولكن المرء ما يكاد يتعوّد عليه حتي تندلع من جديد قوّته غير المستقرّة".
[/url]


عدل سابقا من قبل في السبت أغسطس 18, 2007 2:44 pm عدل 1 مرات
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://lorca.ahlablog.com/
kanaan
{{}} مشرف {{}}
{{}} مشرف {{}}
avatar

ذكر عدد الرسائل : 533
البلد : Yiebna
الوظيفة : Critic
تاريخ التسجيل : 12/07/2007

مُساهمةموضوع: رد: ملف ادوارد سعيد ...   السبت أغسطس 18, 2007 2:42 pm

***

والحال أنّ محطات حياة إدوارد سعيد شواهد صريحة على هذا النزوع القلق الدائم إلى الإنشقاق عن المألوف، كلما تجمّد هذا المألوف وانقلب إلى قواعد دوغمائية مطلقة مغلقة. في الثالثة عشرة من عمره انشقّ مبكراً عن القراءات التي أرادت الأسرة أن يواظب عليها (روايات "روبنسون كروزو"، "إيفانهو"، "طرزان"، "شرلوك هولمز"...)، فسرق كتاب سيغموند فرويد "تفسير الأحلام" من مكتبة والده وقرأه خفية في الهزيع الأخير من الليل. وفي سنّ السادسة عشرة طُرد من "كلية فكتوريا"، المدرسة الكولونيالية الأبرز في القاهرة، لأنّ مناهج التدريس الإنكليزية التقليدية كانت أكثر جموداً من أن تتسع للتوثّب القلق في داخله. وحين غادر إلى أمريكا عام 1951، ثم انتسب إلى جامعة هارفارد ودرس الآداب الإنكليزية والفرنسية والإيطالية والإغريقية والرومانية، قادته سجيّته المتمردة إلى قراءة كتابَيْ جورج لوكاش "التاريخ والوعي الطبقي" في الترجمة الفرنسية، و"الرواية التاريخية" في ترجمتها الإنكليزية، ثم تعمّق أكثر في الفلسفة القارّية فقرأ المفكّرَين الإيطالييَن فيكو وغرامشي، والألمان هايدغر وأورباخ وأدورنو، والفرنسيين ميرلو ـ بونتي وغولدمان وليفي ـ ستروس وفوكو وبارت.
هذا التكوين التركيبي، المهاجر أبداً إذا صحّ القول، لم يكن منفصلاً عن التيارات التي كانت تعصف بالمشهد الأمريكي في مجال الأدب والنظرية النقدية بصفة خاصة، مثل مدارس النقد الجديد ، والنقد النصّي كما مارسه ر. ب. بلاكمور R.P.Blackmur، والتأثيرات الفردية لأشخاص مثل ت. س. إليوت ونورثروب فراي وهارولد بلوم. ولكن الفلسفة القارّية الأوروبية ستكون حاضرة منذ البدء في عمل سعيد، ومنذ أطروحة الدكتوراه التي ستتحوّل إلى كتابه الأول "جوزيف كونراد ورواية السيرة الذاتية" Joseph Conrad and the Fiction of Autobiography. في هذا الكتاب اعتمد سعيد على منجزات مدرسة جنيف في النقد الفينومينولوجي، ولكنه طوّع مناهج هارفارد وتقاليدها الأكاديمية في الآن ذاته. ومن خلال التدقيق المعمّق في رسائل جوزيف كونراد، رسم سعيد الخطوط الكبرى لمزاج الروائي البولندي الأصل لكي يكشف كيفية توليدها للأطر الرئيسية في رواياته، ولكي يبرهن على نحو مدهش أن كونراد انشغل دائماً بالتوتّر بين وعيه لنفسه من جهة أولى، وإحساسه بالشروط المتصارعة التي تكيّف وجوده كـ "آخر" فردي ولغوي في التراث المكتوب بالأنكليزية من جهة ثانية.
في الكتاب الثاني، "بدايات: القصد والمنهج" Beginnings: Intention and Method، أثار سعيد مشكلة فكرة البداية حين تستحوذ على الذات الفردية وتشارك في ميل الذات إلى التغيير والتبدّل، وناقش هذه المشكلة في مراحل ثلاث: في الرواية الكلاسيكية، وفي الأدب الحداثي، وفي المفاهيم السكونية التي تهيمن على الفلسفة البنيوية الفرنسية. وطرح سعيد الطراز النموذجي للبدايات كما عبّر عنه الفيلسوف الإيطالي فيكو (القرن الثامن عشر)، وكيف أن البدايات لا تُكتشف بل تُخلق وتُصاغ وتتفاعل وتتطوّر وفق جدل العلاقة بين المعرفة التراثية والحدود الثقافية وديناميات المخيّلة. كان سعيد قد اعتمد في الكتابين على الفلسفة الوجودية وميرلو ـ بونتي وهايدغر وفيكو، وكان في مطلع الثلاثين من العمر... وكانت هزيمة 1967 وحرب أيلول الأسود 1970 والعودة من جديد إلى العالم العربي تضغط على مناهج وأدوات المفكّر القلق أبداً.
في عام 1969 سافر إلى عمّان، وشهد أيلول الأسود بأمّ عينيه، وتبلور تعاطفه مع حركة المقاومة الفلسطينية. بعدها غادر إلى بيروت وتزوّج من سيدة لبنانية، ثم درس اللغة العربية على يد أنيس فريحة، وقرأ الغزالي وابن خلدون والفلسفة الأندلسية وطه حسين ونجيب محفوظ، قبل أن يشهد حرب 1973 ويكتشف عيانياً أن ما يجري على الأرض لم يكن يتوافق أبداً مع ما يُكتب في وسائل الإعلام الغربية. وهكذا تبلورت ملامح انشقاق بارز جديد هو التفكير في خطاب الاستشراق والصورة التي ابتدعها الغرب عن الشرق والعلاقات بين المعرفة والسلطة في ذلك كله. ثم صدر كتاب "الاستشراق" Orientalism الذي كانت المؤسسة الاستشراقية قبله على حال، ثم باتت بعده في حال آخر مختلف تماماً. وهذا الكتاب سوف يقود إلى عمله الأساسي حول الصراع العربي ـ الاسرائيلي "قضية فلسطين" The Question of Palestine ، 1979، وكتابه "تغطية الاسلام" Covering Islam ، 1981، الذي يستكمل نقد الاستشراق بنقد للتنميطات الزائفة التي تلجأ إليها وسائل الإعلام الغربية حين تتناول موضوعات الاسلام والشرق للاسلام.
وفي كتابه "العالم، النصّ، الناقد" The World, the Text, and the Critic، 1983، طوّر سعيد مفاهيم جديدة تصبّ في دائرة النقد العميق والإنشقاق الدائم، فتحدّث عن النقد العلماني (حيث الوعي شبكة مقاومة أمام أحابيل الخطاب، وحيث القيم الانسانية الكونية هي نواظم الإجماع في تحديد جبروت أي نظام ثقافي)، والنظرية المترحلة Traveling Theory (حيث الأفكار والنظريات تسافر مثل البشر ومدارس التفكير، منطلقة من شهادة ميلاد ونقطة بدء ومسار رحيل وشروط وصول ومقتضيات رحيل جديد)، والنقد الديني (حيث يجري نسخ الثقافة إلى شعائر وشعائر مضادة، وإلى لافتات مطلقة تلغي أي تمييز جدلي بين "الإرهاب" و"المقاومة"، والاسلام والليبرالية). وبعد عقد كامل سيتابع سعيد خيوط النظرية المترحلة في كتابه الصغير الهام "تمثيلات المثقف"، Representations of the Intellectual والذي كان في الأصل مجموعة محاضرات رايث، وهي السلسلة المرموقة التي تنظمها هيئة الـ BBC في كل عام. كذلك ستتكرر مناهجه النقدية في كتاباته عن الموسيقي والسينما والأوبرا، وفي إعادة التقاطه لجوانب حيوية نوعية للثقافة الشعبية في الحياة القاهرية بصفة خاصة (البورتريه الشهير الذي كتبه عن الراقصة الشرقية تحية كاريوكا علي سبيل المثال).
"الثقافة والإمبريالية" Culture and Imperialism هو التتمة الكبري لـ "الاستشراق"، وهذا الكتاب يستدرك ما غاب عن الكتاب الأول الرائد، سواء في مناقشة نسق الثقافة الإمبريالية أو تجربة المقاومة التي أفرزها ذلك النسق ضمن عوامل أخرى. ولأن ميدان اهتمام سعيد هو الامبراطوريات الغربية في القرنين التاسع عشر والعشرين، فإن الرواية هي الشكل الأدبي الأساسي الذي يبحث فيه عن صياغة المواقف الإمبريالية في أعمال جوزيف كونراد، جين أوستن، إي. م. فورستر، كاثرين مانسفيلد، توماس هاردي، روديارد كبلنغ، أندريه جيد، ألبير كامو، أندريه مالرو، وفي عمل أوبرالي متروبوليتاني مثل "عايدة". وهو يتناول الإمبراطوريات البريطانية والفرنسية والأمريكية، ويترك النمساوية ـ الهنغارية والروسية والعثمانية والإسبانية والبرتغالية، ليس للإيحاء بأي فارق معياري في الطبيعة الإمبريالية، بل لأن الإمبرياليات الثلاث الأولى تتسم بدرجة عالية من الانسجام والوحدة ومركزة المرجعيات الثقافية. المفتاح المنهجي في "الثقافة والإمبريالية" هو ما يطلق عليه سعيد اسم القراءة الطباقية التي تستمد استراتيجيتها من الطباق الموسيقي وتمكّن من بلوغ تقييم معمق للخلفيات والسيرورات والأشكال في أي عمل ثقافي، وتذكّر بمفهوم النقد العلماني وتطوّر تطبيقاته.
وفي أواخر العام 1991 صدر كتابه "خارج المكان" Out of Place ، الذي يروي فيه بعض سيرته الذاتية، وبعض تفاصيل الإحساس الطاغي الذي نادراً ما فارقه، وكان يفيد بأنه "خارج المكان دائماً": من القدس التي ولد فيها سنة 1935، إلى القاهرة التي ارتحل إليها مع أفراد أسرته فأقام فيها ودرس في مدارسها، إلى بلدة ضهور الشوير اللبنانية حيث موطن والدته (الفلسطينية، لأمّ لبنانية)، إلى برنستون حيث أنهى دراسته الجامعية، إلى هارفارد حيث تقدّم بأطروحة الدكتوراه، إلى المزيد من الترحال الدائم واللاحق، جيئة وذهاباً بين الولايات المتحدة ومصر ولبنان وفلسطين (التي عاد إليها في عام 1992، للمرّة الأولى منذ مغادرته لها في عام النكبة1948)، فضلاً عن عشرات الأمكنة هنا وهناك.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://lorca.ahlablog.com/
kanaan
{{}} مشرف {{}}
{{}} مشرف {{}}
avatar

ذكر عدد الرسائل : 533
البلد : Yiebna
الوظيفة : Critic
تاريخ التسجيل : 12/07/2007

مُساهمةموضوع: رد: ملف ادوارد سعيد ...   السبت أغسطس 18, 2007 2:42 pm

* * *

كان إدوارد سعيد ينتمي، بالتالي، إلى تلك القلّة من المفكّرين المعاصرين الذين يسهل تحديد قسماتهم الفكرية الكبرى، ومناهجهم وأنظمتهم المعرفية وانهماكاتهم، ولكن يصعب على الدوام حصرهم في مدرسة تفكير محددة، أو تصنيفهم وفق مذهب بعينه. ذلك لأنه نموذج دائم للمثقف الدائم الانشقاق، ممن يعيش عصره على نحو جدلي ويدرج إشكالية الظواهر كبند محوري على جدول أعمال العقل، ويخضع مَلَكة التفكير لناظم معرفي ومنهجي مركزي هو النقد. إنه ناقد، ومفكّر، ومنظّر أدبي؛ وهو يساري، علماني، إنسيّ Humanist، حداثي. ولكنه كتب نقداً معمقاً بالغ الجرأة ضد يسار أدبي يبتذل الموهبة الإبداعية حين يخضعها للسياسة اليومية أو الطارئة فينتقصها أو يستزيدها قياساً على ما ليس فيها، وكان بين أشجع نقّاد العلمانية الكوزمبوليتية التي لا تبصر أي عنصر تقدمي في المعتقدات المكوّنة للثقافة والذاكرة الجَمْعية، ومارس فضحاً منهجياً صارماً وأصيلاً لنزعة إنسيّة مطلقة تبدأ من مركزية كونية لكي تصبّ في مركزية غربية صرفة تقصي الآخر أو تهمشه لصالح ذات أوروبية مؤنسنة على نحو تجريدي أقصى، وغاص عميقاً في تاريخانية Historicity الحداثة وفي ملفاتها الثقافية ـ الاجتماعية لكي تنكشف الحدود الفاصلة بين التحديث وقسر التحديث، وبذل جهوداً مضنية لكي يكون الخطاب الصادر عن مفكّري ونقاد العالم الثالث (من الشباب بصفة خاصة) بعيداً عن ابتداع مركزية جديدة تضع الأطراف في مواجهة أحادية عدائية مع المركز الإمبريالي بكل ما ينطوي عليه من إنجاز إبداعي وفكري، هو الذي كان في طليعة من فتحوا ملفات الاستشراق وتخييل الشرق وأعادوا قراءة فرانز فانون بهدف تكوين جدل نقدي لنظريات الخطاب ما بعد الكولونيالي لحقّ التابع في تمثيل الذات.
وثمة تتمة أخري في مسار التفكير الانشقاقي الوفيّ أبداً لحقيقة ما يجري في التاريخ، وعلى الأرض، وفي السطوح الأعمق من المخيّلة: القضية الفلسطينية. وفي زمن مضى كان الإعلام الأمريكي، المنحاز قلباً وقالباً للدولة العبرية، يطلق على إدوارد سعيد لقب "بروفيسور الإرهاب" الذي يريق الحبر دفاعاً عن إراقة الإرهابي الفلسطيني لدماء الأبرياء. وفي عام 1989 نشر إدوارد ألكسندر مقالته الشهيرة "بروفيسور الإرهاب" في مجلة Commentary الأمريكية المتعاطفة مع الشطر الليكودي من الدولة العبرية، وقال فيه: "يجب أن نتذكر على الدوام أن إدوارد سعيد ليس فقط مجرد بروفيسور وإيديولوجي، بل هو أيضاً عضو في المجلس الوطني الفلسطيني، والناطق الأبرز باسم منظمة التحرير الفلسطينية في وسائل الإعلام الأمريكية، وواحد من أقرب مستشاري عرفات. مَنْ ينسى الصُوَر التلفزيونية لشهر نوفمبر الماضي، والتي تصوّر هذا المثقف وهو يدنو من ملك الإرهاب، ويهمس (مَن يعرف ماذا؟) في أذن سيّده عند اختتام اجتماع المجلس الوطني الفلسطيني في الجزائر"!
ورغم أنّ سعيد كان من أشدّ المعارضين لاتفاقات أوسلو، وكانت تحليلاته لآثارها المستقبلية المدمّرة بمثابة الكاشف الأحدث عهداً لذلك النوع الدؤوب من الانشقاق الشريف والشجاع والنبيل الذي يتوقف مطوّلاً عند الحق البسيط والحقّ اليومي والحقّ الثابت في إبقاء التاريخ نصب الأعين، فإنّ المؤسسة الصهيونية لم توفّر سيرورة تهديم سعيد بالمعنى المادّي الحرفي للكلمة. ففي أواسط العام 1999، نشرت مجلة "كومنتري" ذاتها مادّة مطوّلة لـ "الباحث" الإسرائيلي جستس رايد فاينر، الذي صرف ثلاث سنوات وهو ينقّب في أرشيفات فلسطين أيّام الإنتداب البريطاني، وفي قيود الأحوال المدنية، والصكوك العقارية، وسجلات مدرسة سان جورج في القدس، واستجوب نحو 58 من الشخصيات المعاصرة لتلك الحقبة، وسافر لهذا الغرض إلي عواصم عديدة بينها القاهرة وعمّان، فانتهى إلى النتيجة التالية: إدوارد سعيد لم يعش في القدس، ولم ينتسب إلى أيّ من مدارسها، وهو ليس لاجئاً!
وبالطبع، كان مطلوباً من هذا "الإكتشاف" أن يقوّض حكاية إدوارد سعيد المنفيّ الفلسطيني، وهنا مربط الفرس. سعيد، بالتالي، لم يعد رمزاً للظلم الإسرائيلي كما كتب ألن فيلبس مراسل "الديلي تلغراف" في القدس. وأمّا "حكايته المؤثّرة"، التي كانت تُروى وتقتبس في الصحف والمجلات وأقنية التلفزة، فينبغي أن تُطوى اعتباراً من تاريخ هذا "الإكتشاف". أخيراً، "هذا الرجل الذي حظي بموقع مدلّل اليسار الأمريكي زمناً طويلاً، لا يمكن أن يستأثر بعد الآن بموقع الرمز الحيّ للشتات الفلسطيني".
والحال أنّ جبروت إدوارد سعيد لم ينهض، في أيّ يوم، على استثمار حكايته الشخصية، ونهض في المقابل على استثمار عبقري ذكيّ ودؤوب ومبدئي لكلّ ما في القضية الفلسطينية من أبعاد إنسانية وتاريخية وثقافية وجيو ـ سياسية. وفي إحدى صفحات كتابه "خارج المكان" يقول: "ما يستولي عليّ الآن هو مقدار الإقتلاع الذي حاقَ بأسرتي وأصدقائي ولم أدرك سوى القليل منه، إذْ كنت في الجوهر شاهداً علي العام 1948 دون أن أعرفه (...) أبصر الحزن والفقدان في وجوه وحيوّات الناس الذين عرفتهم من قبل، وفي الآن ذاته أعجز عن فهم المأساة التي حلّت بهم". ولم يطل الوقت حتى ذهبت هذه الأكذوبة جفاء وأدراج الرياح، ومكث سعيد وكتابه علي الأرض ينفعان الناس، بدليل فوز "خارج المكان" بجائزة المجلة الأمريكية الشهيرة "نيويوركر".
الروائي الياباني كنزابورو أوي، الحائز على نوبل الآداب، اعتبر أنّ "عمل سعيد يأتينا مثل بارقة سماوية. وعلى نحو مفعم بالحيوية نتابع درب سعيد إلى الوعي بالذات، ذاك الذي جعل منه أحد المفكرين الذين لا غنى عنهم في نهاية هذا القرن". نادين غورديمر، الحائزة على نوبل الآداب بدورها، قالت إنّ "لسعيد مكانه بين أكثر مفكّري قرننا أهمية وصدقاً. وحياته الموصوفة هنا، من المنظور المأساوي والظافر لمرض عضال، جديرة بأن تُعاش وتُروى. وأعرف أنني لن أقرأ كتاباً أفضل من كتاب سعيد، ليس في هذا العام فحسب، بل على امتداد سنوات طويلة قادمة". سلمان رشدي، من جانبه، قال: أولئك الذين، من أمثالنا، عاشوا حياتهم موزّعين بين الثقافات، والذين رأوا في ذلك المصير نعمة ونقمة، سوف يشعرون بالإمتنان لأنّ سعيد أسبغ تعبيراً شخصياً بليغاً على تجربة الإزدواج تلك: عذاباتها واضطراباتها، ولكن أيضاً طاقاتها التحريرية وإمكاناتها. وأن يقرأ المرء عمل سعيد أمر يتيح التعرّف على أسرته ونفسه الفتيّة تماماً على غرار ما نعرفه في الشخصيات الأدبية، وأمر يبيّن لنا ــ في سياق حميم لا يُنسى ــ معنى أن يكون المرء فلسطينياً في النصف الثاني من هذا القرن". ولقد كانت سلسلة مقالاته في مناهضة ما يُسمّي الحرب علي الإرهاب، وفي تشريح حقيقة ما حدث يوم 11/9/1002 وما تلاه من حرب على أفغانستان وغزو للعراق، كانت الفصول الأخيرة في حقيبة انشقاق مستديم شجاع ونبيل. كذلك كانت آخر البراهين على أنّ إدوارد سعيد ظلّ مخلوق الدرب الذي سار عليه، ومخلوق التاريخ واللغات والثقافات التي اشتقّ نفسه منها، تماماً كما قال في حوار مع كاتب هذه السطور: "لم أعد أشعر أنني شعبان منفصلان في واحد، بل أربعة أو خمسة ربما".

_________________________
- عن موقع " الرأي"
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://lorca.ahlablog.com/
kanaan
{{}} مشرف {{}}
{{}} مشرف {{}}
avatar

ذكر عدد الرسائل : 533
البلد : Yiebna
الوظيفة : Critic
تاريخ التسجيل : 12/07/2007

مُساهمةموضوع: رد: ملف ادوارد سعيد ...   السبت أغسطس 18, 2007 2:45 pm

بورتريه منحازٌ لإدوارد سعيد

تزفيتان تودوروف


التقيتُ إدوارد سعيد في سنوات السبعينات في جامعة كولومبيا بنيويورك. كنتُ أرتادها مَرَّةً كُلَّ ثلاث سنوات وكنتُ أُلْقِي فيها مُحاضَرَات في قسم الأدب المُقارَن حيث كان يُدَرِّسُ إدوارد سعيد. تَعَرَّفْتُ عليه سنة 1974، ولكننا لَمْ نُصْبِحْ صديقَيْن إلاّ سنة 1977 أريد أن أستَحْضِرَ الانطباعَ الذي تَوَلَّدَ عن هذا اللقاء دُونَ أن نُخَطِّطَ للقاءات التي سَتَلِيه. لدينا قواسم مشتركة يمكنُهَا أنْ تُقَرِّبَ مابَيْنَنَا. وُلِدَ سنة 1935، وهو يَكْبُرُنِي بأربع سنوات، وهُوَ فَارِقٌ ليست له كبيرُ أهمية في عُمْرِنَا. كان قَد نَشَرَ كِتَابَهُ الأول "جوزيف كونراد ورواية السيرة الذاتية" Joseph Conrad and the Fiction of Autobiography من أطروحة دكتوراه، في سنة 1966، أمّا كتابي الأول، وهو عبارة عن أطروحتي المُعَدَّلَة، فقَدْ ظَهَر سنة 1967. كان يهتمّ بالنِّقَاشَات "النَظَرِيَّة" كما كنّا نطلق عليها حِينَهَا، والتي كان يُثيرُهَا بعضُ النُقَّاد والفَلاَسِفَة الفرنسيون، وقد ساهم فيها في كتابه الثاني "البدايات" Beginnings، الذي يعود لسنة 1974. كنتُ مُنْشَغِلاً بتجديد الدراسات الأدبية، وكنا نستطيع أن نَعْثُرَ على لُغَة مُشْتَرَكَة. ولكن كانت ثمة خاصية مشتركة أكبر وأهمّ من سِيرتَيْنَا: فَقَدْ كان كِلانا مُهاجِراً، هو في الولايات المتحدة وأنَا في فرنسا، مهاجران قادِمان من بلدين وَاقِعَين على هامش الغرب، هو القادم من فلسطين ومصر وأنا من بلغاريا. وهي مجموعة بلدان (مصر، فلسطين وبلغاريا) تفرق بينها مجموعة من القَوَاسِم ولكننا نَعْثُرُ فيها على نَفْس الإحساس بالقُرْبِ وبالدونية بالمقارنة مع أوروبا الغربية أو أمريكا الشمالية - شعورٌ يمكنه أن يُوَلِّدَ خليطا من الحسد والغيرة ومن الضغينة. يُضَافُ إلى ما سبق كونُ بلدانِنَا يَرْبِطُ ما بينها قَاسِمُ خُضُوعِهَا، في الماضي البعيد، لنفس الدولة، أي الإمبراطورية العثمانية. لم يُمارِس الأتراكُ سياسة الإدماج القسريّ، ولكن بعض أشكال الحياة كانت موجودة في هذا الطرف أو ذاك من الإمبراطورية. هكذا اكتشفنا، بكثير من المفاجأة، تَقَارُباً كبيراً بين تَقاليدنا المتعلقة بالطبخ، الخيار (القثّاء) باللَّبَنِ الرائب والباذنجان وكُرَيَّات اللَّحْم الصغيرة... لاحِقاً وبعد أن قرأتُ سيرته الذاتية سأكتشِفُ تَقَاطُعاً آخر لِطُرُقِنَا. في سنة 1912 ستدخل الدولة البلغارية التي كان قد مضى على استِقْلالِهَا عن الوصاية العثمانية (الكلمة المكرسة باللغة البلغارية هي النّير) خمسة وثلاثون سنة في أول حرب بلقانية ضد الأتراك. والد "إدوارد سعيد" الذي كان يقيم بفلسطين، والتي كانت لا تزال تخضع للهيمنة التركية، سيتمّ استدعاؤُهُ لقضاء الخدمة العسكرية وإذاً لِمُحَاربة البلغار. مَنظورٌ حزينٌ سيَجْعَله يُغادِرُ بلدَهُ لِيَلْتَحِقَ بالولايات المتحدة - وهنا سيحصُلُ على الجنسية الأمريكية. وهو ما سَيُوَجِّهُ مصير وقَدَرَ ابنه، بعد أربَعين سنة. هكذا سَتُشَكِّلُ الإمبراطورية العثمانية ومُعَارَضَتُهَا جزءاً من إرْثِنَا، معا أنا و"إدوارد سعيد".

إنّ كُلَّ المُهاجِرين يمتلكون شخصيات متعددة، لأنهم يعرفون القطيعة ما بين فترة سابقة وأخرى لاحقة، ولكن كلينا عَاشَ هذه التعددية على طريقته. تَعددية "إدوارد سعيد" كانتْ مُعَقَّدَةً بشكل خاصّ، ويحمل منها آثاراً حتى في اسمه، حيث نصفه إنجليزي ونصفه الآخَر عربيّ. كان ينحدر من بلد لا وجود له، عاش المنفى في مصر، وتَلقَّى تعليمه في المدارس الإنجليزيّة التي كانت مُوَجَّهة لِنُخْبَة البلد ولَكِنْ بِنِيَةِ الاحتقار أو رفض الثقافة المحليّة، ثم تعرّض للمنفى للمرة الثانية في الولايات المتحدة حيث كان محلَّ اعتراف من الجامعات الأمريكية الشهيرة، كما كان في نفس الوقت يَشْعُرُ بالسَّخَط والاستنكار للسياسة الخارجية للبلد.. لم يَعُدْ "إدوارد سعيد" يَعرِفُ ما هي لغته الأصلية، العربية أم الإنجليزية، لُغَة من تعرّض للهيمنة أم لغة المُهَيْمِنِينَ.

إنّ الانتماءَ المُوَازي لعدة بلدان من "الدرجة الثانية"، أو الانتماء لِدُول هامشية بالمقارنة مع الغرب، كان مسؤولاً دونما شكّ عن التعاطف الذي كنتُ أحِسُّ به تجاه صديقي الجديد، ولكنه لم يكن الوحيد. لم تكن توجد لدى "سعيد" أدنى غطرسة، ولم يكن يُعيرُ أدنى أهمية للأعراف ولا لعادات أو تقاليد الحياة الأكاديمية العزيزة على قلوب زملاء آخَرين (لا يجب أن ننسى أن هذه العادات والتقاليد تَحْظَى باحترام أقلّ في جامعة نيويورك بالمقارنة مع الجامعات الأخرى). كان يُحِبّ المزاح والتنكيت وكان يُعيرُ أهميّةً كبيرة للصداقة. كانت تصرفاته تُجَسِّدُ البساطة، وكان الشخصَ الأكثر إخلاصاً ومَوَدَّة الذي التقيتُ به في هذا الوسط. كُنّا نَنْزِلُ دونما حَرَج عنده وعند زوجته "مريم" Mariam حتى حِينَمَا كُنّا مرفوقين بأبنائنا. ما زِلْتُ أراهُ –ولكن هذا يعود إلى عشر أو خمسة عشر سنة- وهو يعدو في أَثَرِ أُسْرَتِنَا الصغيرة في شوارع نيويورك كي يُعيدَ إلينا رَضَّاعَة طِفْلِنَا الصغير التي نسيناها في شُقَّتِهِ بعد سهرة حافلة.


عدل سابقا من قبل في السبت أغسطس 18, 2007 2:50 pm عدل 1 مرات
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://lorca.ahlablog.com/
kanaan
{{}} مشرف {{}}
{{}} مشرف {{}}
avatar

ذكر عدد الرسائل : 533
البلد : Yiebna
الوظيفة : Critic
تاريخ التسجيل : 12/07/2007

مُساهمةموضوع: رد: ملف ادوارد سعيد ...   السبت أغسطس 18, 2007 2:46 pm

في هذه الأثناء كان "إدوارد سعيد" رجلاً في عجلة من أَمْرِهِ بِشَكل دائم، أو كان بالأحرى يعيشُ بسرعةٍ تَتَجَاوَزُ سُرْعَة معظم الرجال الآخرين، فقد كانت له نشاطات لا تحصى ولا تُعَدُّ، وكان يتوجب عليه أن يُسْرِعَ دائما كي يَتَفَرَّغَ للأشياء التي تلي دونما توقف. لم يَكُن يَعرِفُ القلق أمَامَ الورقة البيضاء، ولم يَكُنْ يَرْكَنُ أبداً لِلْعُطَل. لقد كانت السرعة قُوَّتَهُ، إذ كان يَعْزِف بشكلٍ لافتٍ على البيانو، ولكِنِّي كُنتُ أريدُ أن أراه يخفف قليلاً من هذه السرعة؛ كان لاعباً جيّداً للتنس، ولكنه كان يُفضِّلُ لعب السكواش squash، لأنّ الكرة تَعودُ بسرعة. وكان أحياناً يفتَقِدُ في علاقاته الإنسانية، أيضاً، إلى الصبر.

كان "إدوارد سعيد" أيضاً، من بين معظم زملائي في جامعة كولومبيا، من يُلْفِتُ النظرَ بحضوره الجسديّ. لم يكن فقط طويلَ القامة ولكنه كان يمتلك ذوقاً للباس، فقد كان يرتدي صدرياتٍ لائقة من جِلْد الأيِّل؛ وأيضاً كان يَتَحَرَّكُ بأناقة ولباقة. ولدى رؤيته لم يكن من الوارد أن نَخَلط بينه وبين أحد من زملائه، هؤلاء الرجال الشاحبين والمُتَلاَشِين الذين يُعطون الانطباع بأنهم يعيشون من أجل كُتُبِهِم فقط، وَيَنْزَعون إلى أن يصبحوا عُقُولاً خالصةً. كان "إدوارد سعيد" واقعياً، وكان أيضاً جسداً، ولم يَكُن يُريد أن يتجَاهَلَهُ.

النصّ والعَالَم

لقد كانتْ لِهذا الخيار انعكاسات على اشتغاله، وهو ما كان في حدّ ذاته استثناء. وعلى الرغم من مشاركته في المَوْجَة الجديدة لـ"النَظَرِيَّة" في الدراسات الأدبيّة التي كانت في تَعَارُضٍ مع حالة سابقة من المُقَارَبَات التي كانت مَحْض بيوغرافية وتاريخية أو إستيتيقية (جمالية) للنصوص، فقد كان قد بدأ في الابتعاد عنها وكان يتحدث عنها بنوع من السخرية. وَسَيُفَسِّرُ هذا لاحِقاً في كتاباته التي سيجمعها سنة 1983 في مجموعة نصوص بِعُنوان كاشِفٍ "العَالَم، والنصّ، والناقد" The World, the Text and the Critic. بعد عشرين سنة، وفي تَصدير كِتابه الأخير الذي جَمَّعَ فيه مقالاتِهِ عن الأدب، "تأملات عن المنفى" Reflections on Exile، سَيَتَحَدَّثُ عن هذه اللحظة من تاريخ وظيفَتِنَا: "في اللحظة التي كانت فيها "النظرية" تحقق فُتُوحات فكرية في أقسام الإنجليزية والفرنسية والألمانية في الولايات المتحدة، كان مفهوم "النصّ" يخْضَعُ لِتَحوُّلات شبه ميتافيزيقية مقطوعة عن كل تجربة. "كُنتُ قد ساهمتُ بدوري في تنشيط هذه المُقَارَبَات في العلوم الإنسانية، التي ندعوها بالبنيوية أو السيميوطيقية، والتي تُتيحُ لنا، كما كنا نتصور، أن نُحَلِّلَ النصوصَ بِشكل جيد؛ ولكن التي كانت، بحقٍّ، لا تهتمّ إلاّ نادراً بالعنصر الآخَر الذي ظَهَرَ في عنوان "إدوارد سعيد"، ألا وهو العَالَمُ. في هذه الفترة التي أتحدث عنها، والتي تدور حوالي سنة 1977، بدأت هذه الوضعية في إقلاقي، خصوصا وأنه بدأ ينتابُنِي اليَقينُ، منذ سنواتٍ خَلتْ، بأنه يتوَجَّبُ الحِفاظُ على استمراريةٍ مَا بين الكائن والفكر، ما بين وُجُودِي واشتغالي (وظيفتي). كُنتُ أُحِسّ بالراحة إزاء الانتقادات التي بدأ "إدوارد سعيد" يُوَجِّهُهَا إلى أصحابه "المُنَظِّرِين".

الأحداثُ التي دفعَتْنِي إلى هذا الاتجاه كانت شخصيةً محضة، وهي حصولي على الجنسية الفرنسية في سنة 1973 وولادة ابني البكر سنة 1974. بينما كان الأمر مختلفاً بالنسبة لإدوارد سعيد، فالحَدَثُ الذي غَيَّرَ طريقتَهُ في التفكير كان حرب الأيام الستة في سنة 1967، وهي حَربٌ خرج فيها الفلسطينيون والمصريون مهزومين ومُهانِينَ مِن دون شكّ. كانت عائلة "إدوارد سعيد" قد استَقَرَّت في مصر، وكان هو بنفسه يُقيم بالولايات المتحدة منذ سنة 1951؛ ولكنَّهُ لم يَكُن قد تبنّى هذا المنظور السياسيّ قبل سنة 1967. بعد هذا التاريخ قرّر أن تَسِيرَ حياتُهُ على مستَوَيَيْن منفَصِلَيْن، ففي الجامعة أي في عالَم المهنة لمْ يَكُن يُشيرُ أبداً إلى أُصُولِهِ الفلسطينية وكان يَتَنَاوَل فيها بالتدريس كُتَّاباً أوروبيين أو أمريكيين؛ أَمَّا في حياته المدنية فقد كان ينخرط أكثر فأكثر، وبشكل قويّ، في قضايا وَطَنِه الضائع. لاَحَظْتُ أنه في سنة 1977 التحق بالمجلس الوطني الفلسطينيّ، وهو برلمان المنفى لهذا البلد الذي لا وجود له. لم يتحدَّثْ إليَّ عن هذا، إذْ لم أكن أنتمي إلى هذا العالَم.
يَجِبُ أن نُضيف بأن هذا الانخراط السياسيّ كان بالنسبة لهُ مسألةً شخصيّةً؛ إذْ أَنَّ أبَوَيْهِ لم يكونا يكتَفِيَان بِعَدَمِ تشْجيِعِهِ بل كانا يريدان ثَنْيَه عن هذا الانخراط السياسي.

يحكي "إدوارد سعيد" أنّ أباه، وهو على فراش الموت، في سنة 1971، حَذَّرَهُ بالقول: إنّ وَظيفَتَكَ هي الأدبُ. لماذا تهتمّ بالسياسة؟ إنَّك تُخَاطِرُ بتلقي الكثير من الضَّرَبَات! ستموت أُمُّهُ بعد عشرين سنة من وفاة أبيه، ولكنها كانت تُوَجِّهُ له، بشكل دائم، نَفْسَ النَّصَائح: عُدْ إلى الأَدَب، لا شيء يمكن أن يَنْبَثِقَ من السياسة العربية! ولكنّ "إدوارد سعيد" سيُلاحظ في سنة 1998 أنّه "فيما يَخُصُّنِي، كُنتُ عاجزاً عنْ أن أعيش حياةً مُتَحَرِّرَةً من أيّ التزام أو مُعلَّقَة، إذْ أَنِّي لَمْ أتَرَدَّدْ في إعلان انتمائي إلى قضية لا تَحْظَى بِأدنى شعبية". غير أنه في لحظة التقائنا، كان "إدوار سعيد" قد عَثَرَ على وسيلة لتقريب ومُشَابَكَة خَيْطَيْ وُجُودِهِ. لقد عَثَر مُحَلِّلُ أعمال وَمُؤَلَّفَات الأدب الغربي والمَنفِيُّ الفلسطينيّ على أرضية مُشْتَرَكَة، وهي أن يقوم "إدوارد سعيد" بدراسة الخطاب الغربي حول الشرق، وهو ما سيُسميه بـ"الاستشراق". هو نفس العنوان الذي سيأخذهُ كتابُهُ الذي صدر سنة 1978 والذي سيُسَاهِمُ في إحداث قطيعة جديدة في مَسَارهِ (بعد قطيعة 1967)، فَمِنَ الآن فصاعداً سيُمكن لوجود "إدوارد سعيد" وعمله المهني أن يَتَوَاصَلاَ (من التَّوَاصُل). الكِتابُ سَيُتَرْجَم إلى أكثر من ستة وثلاثين لغة! وسيُؤَثِّرُ بعمق على دراسة العلاقات الثقافية ما بين الدول الكبرى والمُسْتَعْمَرات.

إنّ الأطروحة المركزية في كتاب "الاستشراق" ليست هي ما اعتقدناه أحيانا من أنه من الضروريّ، بِصيغةٍ مَا، إعادةُ الاعتبار لِشَرْقٍ قَسَا عليه مُؤَلِّفون غربيون شهيرون وإذاً تصحيح صورةٍ مَا. الأطروحة كانت أكثَرَ جذرية مما سبق؛ كانت تتعلق بالقول بأنّ "الشرق" لم يكن موجوداً، إلاّ من خلال فَبْرَكَة، إلاّ من خلال تخيل ابتدعَهُ الغربيون. هذا التأكيد يرتكز على إثبات الحالة التي ترى أنّ هذا التعبير، في البداية، كما هو حال التَّعَابير التي يَتِمُّ اسْتِبْدَالُهَا أحياناً بتَعابير من قبيل "عربي" أو "مسلم"، تُغَطِّي تنويعات كبيرة من الوَقَائِع مُشَتَّتَة ومُبَعْثَرَة في الزمن وفي المكان، كي يكونَ مُمْكِناً أن تُسْتَخْدَمَ استخداماً مُثْمِراً. بالإضافة إلى هذا فإنّ المجتمعات التي يَتِمُّ وصفُهَا بـ"الشرقية" لم يكن لَهَا أبداً وُجُودٌ معزولٌ، ولهذا فمن المستحيل أن نَسْتَخْرِجَ منها جوهراً خالصاً، فَمِثْلَمَا هُوَ الحال بالنسبة لكُلّ المجتمعات، فإنّ ثقافتها (أي ثقافة المجتمعات "الشرقية") هجينةٌ، وهي منتوجُ لقاءات وتبادلات وتفاعلات لا تُحْصَى ولا تُعَدُّ. إنّ مفهوميْ "الشرق" أو "الشرقي" لا ينحدران من تعميم للوقائع التي نراها في هذا الجزء من العالَم، ولكنْ من حاجةٍ أحسَّ بها الأوروبيون لتشييء هذا الآخَر "(آخَرَهُ[ـم] "autre"، بعيداً عنهم، هذا الآخَرُ الذي هو في نفس الآن دَفّاع ومَحَلَّ جَاذِبِيَّة غريبة. إنّ الخطاب حول الشرق يُخبرنا ليس عن العالَم الشرقيّ، وإنَّمَا عَنْ مُؤَلِّفِيهِ الغربيين. إنّ هذا هو ما يُوَضِّحُ التحليلات التي قام بها "إدوارد سعيد" عن نصوصٍ كان أصحابُها كُتَّاباً أو رَحَّالةً كـ"شاتوبريان"Chateaubriand، "نيرفال" Nerval أو" فلوبير"Flaubert، أم كانوا سياسيين كـ"ديزرائيلي" Dezraely و"كرومير"Cromer أو "بلفور" Balfour أم عُلَمَاء كـ"سيلفيستر دو ساسي" Silvestre de Sacy "رينان" Renan، أم حتى "كارل ماركس" Carl Marx. سَيُثير كِتَابُ "الاستشراق" كثيراً من رُدود الفِعْل المُعارِضَة، إنْ مِنْ قِبَل المُسْتَشْرِقِين الغربيين أو مِنْ طرف القوميين الشرقيين، لأنه أنكر على كِلا الطَّرَفَيْن الحقَّ في الحديث عن موضوع "الشرق" وَشَكَّكَ في هَوِيَّتِهِمْ ذاتها.

وفيما يَخُصُّنِي أنا، فإنّ أحاديثنا حول هذا الموضوع، في سنة 1977، ثم قراءتي للكِتَاب في السنة التالية، أقنَعَتْنِي بِصِحَّةِ ودِقَّة العديد من التحليلات، فقد كان الخطاب "الاستشراقيّ" في الواقع مُشَرَّباً بِكْليشيهات تَنْتَقِلُ من مؤلِّف إلى آخَر وتُبَسِّط إلى أقصى حدٍّ الشعوب أو الساكنات التي هي موضوع الدراسة. أنا الهجينُ ثقافياً، كنتُ أيضاً مُقْتَنِعاً بأنّ الهويات الوطنية أو الإثنية لا تَصْمُدُ في مواجهة الامتزاجات والاختلاطات. في المُقَابِل كنتُ أَشْعُرُ بِصُعُوبَاتٍ أمام التأكيد الأول لـ"إدوارد سعيد" بخصوص استحالة التعميم انطلاقاً من تجارب فردية. فَإذا دَفَعْنَا هذه الفكرة إلى أقصى حَدّ فإنّ هذا التَحَيُّز الاسميًّ (وحدهم الأفراد لهم وُجُودٌ) كان سيَجْعَلُ من المستحيل كلَّ معرفة للثقافات. غير أنه إذا كان صحيحاً وُجُودُ أفرادٍ يختَلِفُون فيما بينهم في أحضان ثقافةٍ مَا فَمن الصحيح أيضاً بأنّهم يَتَقَاسَمُون سِمَاتٍ عديدةً تَفْقَأ العيون، وبشكل خاصّ، عيون المراقبين الأجانب (إنه امتيازُ "النظرة البعيدة" التي يتحدث عنها "كلود ليفي-شتراوس" Claude Levi-Strauss). إنّ نظرة الرَحَّالة والعلماء والسَّاسَة كانت واقِعةً، بالتأكيد، تحت تأثير أفكارهم المُسْبَقَة وحاجتهم إلى أنْ يَخترعوا لأنفسهم "آخَرَ"؛ ولكن ألاَ يُمْكِنُ لهذه النظرة أن تَتَحَدَّدَ، على الأقلّ بصفة جزئية، من خلال موضوعها؟ وإذا كان الجواب بالإيجاب، ألا يمكن لخِطَابِهِمْ أن يُخْتَزَلَ إلى وَضْع statut العَرَض، وهو ما يُعَادِلُ أن نَنْزَعَ عنه كُلَّ قيمةِ حقيقةٍ؟ أو إذا أردنا صياغة هذا التساؤل بِصِيغة أخرى: في أيّ لحظة يصبح فيها التعميمُ لاَشَرْعِيّاً؟ ربما لا يوجد مِنْ وُجُودٍ لـ"الشرق"، وكذلك لـ"العربي"، ولكن هل توجد من مصلحة في الحديث عن مِصْرِيِّين؟ وعن سُكَّان القاهرة؟ وعن عقليّة حيٍّ أو شارعٍ مَا؟ لم يكن "إدوارد سعيد" يُريدُ طَرْحَ مثل هذا النوع من الأسئلة ولم يكن بِوُسعه أن يَتَسَاءَل حول هذه الهويات، فهل هي متحركةٌ وغير متجانِسَة: وإلاّ كان سيُجَاسِرُ بِالتَعَرُّض لمختلف أشكال التوبيخ وَاللَّوْم التي وَجَّهَهَا هو بنفسه للمستشرقين. اكتفى" سعيد" إذاً بِدِرَاسَة الغرب، غير أنّ الغربَ هو أيضا تَعميمٌ!
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://lorca.ahlablog.com/
kanaan
{{}} مشرف {{}}
{{}} مشرف {{}}
avatar

ذكر عدد الرسائل : 533
البلد : Yiebna
الوظيفة : Critic
تاريخ التسجيل : 12/07/2007

مُساهمةموضوع: رد: ملف ادوارد سعيد ...   السبت أغسطس 18, 2007 2:47 pm

هذه التحفُّظَات لم تَمْنَعْنِي من أن أُلاَحِظَ كيف كانتْ قِراءةُ "إدوارد سعيد" مُنْعِشَةً؛ وكذلك في أن أُوصِي وأنْصَحَ نَاشِري في تلك الفترة، "دار لوسوي" le Seuil، بِطَبْع الكِتَاب. تمّ قبول فِكْرَةُ طبع الكِتَاب، وَوَجَدْتُ في شخص "كاترين مالامود"Catherine Malamoud، التي كنت أعرفُهَا بشكل جيد، مُتَرْجِمَةً مقتدرة وصارِمَة ومُتَحَمِّسَة، وهكذا ظهرت أول ترجمة لِكِتَاب "الاستشراق" في سنة 1980 مصحوبةً بتقديمي. أثناء هذه السنوات وَاصَلْتُ عملاً مُوازِياً حول النظر الذي يَحْمِلُهُ رَعَايَا ثَقَافةٍ مَا عن رعايا ثقافة أخرى، وإذاً عن الوحدة والتعدد الداخليّ للنوع البشريّ، وهو عَمَلٌ أثْمَرَ كِتَابَيَّ: "غزو أمريكا" la Conquête de l'Amérique و"نحن والآخرون" Nous et les autres .الكِتاب الأخير تمت ترجمته إلى الإنجليزية وصدر في سلسلة كان يُشْرِفُ عليها "إدوارد سعيد"... وكما هو شأن "إدوارد سعيد" كنتُ قد جعلتُ من شَرْطِي كَمُهَاجر موضوعا للتأمل - ليس بطريقة مباشرة على النمط الأتوبيوغرافيّ، ولكن تَماثُلِيّاً، من خلال اهتمامي بتجارب أخرى مُشابِهَة. ومن جهته سيواصل "سعيد" ارتياد الطريق التي سبق له أن دشَّنها من خلال مُؤَلَّفات أخرى من نوع "تغطية الإسلام" Covering Islam و"الثقافة والإمبريالية" Culture et impérialisme.

خيارات سياسية

هذه الانشغالات المتقارِبَة لم تُخْفِ عني سلسلةً من الاختلافات ما بين المسار الذي أخذه فِكْرُ "سعيد" ومساري أنا. إنّ الطريقة الأكثر بساطة لعرض هذه الاختلافات، ولكنها ليست الأكثر وَجَاهَة بالضرورة، هي التذكيرُ بِتَبَايُن واختلاف تَجارِبنا السابقة، فَحَاضِراً كنّا معاً مُهاجِرَيْن، ولكنه في السابق، عاش في بلد من أفريقيا الشمالية خضع للوصاية البريطانية، بينما قدمتُ من بلد من أوروبا الشرقية خاضع للسيطرة السوفياتية. كان لدَيَّ شعورٌ بأنّ الصراعات بين الشرق والغرب، بين الشيوعية والديموقراطيات الليبيرالية تظلّ في نَظَر "سعيد"، صراعاً ما بين أغنياء، ما بين بِيضٍ، ما بين أوروبيين، ما بين مجموعَتَيْن تستحقان ألاَّ يُحْكَمُ على أيّ منهما وأن تُوَاجَهَا معاً كَكُتْلَةٍ من قِبَلِ سُكَّان الجنوب أو العالَم الثالث، مُمَثِّلِي صراعٍ أكثر أهمية. إنّ ما كان يكتبه "سعيد"، بشكل عابر، عن الصراع شرق-غرب كان يبدو لي ، في تلك الفترة ولاَحِقاً، قليلَ الحساسية وقليل الوضوح والإضاءة، وكان يبدو لي، كذلك، منتوج دُوغْمَا أكثرَ مما هو حصيلةٌ لِمَعرفة عميقةٍ.

إنطلاقا من هذا، ظهرت إلى السطح اختلافاتٌ أخرى. فالخَصْمُ المركزيّ، بالنسبة له، يدعى الإمبريالية، أووربية كانت أم أمريكية؛ أما بالنسبة لي فالخصم المركزي هو التوتاليتارية، شيوعيةً كانتْ أم نازية. الكُتَّابُ الذين كانَ يُحيلُ إليهم، بطيبة خاطر، كانوا "لوكاش Locase " و"غرامشي" Gramsci و"أدورنو"Adorno و"فانونfanon " و"فوكو" Faucault، بينَما كنتُ أشعُرُ بأنّ باختين" Bakhtine و"ديمونت" Dumont و"بوبر" Popper و"أرون" Aron و"فاسيلي غروسمان" Vassili Grossman و"جيرمين تيليون" Germaine Tillion هُمْ خَيرُ مَنْ يُساعِدُنِي. لقد كانت القيمة الرئيسية لِعَالَمه تتمثل في المساواة، في نفس الوقت كان يبدو أنّ طَرْحَ مسألة السُّلْطَة autorité على بساط البحث تُرَاوِدُهُ، والسلطة هنا بِمختلف أنواعها، بينما كنتُ أتمسك وأتعلق ، بشكل خاصّ، بالحرية الفردية وكنت أبحث عن طرق للتَّوافُق. كان يحضرُنِي الانطباعُ بأنّ "سعيد" أمام النصوص الأدبيّة يَهْتَمُّ قبل كلّ شيء بمحور التَّوَاصُل، مَنْ يَتَكَلَّمُ وإلى مَنْ ولِمَ وبِأيّ غَرَض، وما هي الرهانات السياسية لِهَذا التفاعل. من جهتي كنتُ أَدَعُ جانباً الأسبابَ وتأثيرات الخطابات كي أُرَكِّزَ فكري على تأويلِهَا-كنتُ أقرأُهَا قَبْلَ كُلِّ شيء، ليس كَوَسيلة للحركة أو الفعل، ولكن كَطَريق للوصول إلى الحقيقة. غير أنّ هذه الاختلافات، التي لا تَقْبَلُ الجَدَل، لم تَكُنْ تُعِيقُ في شيءٍ علاقاتِ الصداقة بيننا. لستُ أدري إنْ كان "إدوارد سعيد" قد انتبه إليها؛ وعلى كلّ حالٍ فأثناءَ هذه اللقاءات التي كانت المَسَافات تجعلها نادِرَةً في كل الأحوال، لم نَكُنْ نتحدث عنها أبداً، وكُنَّا نُفَضِّل أن نُرَكِّزَ على ما يُقَرِّبُ بينَنَا.

ثمة اختلافٌ مركزيّ آخَرُ في حياتنا السياسيّة ويتمثَّلُ في أنّ "إدوارد سعيد" كان منخرِطاً بِشَكلٍ نشيط في الصراع السياسيّ، وهو صِراعٌ يتَوَجَّبُ أن يقود إلى خلق دولة فلسطينية، بينما ظللتُ غريبا عن كلّ التزام من هذا النوع، على الرغم من أنّ بلدي الأصلي، بلغاريا، كان ما يزال خاضعاً لِنِظَام كنتُ أَعْتَبِرُهُ بَغيضاً-والذي كان، فضلاُ عن ذلك، مفروضاً من الخارج، من قبل الاتحاد السوفياتي، في أدق التقاليد الامبريالية. كانت كلّ فكرة عن النضال ضدّ هذا النظام بالنسبة لي غريبةً: جزئياً، دونما شكّ، لأنّي كنتُ أخشى العواقب على أفراد عائلتي الذين ما زالوا يسكنون البلد؛ جزئياً، أيضاً، لأنّ هذا النظام الذي كان هو بنفسه يَتَمَاثَلُ مع قضية التزام سياسيّ (من أجل الانتصار النهائي للشيوعية) جَعَلَنَا نحن مُرَاهِقِي أوروبا الشرقية، عَنِيدِينَ أمام كل حركة في المجال العمومي. في نفس الآن، أخطأنا فيما يَخُصُّ صلابة وتمَاسُك الحكومة البلغارية، كانت تبدو لنا وكأنها مُقَدَّرَة أن تَظَلّ إلى الأبد، أو في كل الحالات لسنوات طويلة، خصوصا وأنها كانت مدعومةً من قِبَل قُوَّة قصيّة وعصيّة، وهي الاتحاد السوفياتي. لقد كان الكفاح ضدّ النظام يبدو لنا غيرَ مُفيد كما لو أن الأمرَ يتعلق بالتمرد ضدّ المناخ أو ضِدّ تضاريس البلد.

هل كانت القضية الفلسطينية تعطي الانطباع بأنها أكثر قابليّة للنجاح؟ لقد بدا لي أنّ التزامَ "إدوارد سعيد" يعثر على تبرير عميق في وضعية فلسطين نفسِهَا أكثر مما يوجد في آمال النجاح. إنّ بلغاريا، وأيّاً كانت طبيعة الحكومة، ستَظَلُّ دائماً في مَكانِهَا. أستطيعُ أن أفترق عن بلدي، وأن أصنعَ حياتي في باريس، وإذاً أن يكون النِّظَامُ (البلغاري) بوليسيّاً فهذا لا يَمَسُّنِي بِصِفَةٍ شخصيّة. أما فلسطين فقد توقَّفَتْ عن الوجود كَكِيان سياسيّ. لَقَدْ أُعْلِنَ أنها "أرضٌ بِلا شعب" لقد تمّ إنكارُ حقّ الفلسطينيين في وُجُودِهِمْ الذاتي، وأصبحوا مَدْعُوِّين إلى أن يُفكِّروا في أنفسهم بطريقة أخرى، كَعَرَبٍ أو كَمُسْلِمين، كَمِصْرِيّين أو لبنانيين. هذا النفيُ بالنسبة لـ"سعيد"، المولود في القدس، يُوازي رَفْضاً للاعتراف بِوُجُودِهِ ومحاولةً لِنَفي وُجُودِهِ الشخصيّ ذاته. كي يعيشَ "إدوارد سعيد" مُهاجِراً في سكينةٍ، مثلي، فإنه في حاجة إلى أن يُعْتَرَفَ بِوُجُود بَلَدِهِ الأصليّ. لا يُمكِنُ للمرء أن يُغَادِرَ بلداً لا وُجُودَ له، بل لا يستطيعُ المرء أن يَتَجَرَّدَ منهُ. ليس الحنينُ إلى العودة إلى البلد هو الذي يُحَرِّكُ انخراط والتزام "سعيد"، فقد أصبح مثقفاً كوسموبوليتيا يُحِسُّ بالراحة في نيويورك أكثر من أي مكان آخَر، المدينة الأكثر كوسموبوليتية في العالَم، ولكن هو التهديدُ المُسَلَّطُ على هويته، التي يُعْلَنُ أنه لا وُجودَ لَهَا، وشُعُورٌ بالظُّلْم التاريخيّ. إنّ مَوقِفَ "إدوارد سعيد" حول هذه القضية الحارقة بَسيطٌ، فهو يُطَالِبُ بِمعاملة الإسرائيليين والفلسطينيين على قدم المساواة. كما أنّ انتماءه العاطفي إلى أحد الطَّرَفَيْن لم يكن يُعْمِيهِ عن حاجات الطَّرَف الآخَر. من الناحية التاريخية يجب الاعتراف وتَأَمُّل خطورة الإبادة التي تَعَرَّضَ لها اليَهودُ، حيث لم نَكُنْ نَجِدُ عند "إدوارد سعيد" أدنى إغواء لنفي هذه الإبادة أو التشكيك فيها. أمَّا مِنَ الناحية القانونية، يتوجب الإقرارُ بِشَرعية دولة إسرائيل والتَوَقُّف عن تجاهل واقع الأشياء، لقد قَبِلَ "إدوارد سعيد"، بطريقته، ودون التفوه بهذا، نقطةَ انطلاق الصهيونية (الحركة). من الناحية السياسية يتوجب إدانة الكفاح المُسَلَّح ضد إسرائيل، وبشكل خاصّ إدانة العمليات الإرهابية ضد المدنيين، ليس لأنها غيرُ فَعَّالة، بله ضارّة ومسيئة بالقضية الفلسطينية، ولكن لأنها من الناحية الأخلاقية وحتى من الناحية الميتافيزيقية غيرُ مقبولة.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://lorca.ahlablog.com/
kanaan
{{}} مشرف {{}}
{{}} مشرف {{}}
avatar

ذكر عدد الرسائل : 533
البلد : Yiebna
الوظيفة : Critic
تاريخ التسجيل : 12/07/2007

مُساهمةموضوع: رد: ملف ادوارد سعيد ...   السبت أغسطس 18, 2007 2:48 pm

ولكِنَّ نفسَ هذه المتطلبات والمقتضيات يَجِبُ توجيهُهَا إلى الإسرائيليين فيما يخصّ مصيرَ الفلسطينيين، وإنّ هذا الصراع هو الذي كان يُحَرِّكُ جَوْهَرَ طاقة "إدوارد سعيد". يجب في البداية، على المستوى التاريخي، الاعترافَ بِشَكْلٍ رسمي بأشكال العنف التي تعرّض لها الفلسطينيون منذ تأسيس دولة إسرائيل، وهو عنفٌ لا يَجِبُ إنكار خطورته لكونه لَم يَصِلْ إلى مستوى الإبادة (التي تعرّض لها اليهود). كما يتوجب من الناحية القانونية القبولُ بحق الفلسطينيين في تقرير المصير. وفي هذا الصدد تَتَّجِهُ مُيولُ "إدوارد سعيد" الشخصية نحو دولة لادينية ولاإثنية على مجموع الأراضي الإسرائيلية والفلسطينية؛ ولكنهُ وَعْياً منه بانعدام شعبية هذا الحلّ لدى الأطراف المعنية، فقد قَبِلَ، في بداية الأمر، بِضَرورة إنشاء دولة فلسطينية ذات سيادة، وهو ما لَمْ تَنُصَّ عليه، في نظره، اتفاقاتُ "أوسلو". وأخيراً على المستَوى السياسيّ يجب إيقاف إرهاب الدولة الذي تُمَارِسُهُ إسرائيل بشكلٍ يوميّ على السكان المدنيين الفلسطينيين.

إنَّ هذا الإلحاح في التحدث عن شَعْبَيْن انطلاقاً من نفس مَعَايير العدالة يُوَلِّدُ لدى "سعيد" حساسيةً تجاه كل الأشياء المشتركة التي تُوجَد في تاريخهما. اكتشَفَ "سعيد" نوعاً من معاداة السامية في القَرْن التاسع عشر يُوَحِّدُ فيما بيْنَ اليهود والعرب في نفس الاحتقار؛ كما اكتشف أنّ الشعبَيْن فُرِضَ عليهما، بطريقة مُشابِهَة، أن يعيشا في الشتات خلال فترةٍ طويلة. لقد كان يرى، أيضاً، مُفَارَقَة مأساوية في التاريخ، حيثُ إنّ الظُّلْمَ الذي تعرّض له اليهودُ جَرَّ الظُّلْمَ الذي يعاني منه الفلسطينيون، "ضحايا الضحايا"، وكِلاهما (أي الظلم الذي تعرّض له اليهود أو الذي تعرّض له الفلسطينيون) ليس مُتَخَيَّلاً. غير أنه للأسف، ليس المرة الأولى، وهنا نستعير تعابير "ليفي-شترواس"، التي يقوم فيها "مُضْطَهَدُون ومَظلومون يَسْتَقِرُّون على أراضٍ مسكونةٍ ومأهولة منذ آلاف السنين من قِبَل شعوب أكثر ضُعْفاً منهم، بِطَرْدِهِم." عليَّ أن أضيف بأنّ "سعيد" نفسَهُ، كان تجسيداً حيّاً لِهَذا القرابة ما بين الشعبَيْن، فقد كان أكبَرُ عددٍ من أصدقائه يهوداً كما أنه بنفسه كان يُجَسِّدُ صورةَ المثقف الفصيح والمُفَوَّه والكوسموبوليتي والمتكلم عدَّةَ لُغَات، كَمَا كان عليه كثيرٌ من أعضاء الشتات اليهودي من قبل. في لقاءٍ أجْرَتْهُ معه الصحيفة الإسرائيلية "هآرتس" سنة 2000، يقول: "أنا آخِرُ مثقف يهوديّ. إنكم لن تَجِدُوا مثقفا آخَرَ. كل مُثقَّفِيكُم اليهودُ أصبحوا بورجوازيين مُحْتَرَمِينَ. من "عاموس عوز" Amos Oz إلى هؤلاء الناس في الولايات المتحدة. إذاً فأنا الأخيرُ. أنا المُرِيدُ الحقيقيُّ الوَحِيدُ لـ"أدورنو" Adorno. بِصِيغةٍ أخرى، "أنا فلسطينيٌّ يهوديٌّ".

لقد كُنتُ غريباً عن هذه النقاشات، فَلَمْ أتَتَبَّعْ تفاعلات وارتدادات هذه النقاشات العديدة ولا الالتزامات السّجالية ولا المَوَاقِف الدقيقة. ولكني كُنْتُ أعرف أن "سعيد" كان مُقْتَنِعاً، بِشِدّة، بأنّ حركة سياسيّة وحدها، وليس مجرد تدخل عسكريّ بسيط، يمكن أن تُساعِدَ على إيجادِ حَلٍّ لِمَا أصبَحَ يُسَمَّى بِقَضية الشرق الأوسط.

الإنسان المُتَغَرِّبُ

ولكن على الرغم من أنّ لهْجَةَ التدخلات السياسية عند "سعيد" صَارِمَةً وجذرية، فقد كانتْ رُوحُ الْتِزَامِهِ تنحُو مَنْحًى معتدلاً، فقد كان يَعْرِفُ بأن الفعل السياسيّ يتَحَدَّدُ بِالتوفيق بين المصالح المُخْتَلِفَة، ولهذا كان يُلِحُّ على حلٍّ وَسَط. إنّ هذا المَوْقِفَ الوسط خَلَقَ له أعداءَ مُتَشَدِّدِينَ من كلا الجانِبَيْن. فالقوميون أو المُعَادون للإمبرياليّة العسكرية من الجانب الفلسطينيّ كانوا يَرَوْن فيه، أحياناً، خائناً للقضيّة وعَدُوّاً يجب التخلص منه لأنه لا يُريدُ أن يَسْتَخْدِمَ شُهْرَتَهُ الكبيرة كَمُثَقَّف لِخِدْمَتِهِم. أما الذين كانوا يُعَبِّرُون عن دعمٍ لامشروط للسياسة الإسرائيلية فقد كانوا يَفْتَرُونَ عليه مِنْ أجل نَزْع المصداقية عَنْ كلامه، فقد كانوا يُرِيدُونَ أن يَظْهَرَ بِمَظهر "مُدَرِّس رُعْبٍ أو إرهاب". إنّ ما كان يُضَايِقُهُم لدى "سعيد"، لَيْسَ هذا التأكيدُ أو ذاك، فنحنُ نعيشُ في مُجْتَمَعَات ليبيرالية حيثُ كُلُّ الآراءِ تَقريباً لها حقُّ المواطنيّة، وإنما وُجُودُهُ الخاصّ، أي وُجُودُ فلسطينيٍّ ما هو بالبائس ولا بالإرهابيّ، والذي لا يُخْتَزَلُ في أيّ مستوى سهل الاستعمال. كان "سعيد"، عَبْرَ طريقته في الحياة، يَدْحَضُ بِفَعالية أكبر من الخطابات الطويلة، الكليشيهاتِ المنتشرَةَ جدا عن الفلسطينيين الذين يُشَكِّلُون تهديداً. الضريبة التي دَفَعَهَا بِسَبب هذا الاعتدال كانت التهديداتُ بالموت التي تَلَقَّاهَا هو وعائلته والحريقُ الذي تعرّض له مكْتَبُهُ في "كولومبيا" والافتراءات والوشايات التي كانت تُوَجَّهُ له بِشكلٍ منتظِمٍ، أو تهديدات، فيها الكثيرُ من المهارة والدهاء، كالرقابة أو المُقَاطَعَة المُنْتَشِرَة التي كان "سعيد" ضَحِيَّةً لها إنْ فِي الولايات المتحدة أو في أوروبا، وأيضاً في فرنسا، حيث تمّ التوقف عن نَشْرِ وإعادة نشر كُتُبِهِ، وأيضاً التوقف عن بثّ البرامج المُكَرَّسَة له. وللحقيقة فالأمرُ لمْ يَكُنْ بِأَحسن حالا في العالَم العربي والإسلامي؛ لأنّ "إدوارد سعيد" كان يضعُ ما يراه صحيحاً أو عادلاً فوق الواجِبَات التي تَنْجُمُ عن التَّضَامُن وعن الولاء. ففي الوقت الذي صَدَرَتْ فيه فتوى بالإعدام، سنة 1989، في حقّ "سلمان رشدي" بسبب روايته التجديفيّة "الآيات الشيطانية"، على حَدِّ ما يُزْعَمُ، لم يتَرَدَّدْ "إدوارد سعيد" في التدخل في المجال العمومي أمام تجمعاتِ مُسلمِين غاضبين، من أجل الدِّفَاع عن حقّ الفنان في البحث عن المعنى وعن الحقيقة بكلّ حرية. وقد ساءت علاقاتُهُ مع الساسة الفلسطينيين ابتداءً من سنة 1993 حين عبّر عن شَجْبِهِ لاتفاقات "أوسلو". لقد ساءت علاقاته مع الساسة الفلسطينيين حينما بدأ ينتقد الفسَادَ والتسلُّطَ اللَّذَيْن يسودان في أوساط السلطة الفلسطينية، إلى درجة أنّ كتابِاتِهِ أصبحتْ ممنوعة عن التداول في فلسطين بعد سنة 1996. لم يَكُنْ "إدوارد سعيد" مُثَقَّفاً طَيِّعاً. لقد كان "سعيد" يستطيعُ أن يَعْتَنِقَ مقولَةَ "جان-جاك روسو" Jean-Jacques Rousseau التي تقول: "إنّ كُلَّ إنسان متحيّزٍ، هو في حدّ ذاته عَدُوٌّ للحقيقة". لقد كان هذا فَهْمَهُ لوظيفة المُثَقَّف، هذه الشخصيّة الموجودة في الحياة العمومية التي سَيُكَرِّسُ لَهَا كُتَيِّباً سنة 1994 تُرْجِمَ إلى الفرنسية تحت عنوان "المثقفون والسلطة". إنّ المُثَقَّفَ، في بداية الأمر، هو مَنْ لا يَكْتَفِي أن يكون المُتَخَصِّصَ في هذا المجال أو ذاك، ولكن من يَتَدَخَّلُ في المجال العموميّ، هو مَنْ يَتَحَدَّث عَن العالَم ويُخَاطِب العالَم (وهو ما يستدعي في البداية أن يتخلى عن كلّ رَطَانَةٍ). بالإضافة إلى ما ذُكِرَ، المُثَقَّفُ هو مَنْ يحافظ على استقلاليته ويتمَسَّك بالبحث الحرّ عن الحقيقة وعن القِيَم التي يكون مستعِدّاً بصفة شخصيّة للدفاع عنها، كل هذا بعيداً عن وَضْع نفسه، بشكل لامشروطٍ، تحتَ تصَرُّف هذِهِ السلطة أو تلك أو هذه القضية أو تلك. أتقَاسَمُ مع "إدوارد سعيد" وجهةَ نَظَرِهِ هذه، في الوقت الذي لا أتفق فيه معه البتة حين يطلبُ من المثقفين أن يكونوا بالضرورة خُصُوماً للإجماع أو التوافُق وللأرثودوكسية، وأنْ يَبْحُثوا عن الهامشية لِذَاتِهَا، وأن يُحَبِّذُوا بشكلٍ دائمٍ مَوْقِفَ التَمَرُّد، لأنَّ هذا المَطْلَبَ يبدو لي مُتَنَاقِضاً مع السابق، إذْ ماذا لَوْ أنّ الرأي العامَّ أو السلطات الحاكمة كانت، من حين لآخَر، على حقّ؟ انطلاقاً من هذه الهامشيّة التي ينادي بها "إدوارد سعيد"، يَنْبَنِي الرابِطُ ما بين المثقفين والمنفيين. إنّ تقدِيرَهُ لِشَرْط المنفيِّ فيه تناقُضٌ، إذ يستطيع "سعيد" أن يكتبَ أنّ "المَنفى هُوَ إحدى المصائر الأكثر كآبة وحُزنا" كما يكتب بأنه يساعد على التأمل إذْ "أنّ المنفى بالنسبة للمثقف حالةٌ من القلق، وهو حركةٌ، تُزَعْزِع الآخرين لكونها مُزَعْزَعَةٌ بشكل دائم." إذا كان المثقف هو مَنْ على استعداد لمساءلة أصناف وُجُودِهِ الذاتيّ، إذاً فإنّ كل مثقف، بطريقة أو بأخرى، هو منفيٌّ لِشَرْطِهِ المولديّ(الولادة). كان ينتابُنِي الشعورُ بأنه كلّما مرّ الزمن، كُلَّما قَدَّرَ إدوارد سعيد" مزايا وضعيةِ المنفيِّ، وضعية "الإنسان المُتَغَرِّب" كما أُسَمِّيهَا؛ إن فكرة الانغلاق داخل هوية إثنية أو قومية كانت بالنسبة له لا تُطَاقُ. لقد جعل "إدوارد سعيد" من ما كان سيكون لعنةً، رسالةً. في سنة 2000 قال لصديقه "دانييل بارونبوام" Daniel Barenboim: "مع مرور الزمن تَوَصَّلتُ إلى اعتبار هذه الفكرة عن البيت تم تقديرها بِشكلٍ مُبَالَغ فيه... إنّ مفهوم "الوطن" لمْ تَعُدْ تَهُمُّنِي كثيراً. إنّ التَّيَهَان هو ما أُفَضِّلُ، حقيقةً." لقد اختار "سعيد" أن لا يكون مالكاً لِسَكَنِه وأن يكتفي باستئجاره. أَلاَ يكون "سعيد " قد وَجَدَ شَبَهَهُ في صورة اليهوديّ التائه؟
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://lorca.ahlablog.com/
kanaan
{{}} مشرف {{}}
{{}} مشرف {{}}
avatar

ذكر عدد الرسائل : 533
البلد : Yiebna
الوظيفة : Critic
تاريخ التسجيل : 12/07/2007

مُساهمةموضوع: رد: ملف ادوارد سعيد ...   السبت أغسطس 18, 2007 2:49 pm

البحث عن الذات

لقد عرفتْ حياة "سعيد" مجرى آخَر سنة 1991، حين اكتَشَفَ إصابَتَهُ بِمَرض عُضال. هذا الاكتشاف المُؤَثِّر الذي أصبح بسببه مَيِّتاً مع وَقْف التنفيذ، تسبب في تغيرات كثيرة. في بداية الأمر تخلّى عن كلّ مسؤولياته السياسيّة، فقد أصبح الزمن، من الآن فصاعداً، بالنسبة له معدوداً، وتَوَجَّبَ أن يُرَكِّزَ ذهنه على ما هو أساسيّ وعلى الأفعال التي كانت في نظَرِه ضروريةً، ومن بينها السفرُ مع عائلته إلى القدس التي لم يَعُدْ إليها منذ 1947-كما لو أنه، إزاء مرضه، كان في حاجة إلى تقوية وُجُودِهِ من خلال إرساء الاستمرارية، ليس فقط من أجله بل من أجل أقربائه. تَوَلَّدَ عن هذا السفر، وفي نفس السنة، مَحْكِيٌّ نُشِرَ في الصحافة البريطانية، وقَدْ ساهم هذا المحكيّ النَّافِذ البصيرة وبسبب من رَنَّتِهِ الشخصية في إحداث أَثَرٍ عَميق عليَّ إلى درَجَة أنني ساهمت، بعد بعض الوقت، في إخراج طبعته الفرنسية في كُرَّاسة بعنوان "ما بين الحرب والسلام" Entre guerre et paix في الوقت الذي كان يُرَكِّزُ فيه حياتَهُ على ما هو أساسيّ، كان "سعيد" بصدد اكتشاف سِجِلٍّ لم يكن قد مارَسَهُ من قبلُ، وهو الكتابةُ الأوتوبيوغرافية. هذا العمل الذي كرّس له وقتاً يمتد ما بين 1994 و1998 سيؤدي إلى كتابٍ لاَفِتٍ، وهو محكيّ عن السنوات الأولى من حياته، "خارج المكان"، والذي صدر في فرنسا تحت عنوان A contre-voice بِمُحَاذاة خطّ السكّة). الاستعادة (استعادة الذكريات) تتوقف عند نهاية دراساته سنة 1963 قبل ولوج "سعيد" إلى حَياة العمل وقبل تيقُّظ اهتمامه السياسيّ بالقضية الفلسطينية. إنَّ "إدوارد سعيد" البالغ هو الذي يكتبُ بأنّ تهديد الموت يُرْغِمُ على إبعاد وإقصاء كلّ استراحة والذهاب إلى أقصى مكان ممكن للبحث عن الحقيقة؛ في هذا الكِتَاب ينجح "سعيد" في إبراز الصورة الأكثر عُمْقاً والأكثر وضوحاً ومعقولية عن كينونته، ينجح ليس فقط في الإمساك بِشَرْطِهِ التاريخيّ كفلسطينيّ منفيٍّ واهتماماته وانشغالاته المهنية بتحليل النصوص، كما هو الحال في كتابه "الاستشراق"، وإنما أيضا في الإمساك بشخصيته العمومية وشَخْصِهِ الخاصّ؛ وهو ما يجعل من هذا الكِتَاب، حَسَبَ عِلْمِي، إحدى الكُتُب الأتوبيوغرافية الأكثر نجاحاً.

من بين آلاف الملاحظات والتحليلات، يوجَدُ مَلْمَحٌ من حياة "سعيد" يَفْرِض الانتباه أثناء قراءة الكِتَاب، وهو المكانة التي تحتلها أُمُّه في عقله. لقد وُلِدَ المشروعُ كُلُّهُ، في الحقيقة، من الحاجة التي تَحَمَّلَهَا وكابَدَها المُؤَلِّفُ في توجيه الحديث إلى أُمِّهِ في اليوم التالي من اكتشاف مَرَضِهِ، فبينما كانت والدَتُهُ قد ماتت قبل سنة ونصف، اكتشفَ أنهُ بصدد كتابة رسالة طويلة إليها. لدى قراءة كتاب "خارج المكان"، اكتشفت أنّ جُرْحاً غيرَ قابِل للشِّفَاء يُلَطِّخُ هذه العلاقة الأساسية بالنسبة لـ"سعيد"، اكتشفتُ حُبّاً كان يعيشهُ كما لو أنه لم يكن مُتَبَادَلاً بِشَكل كامل. قلتُ في نفسي إنّ هذا النَّقص، الذي نَشْعُرُ به في السنوات الأولى من حياه "سعيد"، يمكن أن يكون مسؤولا، جزئياً، طول حياته كَرَجُل بَالِغٍ، عن قلقه الدائم وعن نشاطه المُفْعَم وعن عجزه عن العثور على الراحة؛ كُنت أَقِيسُ، عن تضادّ، الحِمَاية التي وَفَّرَهَا لي وَالِدَايَ بإعطائي اليقين الذي لا يتزحزح بِحُبِّهِمَا.

إنّ اكتشافَ إصابتنا بِمَرَض لا دواءَ له، وكذلك اكتشاف أنّ الموتَ ليس فقط هو القانون العامّ للعالَم الحيّ وإنما يُعْلِنُ مَصير الفرد في مُسْتَقْبَل قريب نسبياً، يمكن أن يُسَبِّبَ ردود فِعل مختلفة جدا، من الذّعر المحموم إلى الانغلاق الانفرادي. تَتَبَّعَ "سعيد" مَرّة أخرى مساراً آخَرَ، فقد اكتشف "الحاجة إلى في التفكير في الأشياء النهائية". هذا التفكيرُ أخذ شَكْلَ سَفَر إلى أمكنة المَنْشَأ كما اتخذ بصفة خاصة شكلَ مشروعِ كتابة، وهو نشاطٌ مألوف(بالنسبة له) ولكنها، هذه المرة، كتابةٌ بعيدةٌ قدر الإمكان عن حياته الوظيفية والسياسية: إنها ارتيادٌ لِوُجُودِه وكينونته. إنه لا يبحث الآن عن القيام بِتَحليل لِمُؤَلِّفِي الماضي ولا عن نشر أُطْرُوحات تبدو صحيحةً، ولكنه يريد استكشاف هويته الشخصية ويريد الاقترابَ من نفسه؛ وهو ما سمّا "محاولة متأخرة في إعطاء شَكْل محْكِيٍّ لحياةٍ كنتُ قد تَرَكتُهَا لِوَحْدِهَا غير منتَظِمَة ومُشَتَّتَة ومِنْ دون مِحْوَر مركزيٍّ" لقد نَجحَ "إدوارد سعيد" في هذا، ولكن هلْ مِنَ المفروض علينا أن نَدْفَعَ ثمنا باهضاً كهذا للوصول إلى هذا الهدف؟

لمْ يَتَوَقَّفِ المرضُ، والأعراضُ الثانوية المؤْلِمَة تضاعفتْ، واضْطُرَّ "سعيد" إلى قضاء شهور بأكملها تحت العلاج المُكَثَّف. ولكنه بِمُجَرَّد ما كان يخرج من المستشفى كان يُبادِرُ إلى معاودة نشاطاته التي لا تُحْصَى يإيقاع أسرع، وحتى هو بنفسه لم يكن قد عرف مثل هذه الإسراف في الحركة. كان يُرَاكِمُ إلقاء المُحاضَرَات في أقَاصِي الأرض وكذلك المَقَالات الصحفية التي يُعلّق فيها على الأحداث السياسيّة في الشرق الأوسط وفي أمَاكِنَ أخرى، وأيضا اللقاءات المُعَمَّقَة حول ثيمات عزيزة على قلبه (كما هو الشأن في لقائه حول الموسيقى مع "بارونبوام") والدراسات العِلْمِيّة حول ثيمات متنوعة بعضها تمّ تجميعُهُ في كتاب "تأمُّلات حول المنفى"Reflections on Exile؛ وهو كتابٌ حول مستقبل الفلسفة الإنسانية، وهو مفهومٌ كان يريد "سعيد" أن يأخُذَهُ على عاتقه "على الرغم من الرفض المستَخِفّ الذي يَنْصَبّ عليه من قِبَل النُقَّاد المابعد حداثيين المتكلِّفين." سَيَليه كِتَابٌ آخَرُ حول أسلوب المُبْدِعِين في السنوات الأخيرة من حياته؛ ولكنّ هذا الكتاب لم يستطع إكماله. كان "سعيد" يعرف أنَّ وقْتَهُ معدودٌ. فكل يوم يَمُرُّ يجب أن يُعَوِّضَ الأيام والشهور والسنوات والعُقُود التي سيكون محروما منها. لقد كان "إدوارد سعيد" يَسْخَرُ من سيفِ الموت المُسَلَّط عَبْرَ ما كان يَنْضَافُ من الحياة.

القَضَايَا الخَاسِرَةُ

في مقالٍ يرجِعُ إلى سنواته الأخيرة ، يتأمل "إدوارد سعيد" ما يُسميه "القضايا الخاسرة". كان يعرف مُسْبَقاً بأنه سَيْخِسُر الصراع الذي يَعنيه بِصِفةٍ مباشِرَة، صراعه ضدّ الموت، مثلنا جميعا، لكنه خسره أَسْرَع منا. القضية الفلسطينية كانت قد تراجعتْ، في نَظَرِهِ، ونهايتها بدتْ لهُ أكثر بعدا بالمقارنة مع ما كانَتْهُ قبلَ عشر سنوات. أما الأهواء الإثنية والقومية والدينية التي كان قد أخذَ على عاتقه محاربتها لم تَنِ تَتَفَاقَمُ. ومن وجهة النظر هذه، فإنّ الأحداث التي سبَّبَتْهَا تفجيرات 11 سبتمبر2001 ألحقتْ ضرباتٍ قاسية بِآمَالِهِ في تَحَسُّن العالَم. إنّ ما كان "سعيد" يصبو إلى تحقيقه عبر كِتَاباتِهِ، في كتاب "الاستشراق" أو في غيره، كان هو تدميرُ الكليشيهات والتعميمات المفرطة(المخالفة للأصول)، كـ"الشرقي" و"المسلم" و"العربي". إلاّ أنّ عقلية الحرب التي ارتستْ، (يبدو أنها ستدوم لفترة طويلة بعد التفجيرات)، إنْ في هذا الجزء من العالَم الذي تعود إليه أصول "سعيد" أو في بَلَدِهِ بِالتَبَنِّي، تُشَجِّعُ، على النقيض، المانوية الأوليّة وَوَسْم العَدُوّ دونما تمييز وسجن كلّ فَرْدٍ في فئةٍ محكومٍ عليه، من الآن فصاعدا، أن ينتمي إليها. فمقابل "عرب أشرار" في نظر البعض، نَجِدُ "أمريكيين أشرارا" في نظر البعض الآخر. كما أننا نرى خبراء وأَخِصَّائيين جعلوا من أنفُسِهِم خبراء يتحدثون، بإسهابٍ في الجرائد وفي التلفاز، عن الطَّابَع الذي لا يَتَغَيَّرُ لهؤلاء وأولئك. إن العيوب التي أدَانَهَا "الاستشراق" تضَاعَفَتْ منذ صدور الكِتَاب.

بِمَ يمكن للمرء أن يتعلّق ويتشبث حين يكتشف بأنه المُدافِع عن هذا الكمّ من القضايا الخاسِرَة؟ يستشهد "سعيد" بقولة لـ"رومان رولاند" Romain Rolland يعترف بأنه يعثر على نفسه فيها وتتناول"تشاؤم العقل وتفاؤل الإرادة". هل يتوجب الاستمرار في الحركة حيال وضدّ الكلّ على الرغم من تحذيرات العقل؟ يَسْتَدْع "سعيد" أيضاً مقولة لـ"أدورنو" Adorno الذي رَاهَنَ في التحليل الأخير على الكليّة الإنسانية، حيث إنّ الفِكْرَةَ التي تمّ التفكير فيها ذات مرة بِدِقَّةٍ لا يمكن أن تُهْزَمَ حتى وإنْ لَمْ تَقُدْ إلى الانتصار. فهذه الفكرة، بالضرورة، سيَعْثُرُ عليها ويَتَلَقَّفُهَا أُنَاسٌ آخَرون في أمكنة وأزمة أخرى. يختتم "سعيد" بالقول بأنّه إذا كان هذا صحيحاً فلا وُجودَ لقضيّة خاسرةٍ، بِشكلٍ نهائيّ.
أَوَدُّ أن أُضِيفَ بأنّ "إدوارد سعيد" فَعَلَ أكثرَ من مجرّد التوصية بقضاياه إلى من يَوَدُّ مواصلة أخذ المِشْعل. لقد جَعَلَ "سعيد" من الطريقة التي عاش بها السنوات الأخيرة من حياته عَملاً أدبياً. ليس لأنه رفضَ قبولَ التوزيعَة الأصلية التي يُوَزِّعُهَا الحظّ على كلّ واحد منا، بل إنّ مَسيرَهُ السابق، على النقيض، قادَهُ إلى رفض القداسة الوجودية التي ترى بأن الإنسان ليس إلاّ منتوج إرادتِهِ واختياراته، وقاده إلى أن يَقْبَلَ نَفْسَهُ كما هو، لأسبابٍ لا تتعلق به إلاّ قليلاً، كونه فلسطينيا منفياً ونيويوركيّاً مَرِحاً ومُدَرِّساً للأدب ومعلّقا سياسيّاً ورجلاً يَشْعُر بالحبّ والغضب. لقد قَبِلَ أيضا مرضَهُ مع كل التحولات التي يَفرضُها عليه، وحتى الانثناءات التي يعطيها هذا المَرَضُ لِعَمَلِهِ الأوتوبيوغرافيّ. لقد كانَ هذا المَرَضُ في معظم الأحيان هو الذي يُقَرِّرُ متى وكيف يستطيع أن يَكْتُبَ. وحتى في استقبالِ ما لا يتَعَلَّقُ بإرادته في وعييه وشعوره، نَجَحَ "سعيد" في الذهاب أَبْعَدَ مِنْ أَنَاهُ (الأنا) السابقة، كما نَجَحَ في الوصول إلى حقيقة كينونتِه والتصريح بها وإلى حَفْر وُجُوده مثل عمل فَنّي. لقد أصبح "سعيد" فرداً كونيّاً، كائناً مُتَفَرِّداً حيثُ مصيرُهُ، الذي قام هو بنفسه بتأويله، يُنادي كُلَّ فَرْدٍ. إننا لا نعرفُ، حين سَتَدُقُّ أجراسُ كُلُّ واحِدٍ مِنَّا، إذَا كُنَّا سنكون قادِرِينَ على العُثورِ على القِوَى الضرورية كي نفعل مثل ما فَعَلَهُ "إدوارد سعيد". ولكننا نستطيع أن نَسْتَحْضِرَه في أفكارنا، ونفكر في المجهودات والاشتغالات التي قام بها على نفسه والتي كان من نتائجها أنها جَعَلَت العالَم، شيئاً مَا أكثرَ جَمَالاً وأكثرَ ثراءًا فيما يتعلّق بالمعنى. لأجل هذا يَستَحِقُّ"إدوارد سعيد" امْتِنَانَنَا.





_________________________
(*) فيلسوف بلغاري
ترجمة: محمد المزديوي
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://lorca.ahlablog.com/
kanaan
{{}} مشرف {{}}
{{}} مشرف {{}}
avatar

ذكر عدد الرسائل : 533
البلد : Yiebna
الوظيفة : Critic
تاريخ التسجيل : 12/07/2007

مُساهمةموضوع: رد: ملف ادوارد سعيد ...   السبت أغسطس 18, 2007 2:51 pm

ادوارد سعيد المنتمي













مصطفي البرغوثي (*)








[url=]ليس من المبالغة القول أن أفضل من مثل قضية الشعب الفلسطيني ومعاناته وطموحه للحرية الحقيقية والكرامة، هو إدوارد سعيد.

مع أن إدوارد سعيد لم يصل لفلسطين عبر بوابة الانتماء القومي أو المعاناة بحكم التواجد في الموقع الجغرافي بل بالفعل السياسي والنشاط الإنساني والوطني المبدع.

لقد وصل إدوارد سعيد لفلسطين من بوابة الانتماء العريض والواسع للفكر والقيم الإنسانية الرفيعة وللقيم الأشمل والحس المرهف تجاه العدالة والحق. وقد رأى بوعيه قبل قلبه مدى فداحة الظلم الذي يعيشه شعبه وعمق الجريمة التي ارتكبت بحقه، واستشعر أكثر الصمت المنافق للكثير من الأقلام والأطراف والجهات الدولية كما جرى له، إما حرصا على مصالح أو رهبة من إرهاب اللوبي الإسرائيلي أو تقاعسا عن القيام بواجب قد يكون مكلفا ولن يكون بالتأكيد مربحا.

كانت لدى إدوارد سعيد حساسية متوقدة دون انقطاع تجاه الظلم ولذلك انتمى بكل جوارحه لفلسطين، ولذلك أيضا كان تمثيله لفلسطين هو الأفضل، لأنه استمد طاقته من قيم إنسانية راقية تصعب معارضتها، ولأنه ايضا كان مستقيما، لم يخادع ولم يراوغ بل قال الحقيقة، قالها دائما وقالها للنهاية أيا كان الثمن، قالها للإسرائيليين وضد الحركة الصهيونية بنفس القوة التي قالها عند انتقاد أخطاء السلطة الفلسطينية.

وقد دفع إدوارد سعيد ثمنا باهظا لمواقفه ولجرأته ولشجاعته الفكرية، وقاوم بشجاعة هجمة الحركة الصهيونية واللوبي الصهيوني وأنصاره في الولايات المتحدة، وكان يعرف أنه ضحى بالكثير من المكتسبات من أجل قول الحق في قضية فلسطين، كما كان يعرف أنه قد ضحى إلى الأبد بما يسمونه "راحة البال" و"السكينة" وقد فعل ذلك عن إدراك ودون تردد.

وكان ذلك كله طبيعيا، فحياة إدوارد سعيد كانت تجسيدا لفكرة "انتماء المثقف" وإن كانت قد تميزت بالجمع المذهل بين انضباط الملتزم والاندفاع الكامل نحو حرية البحث والتنقيب عن الحقيقة دون محاولة التغطية على نتائجها، الأمر الذي قاد إدوارد سعيد إلى موقف المعارضة الديمقراطية الفلسطينية، وخاصة بعد اتفاق أوسلو، أي المساهمة بجرأة في تأسيس المبادرة الوطنية الفلسطينية كحركة معارضة ديمقراطية تسعى لإعادة استنهاض الشعب الفلسطيني والوصول بقضيته إلى لحظة الإنجاز.

وقبل الخوض في تفاصيل كل ذلك، لا بد من استذكار بعد ثالث لعلاقة إدوارد سعيد بفلسطين وبعمله عموما، وهو ذلك الشعور الملح واليومي بالواجب، وبأنه يستطيع أن يعمل أكثر وأحسن وأن عليه واجبا في كل حقول المعرفة التي خاضها ولكن خاصة تجاه فلسطين، وكان تفاقم الأحداث وتعاظم التحديات التي تواجهها وفداحة الخسائر الفلسطينية خلال الانتفاضة في ظل تجل مريع للعجز العربي والفشل القيادي الفلسطيني يثير لديه ألما حادا كجرح سكين لا تتوقف عن الحركة لتذكره بأن عليه أن يعمل أكثر، رغم أنني لم أر في حياتي شخصا لا يتوقف عن العمل مثله.

كان آخر حديث لي معه قبل وفاته بثلاثة ايام، لدقائق سمح بها وضعه الصحي المتردي، وجاء صوته ضعيفا عبر الهاتف وقلت له: استرح قليلا، استرخ حتى تسترد قواك. وقال لي: كيف أستريح، أريد أن أنهض، أريد أن أكتب، أريد أن أعمل، أنا لم أعمل شيئا حتى الآن!!.

لم يعمل شيئا حتى الآن!! ليت الكثيرين يتعلمون من ذلك، لقد تبارى بعض المثقفين بعد وفاته في محاولة اظهار أنه محايد وغير منتم وأنه أسمى من الانتماء، وبرأيي أنهم كانوا يدافعون عن سلبيتهم وخوفهم من فكرة الانتماء سواء لفكر ولقضية، أو للنشاط السياسي الذي انهمك فيه مؤخرا، وكأن المثقف يجب أن يعيش في برج عاجي أسمى من البشر العاديين وهمومهم وقضاياهم، وهؤلاء اما لم يعرفوا إدوارد سعيد أو لم يفهموه.

ولا أعرف كيف استفحل هذا المرض بالخوف من التزام سواء كان فكريا أو ثقافيا أو انسانيا أو سياسيا، وان كنت اجد له تفسيرا بأنه وجد عبر التاريخ تعبيرا عن ضعف بشري يتعمق دائما في ظرف الأزمات والإحباط. فالانتماء والالتزام مكلف، والبرج العاجي يوفر الأمان والسكينة. ويستطيع أصحابه الادعاء بما سماه إدوارد سعيد "العقلانية والفكر" والتي ربطت كلمة مثقف ذهنيا بـ "برج عاجي" و "استهزاء" بالآخرين. مستشهدا في محاضراته التي قدمها عام 1993والتي جمعت في كتاب "صور المثقف" بما قاله ريموند وليامز "ظلت الاستعمالات السلبية للكلمات مثل المثقفين والنزعة الفكرية والصفوة من المثقفين، سائدة في الإنجليزية حتى منتصف القرن العشرين من الواضح أن التشبث بها ما زال مستمرا".

ويتعرض سعيد في ذلك الإطار لرأي جوليان بندا بأن "المثقفين يجب أن يتحلوا بالموهبة الاستثنائية وبالحس الأخلاقي الفذ، وأن يشكلوا ضمير البشرية، مؤكدا عدم الموافقة على الفكرة القائلة، بوجود مثقفين منفصلين كليا عن العالم الواقعي، منصرفين بكليتهم الى الاهتمامات الخيالية، مقيمين في أبراج عاجية، يعيشون في عزلة شديدة ويكرسون حياتهم للمواضيع المبهمة...
فالمثقفون الحقيقيون لا يكونون أبدا في أفضل حالاتهم النفسية إلا عندما تحركهم مبادئ الحق والعدل النزيهة فيشجبون الفساد ويدافعون عن الضعيف، ويتحدون السلطة الميهمنة أو القمعية. ليقترب أكثر في نهاية المطاف من تصور غرامشي باعتباره أقرب للواقع ثم لينتهي باستحالة وجود المثقف الخاص، فكل عمل للمثقف هو مزج معقد بين الخاص والعام، "لأنك تدخل العالم العام منذ اللحظة التي تكتب فيها كلماتك ثم تنشرها" ومن حق البشر كلهم توقع معايير سلوكية لائقة من القوى الدنيوية او الأمم، وأن "الانتهاكات المتعمدة أو الناجمة عن اهمال هذه المعايير يجب أن يشهد ضدها وأن تحارب بشجاعة".

ولا تكتمل الصورة دون الإشارة هنا الى أن إدوارد سعيد كان حازما في موقفه ضد التعصب، فهو لم ير الانتماء لقضية ما دافعا للتعصب بل تشدد في المطالبة بالموضوعية والانفتاح الفكري واخضاع كافة المسلمات للفحص والتمحيص وحتى النقد.

وفي نقده المباشر لاتفاق أوسلو الذي عقد في مثل هذا الوقت قبل أحد عشر عاما، يتقدم إدوارد سعيد من ذات المسألة التي أثرناها، مشكلة الخوف من الالتزام وقول الحقيقة لدى بعض المثقفين الفلسطينيين وسبب التناقض الصارخ بين أقوالهم في الدوائر المغلقة وتلك في العلن على شاشات التلفزيون ليتساءل "أيكون الأمر أن أغلبنا يحمل تحت جلده الموروث السائد حتى الآن في معظم بلدان العالم العربي، حيث يجد المثقف نفسه في خدمة السيد والراعي، فيدافع عنه ويهاجم من يهاجمه، ويحرص دائما على تجنب ما يضير مستقبله المهني ويقلص من حجم المكافأة التي ينالها جزاء لخدمة هذا السيد؟"

"أنا أزعم أن هذا الإحساس بانعدام الأمان وثيق الصلة بالاختراق الاميركي والإسرائيلي لصفوفنا، وما أعنيه بالاختراق هنا، هو ذلك الهوان الثقافي والأخلاقي حين يصبح الهدف الرئيسي للمثقف الفلسطيني والعربي ليس النضال من أجل الاستقلال الوطني، وانما الفوز بقبول أي من الساسة أو الأكاديميين الإسرائيليين أو الحصول على دعم مالي من الاتحاد الأوروبي أو من تتم دعوته الى مؤتمر ما في باريس أو نيويورك. لماذا ينبغي علينا دوما أن نعود الى البديهيات، وأن نكرر بأن ثمنه فارقا كبيرا بين الحوار والإذعان، وبين التعامل مع الواقع والاستسلام لشروط الطرف الأقوى".

هذا ما قاله إدوارد سعيد في معرض استعراضه لاتفاق أوسلو وهو برأيي ينطبق اليوم حرفيا على ما سمي "بوثيقة جنيف" ودعاتها الذين لم يعودوا يستطيعون التمييز بين الواقعية، باعتبارها فهما للواقع من أجل تغييره، وبين الاستسلام المحزن للواقع الأليم.

وقد سبق إدوارد سعيد زمنه في كثير من الأحيان، ولعل منظومة أفكاره في نقد الاستشراف والفكر الغربي، قد سبقت بالنقد والتحليل ما نواجهه اليوم بثلاثة عقود، وكم تبدو كلماته التي كتبها قبل عشرة أعوام بالضبط دقيقة الى حد النبوءة عندما كتب "كان الله في عون العديد من حكام العرب الذين أراهم اليوم في وضع لا يحسدون عليه، فقد اشتروا من خلال التودد لإسرائيل والولايات المتحدة مهلة زمنية ليست طويلة، في الوقت الذي سيجدون فيه أنفسهم قريبا جدا مضطرين لمواجهة المشاكل الاجتماعية والمعنوية الحادة التي أرجأوا التعامل معها وتجاهلوا وجودها لزمن طويل".

رفض أوسلو..
لعل أبرز محطات علاقة إدوارد سعيد بالقضية الفلسطينية كانت رفضه المباشر، الحاد والقاطع لاتفاق أوسلو، وتوافق ذلك مع استقالته من عضوية المجلس الوطني الفلسطيني. ومثلما هو متوقع فان رفضه لم ينطلق من اعتبارات التعصب القومي الذي عارضه دوما، بل من زوايا عديدة أولها ادراكه بأن هذا الاتفاق سيلقى الفشل بسبب عدم منطقيته، وغياب الانسجام في نصوصه ومعانيه، ما أدى الى تنازلات مبدئية مريعة من الجانب الفلسطيني، حين تقدم "حركة تحرر وطني لأول مرة في القرن العشرين على تفريط بانجازاتها الضخمة وتقبل التعاون مع سلطة الاحتلال، قبل ان تجبر هذه السلطة على الاعتراف بعدم شرعية احتلالها للأراضي بالقوة العسكرية".

وقد تشارك سعيد مع الكثيرين من القياديين الفلسطينيين في ضيقه من مستوى عدم الكفاءة والاستهتار واللامسؤولية التي رافقت المفاوضات ونتائجها، وتذمر دون انقطاع من تعلق القيادة الفلسطينية بالمظاهر الشكلية - وخاصة مظاهر السلطة الزائفة - دون إيلاء الاهتمام للمضمون، فتصبح الرموز بديلا للسيادة الحقيقية والألقاب الوزارية بديلا للصلاحيات السيادية والتبعية الاقتصادية بديلا للتخطيط المستقل، ويغدو نهج تجزئة القضايا وتأجيلها "الغلاف المحكم" لتبرير تنازلات حتمية مؤجلة، اصطدمت بها السلطة الفلسطينية عندما حانت لحظة الحقيقة في كامب ديفيد.

ولو كان إدوارد سعيد معنا لأشار هنا الى البراجماتية المنفلتة التي تتحول الى انتهازية خطرة وضارة لخدمة المصالح الشخصية على حساب المصلحة العامة للشعب.

لقد قاد انتقاد أوسلو، كما يقودنا انتقاد سلوك "ازدواجية الخطاب السياسي للقيادة الفلسطينية" إدوارد سعيد الى الاستنتاج الرئيسي بحتمية اعتماد الديمقراطية الداخلية كحكم لحسم الخلافات الداخلية، ولإنقاذ مستقبل الشعب الفلسطيني من الهوان وانعدام الكفاءة.

فقد رأى عن حق الترابط الوثيق بين عناصر الضعف الداخلي في انعدام بنيان المؤسسة وغياب مبادئ المساءلة وسيادة القانون والشفافية امام الشعب وبين الضعف امام العدو الخارجي، ولذلك غدا من أشد المكافحين من أجل الديمقراطية الداخلية الفلسطينية وتكريس الانتخابات الديمقراطية الحرة والنزيهة كوسيلة للتغيير الإيجابي وتقوية القدرة على الصمود في وجه الاحتلال والاستيطان والتهويد.

انتفاضة الاستقلال..

لقد أمدت الانتفاضة الشعبية الثانية من أجل الاستقلال إدوارد سعيد بطاقة مليئة بالحماس والحيوية وهو يواصل صراعه مع مرضه بشجاعة لا توصف، ولعل تحسسه الشديد لقيمة الوقت الثمين سواء بالنسبة لحياته الشخصية او للمخاطر التي تعيشها القضية الفلسطينية والحاجة الملحة لعمل كل ما هو ممكن، هو ما جعله يكرس جل عمله وكتاباته الأخيرة للقضية الفلسطينية وهو ما دفعه للمشاركة الفعالة بجرأة واقدام معنا في الداخل في تأسيس المبادرة الوطنية الفلسطينية باعتبارها اداة تغيير وتطوير لبناء قوة شعبية تعبر عن حقوق ورأي الأغلبية الصامتة المتطلعة للحرية والسيادة الفلسطينية الكاملة والديمقراطية.

وفي ذلك امتزج حرص سعيد المفرط على الوقوف الى جانب الحق مع خبرته الطويلة في الكفاح ضد انعدام الكفاءة والتسلط والتخلف الى جانب الإيمان الكامل بفكرة انتصار العدالة والتمسك بالديمقراطية وحقوق الإنسان، محاولا أن يكرس مقولته بأنه لا يكفي ان ندعو للحق، بل علينا أن ننخرط أيضا في العمل من أجله.

وقد وصف في آخر كتاباته المبادرة الوطنية الفلسطينية "بأنها المجموعة الواعدة التي تضم نشطاء يعملون على مستوى القواعد ولا يتضمن نشاطهم الأساسي العمل وراء مناضد او التلاعب بأرصدة مصرفية، أو البحث عن صحافيين كي ينتبهوا اليهم بل جاءوا من صفوف المهنيين وفئات العمال والمثقفين والنشطاء الشباب والمعلمين والأطباء والمحامين والعاملين الذين مكنوا المجتمع من الصمود وفي الوقت نفسه صد الاعتداءات الإسرائيلية اليومية، وثانيا هؤلاء اشخاص ملتزمون بذلك النوع من الديمقراطية والمشاركة الشعبية التي لا تحلم بها السلطة وتعني فكرة الديمقراطية لديهم الاستقرار والأمان لذاته. واخيرا، أنهم يقدمون خدمات اجتماعية للعاطلين عن العمل وخدمات صحية لمن لا يتمتع بتأمين وللفقراء تعليما علمانيا لائقا لجيل جديد من الفلسطينيين الذين يجب ان يعلموا حقائق العالم الحديث وليس فقط القيمة الفريدة للعالم القديم".

ومن المؤسف أن بعض المثقفين تذمروا من تعليق بوسترات تحمل صور إدوارد سعيد يوم وفاته، وقد صح قولهم عندما قالوا ان الكثيرين من البسطاء الفلسطينيين تعرفوا لأول مرة على إدوارد سعيد من خلال تلك البوسترات، رغم أن إدوارد سعيد هو الشخصية الفلسطينية والعربية الأولى دون منازع المعروفة ثقافيا ودوليا في كل أصقاع الأرض. فلماذا نحرم هؤلاء البسطاء من حق التعرف على عملاق فلسطيني بكل هذه الأبعاد، وما هو العيب أن ترفع صوره في كل شارع فلسطيني دون أن يكون ذلك بديلا للتعرف العميق على فكره واسهامه الثقافي ومناقشة مواقفه.

ألم يحن الوقت لكي يعرف الشعب الفلسطيني أن القادة لا تعني فقط المناصب الرسمية أو القيادة السياسية الفصائلية، بل هناك أيضا القيادة الفكرية والثقافية والإبداعية والنقدية؟.

أم لأن هناك من يريد أن يحرم إدوارد سعيد من خياره السياسي الذي كتب عنه بوضوح مرارا وتكرارا ظنا بأن الالتزام يحط من قدر المثقف.

لقد جادل إدوارد سعيد كثيرا حول مستقبل القضية الفلسطينية، وساهم بجرأة في تحديد البديل الوحيد الصحيح في حال نجاح اسرائيل في تدمير امكانية قيام دولة فلسطينية مستقلة وحقيقية، بطرحه لفكرة الدولة ثنائية القومية - دولة واحدة ديمقراطية يتساوى فيها الجميع. واذا كان من الخطأ سياسيا التخلي الآن عن هدف الدولة المستقلة، فان التمسك بخيار الدولة ثنائية القومية كخيار بديل يتيح للشعب الفلسطيني هامشا واسعا للمبادرة ورفض الضغوط الرامية الى تزوير فكرة الدولة المستقلة واستبدالها بفكرة حكم ذاتي هزيل يلعب دور الشاويش أو الشرطي تحت اشراف الاحتلال ويقوم بدور القامع للشعب الفلسطيني في جيتوات ومعازل تلغي عنصر التفوق الديموجرافي في مجابهة فرض الحقائق الجغرافية بالاستيطان.

ويصبح الخيار إما إنهاء الاحتلال وازالة الاستيطان بالكامل وقيام دولة مستقلة كاملة السيادة بالكامل أو دولة ثنائية القومية ديمقراطية بالكامل لا مكان فيها للتمييز العنصري ونظام الابارتهايد. وفي الحالتين فإن الخيار واحد ... التمسك بقيم الكرامة والحق والتصميم على نيل الحرية.

لقد رأى إدوارد سعيد فلسطين في محيطها العالمي ودون انفصال عنه. ودافع عن حقوق شعبنا من زاوية التمسك بحقوق وكرامة كل الشعوب، مثلما كان بعيدا عن كل اشكال التعصب وضيق الأفق. وحمل فلسطين الى العالم كما حمل العالم وثقافته وفكره وحضارته الى فلسطين.

واكتسب مكانة قيادية رائدة فلسطينية وعربية وعالمية، ليس بقوة السلاح أو التحكم بالموارد المادية او السلطة، بل بقوة الفكر، وبقوة النفوذ الأخلاقي الذي صنعته استقامته وحبه للناس وتعطشه دون حدود للمعرفة واكتشاف كل ما هو جديد.

ولن يغيب إدوارد سعيد، فالذين يغيبون هم الذين يمثلون الماضي حتى وهم أحياء، أما هو فيمثل المستقبل، الذي نحلم به لنا ولأولادنا واحفادنا ولوطننا المكتوي بآلام تبدو كأنها لا تنتهي.


_________________________
(*) سكرتير المبادرة الوطنية الفلسطينية- رام الله.
- عن "شبكة الانترنت للإعلام العربي"[/url]
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://lorca.ahlablog.com/
kanaan
{{}} مشرف {{}}
{{}} مشرف {{}}
avatar

ذكر عدد الرسائل : 533
البلد : Yiebna
الوظيفة : Critic
تاريخ التسجيل : 12/07/2007

مُساهمةموضوع: رد: ملف ادوارد سعيد ...   السبت أغسطس 18, 2007 2:53 pm

إدوارد سعيد.. البقاء "خارج المكان"













هاني حفني








[url=]"كان لي إدوارد سعيد صديقاً حميماً وعزيزاً خلال سنوات عديدة. إن موته خسارة فادحة تتعدى بكثير دوائر الذين كان لهم امتياز معرفته. لقد اشتهر، عن جدارة، لمساهماته اللامعة في إنتاج ثقافي غيّر عملياً من طرائق رؤيتنا للعالم الحديث ولأصوله التاريخية. وكان يناضل بلا كلل ولا هوادة من أجل العدالة والحرية وحقوق الإنسان ليس للشعب الفلسطيني وحده - وهو الذي لا يضاهى في النطق باسمه، محييا آماله وقضيته في أزمنة مظلمة فاجعة - وإنما أيضاً للعديد غيره من الشعوب المحرومة والمعذبة في أرجاء العالم كافة. كان إدوارد سعيد حقاً صوت الذين لا صوت لهم. تتخطى شجاعته والتزامه كل حدود ويستعصيان على الوصف. وإني لواثق من أن ميراثه سوف يكون مصدر إلهام وقيادة لسنوات عديدة في المستقبل. وخير تكريم لهذا الشخص الرائع أن نسعى، بأفضل ما نستطيع، إلى مواصلة التقدم في الدروب التي فتحها ومهّدها بكامل تألقه ونزاهته"
نوام شومسكي

"إدوارد ظاهرة لن تتكرّر في حياة الأمة التي ينتمي إليها .. إن من أصعب الأمور على من يُطلب منه تقديم الوفاء أو العزاء في هذه الفاجعة أن يختزل حجم أسطورة العطاء العظيمة في كلمات قليلة لا تفي الرجل العظيم جزءاً من حقه. إن ما يعزي المرء في هذه المناسبة أنه ترك وراءه رصيداً حضارياً وثقافياً سيشغل أصحاب الفكر سنوات قادمة بعدما شغلهم عقوداً طويلة، وسيظل إدوارد نبراساً لأمته"
محمد شاهين - الحياة -26/9/2003

"رجل بحجم أمة، حمل على كفه ضمير المثقف العالمي الإنساني، وتحدّى أعتى الظروف والعقبات، وأطل برأسه العملاق في عقر دار الرأسمالية والسلطوية والنفوذ المتعالي... إدوارد سعيد هو خلاصة رمزية لكل إنسان ذي ضمير حي، ولكل مضطهد، ولكل عقل حر. وموته يجب أن يكون حفزاً لنا لكي نتعلم من تجربته في المقاومة وفي المعارضة والمواجهة ... لقد ذهب سعيد نقياً وصافياً وبقيت المسؤولية علينا كلنا لننقي أنفسنا كما نقى نفسه. ونحارب القبح العالمي بسلاح العقل والكلمة الحرة والرأي الشجاع كما فعل سعيد"
عبد الله الغذامي - الحياة -26/9/2003

"لقد مثلت وفاته خسارة كبيرة لكل المدافعين عن حقوق الإنسان... إن وفاته تمثل تحدياً كبيراً للمجتمع حول كيفية تكوين جيل جديد من المفكرين تكون لهم نفس العاطفة والقوة اللتين كان يتمتع بهما إدوارد سعيد"
رشيد الخالدي

"منذ سنة 1975 وبعدها تابعت إدوارد سعيد، وأشهد أنه تحقيقاً لوعد تصورته وتمنيته، أستاذ مقتدر في مادته، وهي الأدب المقارن، ولديه كفاءة تتسابق الجامعات الأمريكية إلى طلبها ليكون من الأعلام"
محمد حسنين هيكل

"كان إدوارد طيباً إلى أقصى حد، قوياً، صلب الإرادة، منذ أن بدأ مرضه، لم يهن، لم يتقاعس...قبل رحيله بشهر، أثناء نزولي بمصعد المبنى الذي يضم "أخبار الأدب"، فوجئت به يتصل بي على الهاتف النقّال، لم يكن هناك سبب محدد، وكان يسأل عن أخباري، عن آخر كتبي التي ترجمت إلى الفرنسية، حدثته عن "حكايات المؤسسة" طلب مني إرسالها، ثم سألته عن أخباره، فقال لي: إنه يستعد للقاء الموت. وها هو الموت قد وصل إليه. وبذلك اندثر جزء حميم مني، أدين له بالكثير .. فإلى اللقاء أيها الجوهر"
جمال الغيطاني – أخبار الأدب – 5/10/2003

"استعاد العملاق عروبته وعربيته وفلسطينيته وعالم ثالثيته. ولكنه لم يكن رجل استعادة فقط، إذ سار قدماً ليغنيها كلها أيما إغناء بإعطائه العالم ذلك الوصف الرائع والهادئ والمرهف والأخّاذ لتجربته الكيانية مع الهزيمة ومع عودة الوعد اللاحقة عليها. كانت هي البداية الثابتة في كفاحة وكتاباته ودراساته وإسهام اته التي كسرت النموذج الأكاديمي التقليدي المنعزل وأدخلته في رحاب ومتاهات الالتزام بقضايا العصر الكبرى"
صادق جلال العظم – الحياة -26/9/2003

"دائما ما نستخدم كلمة: ليس له بديل، وفي كثير من الأحيان نستخدمها لوصف أشخاص غير جديرين بها ... إلا أن سعيد بالفعل كان واحدا من هؤلاء الناس الذين ليس لهم بديل"
ألبرت مخيبر

"إنها لخسارة كبرى للثقافة العربية أن تفقد واحدا من ألمع مبدعيها وأقدرهم على الحوار والتحليل والتأمل. كان بحق رجل تفكير وقّاد وأمل دائم واستطاع من موقعه أن يكون ناقداً بدون تنازل للأفكار المسبقة والصور الجاهزة وكانت تلك وسيلته في الإقناع وفي الانتصار لقضايا وطنه وشعبه وثقافته"
محمد الأشعري – وزير الثقافة المغربي

"نادراً ما يجتمع المثقف والنجم في صورة واحدة، كما اجتمعت في إدوارد سعيد، الأنيق، البليغ، العميق، الشرس، السلس، المفتون بجماليات الحياة واللغة. وفي وداعه الصعب، في وداعه المستعصي على الغياب يلتقي العالم مع فلسطين عند لحظة نادرة، فلا نعرف الآن من هم أهل الفقيد، لأن عائلته هي العالم. خسارتنا مشتركة، ودموعنا واحدة، لأن إدوارد بضميره الحيّ وموسوعيته الثقافية، قد وضع فلسطين في قلب العالم، ووضع العالم في قلب فلسطين"
محمود درويش

"أنا غاضب لأن إدوارد سعيد مات الآن حيث الحاجة إلى صوته الشريف الهادر في أوجها، وحيث بربرية النظام العالمي الجديد في أعلى درجات شراستها وأحط أشكال عدوانيتها، وحيث الرواية الفلسطينية تتعرّض لضربات تشويه غير مسبوق في التاريخ بعد أن ساد منطق "لوم الضحايا" ومديح القتلة"
مريد البرغوثي – أخبار الأدب – 5/10/2003

"يرحل إدوارد سعيد في اللحظة التاريخية التي تعيش فيها فلسطين الوطن أقصى ظروفها التاريخية، وهو يرحل أيضاً وهو على قمة الأداء. ولعل في هذا التناقض ما يشير إلى الطريق المكن للمستقبل، سوف تتاح فيه مساحة أوسع من ممارسة الحياة والبذل الفاعل. واللافت في مسيرة الراحل العزيز الجمع بين الوطنية والعالمية"
أنور عبد الملك - – أخبار الأدب – 5/10/2003

"كان قدوة ومثلاً في جميع المواقف سواء على المستوى الشخصي أو على المستوى العام. كان دائماً عادلاً ومفرط الإنسانية"
أهداف سويف – أخبار الأدب – 5/10/2003

"إن رحيل المفكر والأكاديمي البارز إدوارد سعيد هو خسارة حقيقية للثقافة والفكر الفلسطينيين. إنه لم يكن مجرد مثقف أكاديمي، بل كان واحداً من أسماء الفكر الحسنى، وجمع في شخصيته بين سمات الأكاديمي العميق والمفكر المتميز، وسمات المناضل الملتصق بشعبه ووطنه التصاقاً ألغى التشرد والمنفى. إن أسوتنا الوحيدة هي في الشعب الذي أنجب إدوارد سعيد، وما زال قادراً على العطاء ومتشبثاً بالحرية"
سميح القاسم

"ادوارد سعيد كان مفخرة علمية وأكاديمية، ليس للفلسطينيين وللعرب فقط، وإنما للإنسانية جمعاء، فالرجل وظّف حياته وتجاربه وعلمه الغزير من أجل مكافحة الاستعمار الثقافي بكل أشكاله وألوانه"
عبد الباري عطوان

"إدوارد سعيد من قلة استعادت، بإصرار وبوعي عميق، واجتراح، وتجذر، الوظيفة السياسية للثقافة والإبداع والكتابة، من دون أن يقع، حتى في أكثر المراحل سخونة وانفعالاً وعاطفية وذاتية، لا في المباشرة، ولا في التبسيط، ولا في الخطاب التعبوي الآني، أو الدوغمائية المغلقة أو الدعائية الضيقة. كان لنضاله أفق. بل كانت كل الآفاق المشرّعة على المعاصرة في خدمة نضاله"
بول شاؤول

"عرفت إدوارد سعيد أول ما عرفته من خلال كتابه في "الاستشراق" .. ودأبت في الأعوام الأخيرة على متابعة كل نتاجات إدوارد سعيد، وقد كانت مقالات رائعة بعد أن اشتدّ عليه المرض. وأكثر ما كتبه أو حاضر به تقاسيم على تلك الأطروحة الإنسانية الكبرى لمثقف شمولي ، يشعر بأنه معني بكل العالم، وبثقافة رفيعة تصل لدى العارف إلى شغاف العقل والقلب معاً. بيد أن سيرته الذاتية "خارج المكان" تستعصي على الوصف، وتلامس أعمق أعماق النفس: مَن زعم أن الناقد الأدبي لا يكتب نصاً أدبياً إبداعياً"
رضوان السيد - الحياة -26/9/2003

"لقد فقدت الثقافة العربية إذن أحد أبرز رموزها‏,‏ وأكبر عقولها الذين منحوها دوما وجها إنسانياً مقبولا‏,‏ ودافعوا عنها بقاعدة صلبة ومتسقة من القيم التقدمية‏,‏ في واحدة من لحظاتها الصعبة‏,‏ ولكنه سيبقي دائما جزءا من ذاكرتها الحية الملهمة‏,‏ كما ستبقي هي دوما رغم كل إحباطاتها أو حتي انكساراتها‏,‏ حية وفاعلة‏"
صلاح سالم

"أعطى إدوارد سعيد في مساره درساً نموذجياً في "الهجنة الخصيبة" فقد كان أميركياً يدافع عن القضية الفلسطينية، وكان فلسطينياً يندد بالسياسة الصهيونية ... وعن كرهه للاختصاص صوّر انفتاحه على تعددية المعرفة، فكتب في الثقافة والأدب والموسيقى والسينما والسياسة..كان في كتاباته موسوعياً وكان في موسوعيته منظوراً للعالم، يحتفي بالمتعدد ويحتفل بالحواري ويكره المستبد ويزجر الأحادي..لم يكن إدوارد سعيد مثقفاً رسولياً يرى ما يُرى، بل كان مثقفاً أخلاقياً عالي الصوت"
فيصل درّاج - الحياة - 26/9/2003

"سوف يمر وقت طويل قبل أن ينتج العرب مثيلاً لإدوارد سعيد. وسوف يمضي وقت طويل قبل أن يطل في الثقافة العالمية مثل هذا النهضوي الشامل الرؤية والإنتاج"
فواز طرابلسي

"مات إدوارد سعيد، فتى الزيتون المملَّح! لا أعني تماماً أنه مات، بل تزحزح قليلاً ليأخذ مكانه في جداريّة فلسطين. جسد قصّر عن العمر، وعمّر ضاق عن احتدام في العقل والروح، فانقذف الفتى "خارج المكان"، وراح موكَّلاً بفضاء الله يذرعه. سيبقى إدوارد سعيد جميلاً في كله والتفاصيل، بهياً في المشهد الفلسطيني المعاصر"
محمد حسين شمس الدين

"موت إدوارد سعيد هو موت آخر لفلسطين الدلالة. وأن تكون فلسطينياً بعد هذا الموت يعني أن تكون أكثر وحدة وعزلة; أن تكون، نهائياً، لست في محلّك"
أنطوان شماس

"لا يبدو غيابه كأي غياب آخر. الخسارة هذه المرة لا يسهل تعويضها، وأحسب أن السؤال ماذا بعد إدوارد سعيد، يكتسب في غيابه لحماً وعظماً ولا يبقى إنشاء لغوياً تفخيمياً خالصاً"
بلال خبيز

"الحبيب، الجميل، النزيه، المتوقد. أغمض عينيه في نيويورك وقال للمرض أن يحلّ عنه لأنه ذاهب إلى حيث يموت الأطفال والنساء والرجال بنيران العنصرية الإسرائيلية التي لا ترتوي من الدم... في وصيته الأخيرة، قرر الذي عاش "خارج المكان" أن يرقد رماده في لبنان. لن يرقد سعيد في برمانا، حيث المقبرة، بل سيبقى خارج المكان لأن له القلوب والأمكنة كلها"
إلياس خوري

"لقد كان رحمه الله قطباً من أقطاب الفكر والأدب العالمي المعاصر، ومنارة من منارات القرن العشرين، من خلال كتاباته الإبداعية وفكره المستنير، وظل كما كان منذ لحظته الأولى متمسكاً بهويته الوطنية، وملتزماً بقضيته الفلسطينية، ويحمل مأساة ومعاناة شعبه الفلسطيني أينما تواجد، وعاشقاً لأرض وطنه فلسطين، ملتزماً بالوفاء والعهد الذي قطعه على نفسه إلى أن لاقى وجه ربه الكريم"
الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات

"طريق إدوارد سعيد كانت طويلة وحافلة بالأحداث والعمل الفكري ... ولاشك في أن كتابيه "الاستشراق" و"المسألة الفلسطينية" وكلاهما ترجما إلى العربية، يشكلان المساهمة الرائدة التي حققها إدوارد سعيد في النقد الأدبي وفي الدراسات الفلسطينية المعاصرة ... برحيله ترك إدوارد سعيد فراغاً لا يمكن ملؤه. لقد كان المناضل العربي الأول والأكثر فعالية على صعيد مجابهة الصهيونية في أميركا. وكان كذلك المفكر والناقد الأدبي الذي لم يصل إلى مستواه أي أكاديمي عربي من جيله"
هشام شرابي - الحياة -26/9/2003

"الخسارة في فقد إدوارد سعيد شخصية وقومية وإنسانية لأنني عرفته فوجدته صديقاً حميماً رقيق المشاعر وصادقاً في التعبير عنها. وهي خسارة قومية لأنني لا أعرف رجلاً أو امرأة كسب لقضية الفلسطينيين عطف المثقفين في مختلف أنحاء العالم الذين يتكلمون ويقرأون بمختلف اللغات، أكثر مما كسب إدوارد سعيد لهذه القضية. وهي خسارة إنسانية لأنه استطاع أن يستخلص من القضايا الفردية والقومية معاني إنسانية وأخلاقية يستجيب لهل عقل قارئه وقلبه أو المستمع إليه بصرف النظر عن انتماءاته الشخصية والقومية"
جلال أمين - الحياة -26/9/2003

"لقد أصبح كتاب إدوارد سعيد "الاستشراق" من الكتب الأساسية في القرن العشرين، العابرة للتخصصات التي أقرت في عملية تغيير التفكير في موضوع الاستشراق كما في حقول التفكير بالعالم الثالث وعلاقة المستعمِر – المستعمَر، مما مهّد لظهور ما يسمى الآن "دراسات ما بعد الاستعمار" التي تعيد النظر في الخطاب الاستعماري حول البلدان والشعوب المستعمرة"
أحمد الشهاوي – نصف الدنيا – 5/10/2003

"لقد رحل إدوارد سعيد، واحد من أكثر المثقفين تأثيرا في العالم خلال نصف القرن المنصرم، بعدما وضع فلسطين في قلب العالم، ودافع عن الإسلام بدءا بكشف المستشرقين القدامى من مروّجي الاستعمار القديم وصولا إلى عملاء التحالف الصهيوني - الإمبريالي الجديد. من حق شعبنا أن يعتز بأن أدوارد كان رجلا من فلسطين.
شفيق الحوت

"إدوارد سعيد المثقف الحقيقي لا يتكلم كخبير أو ملهم عبقري ولا المدافع عن عقيدة جامدة، فمعايير الصدق والحقيقة عن تعاسة البشرية وقهرها تتجاوز الانتساب الحزبي والولاءات لروائع المعيار الغربي فهو يحاول دفع الحرية والمعرفة الإنسانية إلى الأمام بالتحرر من سجن التمثيلات الثقافية الزائفة عن عدم تساوي البشر والديانات والحضارات"
إبراهيم فتحي – جريدة القاهرة – 30/9/2003

"هل يحق لي أن أقول كما يفعل الكتاب الكبار عندما يتحدثون عن معرفتهم بكبار الكتاب والمفكرين، عرفت إدوارد سعيد..؟ نعم عرفت إدوارد سعيد، والمعرفة هنا دين قائم، ولم لا فلم يكن فقط أستاذي لمدة عامين (1994 – 1996) بجامعة كولومبيا بمدينة نيويورك، بل كان مفتاحي إليها، وقميصي الواقي من مدينة تقتل الغرباء"

_________________________
- عن موقع "أوان" – أخبار الأدب – 5/10/[/url]
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://lorca.ahlablog.com/
kanaan
{{}} مشرف {{}}
{{}} مشرف {{}}
avatar

ذكر عدد الرسائل : 533
البلد : Yiebna
الوظيفة : Critic
تاريخ التسجيل : 12/07/2007

مُساهمةموضوع: رد: ملف ادوارد سعيد ...   السبت أغسطس 18, 2007 2:54 pm

عن العالم والنص والناقد: حوار مع إدوارد سعيد













أجرى الحوار: غاري هينتزي وآن ماكلينتوك








[url=]أجري هذا الحوار مع الراحل إدوارد سعيد عام 1986، ونشره المحاوران: غاري هينتزي وآن ماكلينتوك في مجلة كريتيكال تيكست Critical Text، التي تصدر في نيويورك في العام نفسه. وقد تم نشره في كتاب "السلطة والسياسة والثقافة: حوارات مع إدوارد وديع سعيد" Power, Politics And Culture: Interviews with Edward W. Said الذي حرره وقدم له غوري فيسواناثان والصادر عن دار فينتيج في شهر أيلول 2002.
في الحوار يناقش إدوارد سعيد، بصورة لافتة، بعض المصادر النظرية التي أثرت في عمله، ويشير بصورة مواربة أحيانا إلى نقده لهذه المصادر. كما يشدد على أفكاره التي بحثها في كتابه "العالم والنص والناقد" ( الصادر عام 1983)، وخصوصا مفهومه للعلمانية والدنيوية. وينوه سعيد إلى كتابيه اللذين كان يعمل عليهما وصدرا فيما بعد، وهما "الثقافة والإمبريالية" (1993) و"صور المثقف" (1994).
المترجم

* طلب منك مرة أن تقارن ميشيل فوكو بفرانز فانون، وكلاهما يقوم في عمله بسبر السياسات الثقافية للإقصاء والحجز والهيمنة؛ وهي أمور كثيرا ما شغلتك. وأنت عندما تناقش "الجنون والحضارة"، و"معذبو الأرض" فإنك تضفي سلطة أكبر وأهمية أعظم على نص فانون لأنه صادر من تربة الكفاح الجماعي للثورة الجزائرية، وذلك في مقابل تدخل فوكو الباهر الذي يشبه العصيان المسلح، لكنه يظل تدخلا فرديا ضمن التقليد الأكاديمي. هل يمكن أن تعلّق على الحوار في عملك بين مفهوم المسافة النقدية والسياسات الثقافية الخاصة بالالتزام والتضامن التي تكن لها احتراما وإعجابا شديدين في عمل فانون؟
ــ أرغب في قول شيء محدد بخصوص فوكو وفانون بداية، فمن الأشياء التي يختلف فيها الإثنان عن بعضهما البعض هي أن مسار فوكو كدارس وباحث مهتم بمواضع سياسية ملتهبة ــ كالمصح العقلي، والمستشفى، والسجن، والمؤسسة الأكاديمية، والجيش، إلخ ــ قد تحول مما يبدو بحثا يتسم بالعصيان المسلح إلى نوع من البحث الذي يتوجه إلى معالجة مشكلة السلطة من منظور شخص يعتقد بصورة جوهرية أن هناك القليل مما يمكن فعله لمقاومة مجتمع التأديب والعقاب. هناك نوع من الطمأنينة التي تظهر في مواضع عديدة من مسار عمل فوكو: الإحساس بأن كل شيء محدد سلفا في التاريخ، أفكاره عن مفهوم العدالة، بمفهومي الخير والشر، وأن تلك المفاهيم لا تمتلك دلالة ضمنية خاصة بها لأن من يستعملها هو نفسه من يقوم بتشكيلها. في الوقت الذي يقوم عمل فانون بكليته على فكرة التحول التاريخي الحقيقي حيث يكون بمقدور الطبقات المضطهدة أن تحرر نفسها ممن يضطهدها. هذا بالفعل اختلاف حقيقي بينهما؛ إنه من بين الأشياء التي لا زلت أجدها شديدة الأهمية في عمل فانون. لم يتحدث فانون عن التحول التاريخي فقط، بل كان قادرا على تشخيص طبيعة الاضطهاد تاريخيا وسيكولوجيا وثقافيا، ومن ثمّ كان قادرا على اقتراح طرق لإزالته.
النقطة الثانية التي أود أن أوضحها هي أن فكرة التضامن المتضمنة في عمل فانون تخص التضامن مع طبقة ناهضة، مع حركة نامية لا مع تلك الطبقة أو الحركة المنجزة المستقرة. ولدي إحساس أن فانون لو عايش السنوات الأولى للدولة الجزائرية لكان موقفه سيبدو شديد التعقيد، ولا أظن أنه كان سيبقى هناك. لربما كان سيغادر إلى مكان آخر، فما حدث للكثيرين من مناضلي جبهة التحرير الوطني الجزائرية أنهم أصبحوا موظفين في جهاز الدولة الذي لم تطلع منه، بعامة، طبقة من المثقفين تحافظ على مسافة نقدية من الدولة. إن من بين الأمور المقلقة بالنسبة للتضامن هي أنك قد تصبح سجين خطابك عن التضامن والسهولة التي قد تنزلق فيها ضمن خطاب السلطة. إنه أمر لا مهرب منه. لقد جاء فانون من طبقة مناضلين أصبحوا فيما بعد منفذين لسلطة الدولة وأدوات بيدها.
في الوقت نفسه هناك شيء شديد الخطورة بشأن المسافة النقدية، وهي مسافة بالمعنى الحرفي تسمح لك أن تتلصص، من موقع الامتياز، على مفاسد وإساءات من نوع أو آخر. وأنا أفكر هنا بالمنشقين في الكتلة الشرقية، من نوع كولاكوفسكي على سبيل المثال، الذين جاؤوا إلى أمريكا وشجبوا الشيوعية في الوقت الذي كانوا يقومون بتكديس كل أنواع المكافآت الأكاديمية والاجتماعية التي تعرض عليهم من قبل معادي الشيوعية. إن ذلك يصدمني لأنه لا يمثل تلك المسافة النقدية التي نتكلم عنها. هناك أنواع أخرى يمكن أن تعثر عليها في العالم الثالث، مثل المنشقين العراقيين الذين يلجؤون إلى سوريا. إن المشكلة في مثل تلك الحالات هي أنك تسمح لنفسك أن تستعمل كهراوة من قبل دولة تحتاجك لمهاجمة دولة أخرى. إنها الظاهرة الأكثر شيوعا. ويمكن أن نستبدل الدولة بمجموعة سياسية كذلك. إن المشكلة بالنسبة لي هي المكان الذي تقوم فيه بتلك الوظيفة، وذلك يثير مسألة الجمهور وفيما إذا كان باستطاعتك فعلا مخاطبة جماهير كثيرة بطرق تعالج المشكلات التي يواجهونها.
يمكنني أن أقول الآن إن هناك حالات لا تقع ضمن هذه التصنيفات، والأمر يتعلق باختيار الموقف الصحيح. وبخصوصي أنا شخصيا لم أواجه مرة من المرات مشكلة التضامن بهذه الطريقة، لأن القضايا التي ارتبطت بها ــ مثل الحركة الفلسطينية على سبيل المثال ــ هي من النوع الخاسر. هناك حركات تحرير تنتمي إلى الخمسينات والستينات لم تنتصر بعد، ولا يبدو أن لديها الأمل في الانتصار؛ لكنني شخصيا لم أفقد الأمل بانتصارها، ولربما يكون ذلك غباء مني.

*إذن فأنت لا تواجه خطر الاندراج في خطاب السلطة.
ــ بعض المجموعات والدول في العالم الثالث حاولت استتباعي، لكن مقاومة تلك الجهات ليست صعبة. وحتى فيما يتعلق بالحركة الوطنية الفلسطينية فقد أوضحت أنني لن أقبل وظيفة رسمية من أي نوع؛ لقد احتفظت على الدوام باستقلاليتي. في بعض الأحيان أخشى أن يكون ما أقوم به نوعا من عدم المسؤولية، لكن شكرا على أية حال لكوني أستاذا في جامعة كولومبيا. ومع ذلك فإن موقفي يظل صحيحا بالنسبة لي.

*ما تقوله بخصوص الجماهير وموقف المثقف يبدو لي مهما عندما أفكر بأناس مثل ريجيس دوبريه الذي بدأ حياته مهتما، بعمق، بالنضالات السياسية والآن يعمل مستشارا لميتران.
ــ النموذج الذي كان مفيدا على الدوام بالنسبة لي هو أكثر بداوة وأقل استقرارا من دوبريه الذي عمل من داخل النظام الفرنسي نفسه. لربما يكون الحكم على عمله مع البوليفيين والكوبيين غير عادل، وإذا ما نظرنا إليه الآن فسيبدو شكلا من أشكال السياحة المكثفة. إن النموذج الفعلي لمثل هذه الفعالية هو جورج أورويل الذي ذهب إلى ويغان باير Wigan Pier وكتب عنها، ثم عاد إلى لندن وعمل لدى هيئة الإذاعة البريطانية. ليس لدي شيء أعود إليه، ولم أفكر يوما فيما أفعله بتلك الطريقة. إن جذوري العاطفية والسياسية موجودة في مكان آخر، ولذا عليّ أن أكون ملتزما تجاه جملة من الأشياء. إن الأمر يتعلق بالمزاج أيضا: إن تدريبي واهتماماتي يقعان فيما يمكن أن نطلق عليه العمل المقارن. إنني مهتم للغاية بالترحل بين الحدود، وبمعنى آخر بالترحل أفقيا لا مراتبيا داخل الثقافة الواحدة. ومن ثمّ فإن الأشياء التي تلفت انتباهي في الأدب المقارن، على سبيل المثال، هي ذلك النوع من العبور، وعدم التخصص، وعدم التمسك بالعامل المحلي الإقليمي الضيق. وأنا أفترض أن كل هذه الأشياء لها أصل وجودي، بصورة من الصور، في خلفية المرء وتاريخه؛ لكنني أفترض أن ذلك النوع من العمل بعض من الخيار الثقافي، وهو الأمر الذي استحوذ علي دائما. لقد كنت مهتما بالكتاب والمثقفين الذين استطاعوا عبور الحواجز الجغرافية والثقافية وأن يجعلوا من ذلك العبور مهنتهم.

*ولهذا السبب أصبحت صورة المنفى بالنسبة لك هي الصورة النموذجية للمثقف.
ــ يستخدم ماثيو أرنولد كلمة "غريب" ليصف الناقد: شخص ليس ثابتا في طبقة محددة بل هو على الأصح يسير على غير هدى. بالنسبة لي فإن صورة المنفى شديدة الأهمية لأنك تدرك في لحظة من اللحظات أنه لا يمكن أن تعكس مسار المنفى. إذا فكرت به بهذه الطريقة فإنه يصبح صورة شديدة القوة في الحقيقة؛ لكن إذا فكرت بأن المنفي يمكن أن يعود، ويجد بيتا، فهذا ما لا أقصده في هذا السياق. إذا فكرت بالمنفى كحالة دائمة، بالمعنيين الحرفي والثقافي، فإن الأمر سيبدو واعدا رغم صعوبته. إنك تتحدث هنا عن الحركة، عن التشرد، بالمعنى الذي يتحدث فيه لوكاش عن "نظرية الرواية" ــ "التشرد الذي يؤدي إلى نوع من التصعيد" ــ وهو ما يمكن أن يؤدي نوعا من الرحلة الثقافية التي أربطها بالنقد. العبارة الثالثة، التي لها أهمية خاصة لدي، إلى جانب المنفى و"التشرد وافتقاد البيت"، هي "العلمانية" ــ التي تعني من بين ما تعني اندراج المرء في العصور والأزمنة والتاريخ لا في عالم اللاهوت أو نظام النظرية اللاهوتي المتعالي الذي ينجذب إليه العديد من مثقفي اليسار الآن.
[/url]
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://lorca.ahlablog.com/
kanaan
{{}} مشرف {{}}
{{}} مشرف {{}}
avatar

ذكر عدد الرسائل : 533
البلد : Yiebna
الوظيفة : Critic
تاريخ التسجيل : 12/07/2007

مُساهمةموضوع: رد: ملف ادوارد سعيد ...   السبت أغسطس 18, 2007 2:55 pm

من هنا إذن تبدو الأهمية التي تعلقها على ما تسميه "الدنيوية".
ــ بلى، الدنيوية هي تعبير مرادف للعلمانية، في مقابل "الديني" ــ وهو الاتجاه الذي أصبح سائدا أكثر فأكثر منذ كتبت "العالم والنص والناقد". بالمناسبة هناك مقالة نشرت مؤخرا في مجلة THE NATION تقول إن اليسار الموجود في أمريكا هو يسار ديني. وقد كان موضوع عدد الصيف الأخير من مجلة مونثلي ريفيو عن "اليسار الديني" حيث قامت المجلة بمراجعة فكرة ماركس عن الدين بوصفه أفيونا للشعوب وقامت بتعديلها. فحسب المونثلي ريفيو فإن ماركس لم يعن في الحقيقة ما قاله عن الدين ولم يقصد انتقاد الدين؛ فما عناه هو العكس تماما: أن الدين قوة. ويمكن لي أن أستمر في الاقتباس. هناك العديد من الأمثلة عن اليساريين السابقين الذين يعتقدون الآن أن البديل الديني (أو ما يسمى كذلك "اللاهوت التحريري") هو الوحيد المتاح.
الشيء الرابع الذي أود التشديد عليه هو أن ما أتحدث عنه هو بالضرورة بديل يساري: إنه مرتبط بعمق برؤية للتحول الاجتماعي. وهذا سبب آخر لأن معظم ما يكتب من نقد الآن لا يجذب اهتمامي. لقد اطلعت على ذلك النقد لأن ذلك هو حقل تخصصي، وأنا ملتزم به، لكن معظمه لا يقول شيئا من وجهة نظري. ولنستخدم تعبيرا من تعبيرات غرامشي فإنه نوع من تفصيل التفصيل. إذا استثنيت أناسا مثل فردريك جيمسون (وهو شخص لامع وخلاق، وعمله يعد صيغة من صيغ التفصيل، بل هو شديد النظرية ومضاد للسياسة، ومن وجهة نظري يندرج في سياق الاتجاهات الدينية) فإن العمل الذي يجذبني حقيقة هو عمل أناس "هواة" مثل هارولد بلوم، على سبيل المثال، مثل بوارييه أو بيرساني، أو جيمسون نفسه، الذين لا يمكن أن ننسبهم إلى مدرسة أو نظام بعينه مثل التفكيك أو الماركسية. إنني أجد أحيانا بعض ما يغذيني في عمل المؤرخين وعلماء الاجتماع أكثر مما أجد في عمل أناس يقيمون في أرض النقد الأدبي الذي يبدو ديني النزعة الآن ــ إن النموذج السائر هو التعليق على النصوص الدينية حتى في اللحظة التي نتحدث فيها عن تعديل المقرر CANON وأمور أخرى ــ قليل الكثافة ومليئا بلغة الرطانة، إلى الحد الذي يبدو فيه غير لافت للاهتمام.

*إن الباعث السياسي في عمل جيمسون هو ، بصورة من الصور، وهم سياسي…
ــ لا أظن أنه وهم سياسي في حالة جيمسون. إن السياسة بالنسبة له شرط مفروض علينا لحقيقة كوننا نعيش في عالم فقد سموه وتعاليه. بمعنى آخر فإن رؤيته للعالم ذات طبيعة نوستالجية بصورة جوهرية. إنه هايدغري النزعة، أو ممن يتبعون توما الإكويني دون أن يكون لديه ذات متعالية؛ وهو يعلم ذلك ويؤدي وظيفته استنادا إلى ذلك العلم ــ إنه شخص فقد شيئا ويحاول استعادته في التاريخ بالمعنى المفخم لكلمة تاريخ. لكن هذا العالم ليس في الحقيقة العالم التاريخي والعلماني الذي تحدث عنه غرامشي وفيكو وآخرون. إنها رؤية محددة ذات طبيعة هيجلية متأخرة، وهي رؤية ليست ذات طبيعة سياسية من وجهة نظري. إنها السياسة كتعويض عن ضياع المقدس. ليس هناك تورط مباشر في العمليات التاريخية والسياسية، ولكنها في الوقت نفسه اشتغال هائل على تقليد مدرسة فرانكفورت وفكرها النقدي. *كيف يمكن أن تقارن مفهومك للتاريخ بهذه الرؤية الدينية الغائية للتاريخ؟ وكيف يمكن لنا أن نفكر بالأسئلة التاريخية أو نقوم بالعمل التاريخي دون أن نمتلك فلسفة للتاريخ مثل تلك التي توفرها لنا الماركسية؟
ــ من الواضح تماما أنه ليس بمقدوري تقديم تعريف مختصر للتاريخ، أو حتى تعريف مفصل له؛ لكن ما أتكلم عنه هو نمط من التورط التاريخي، وليكن ذلك داخل التقليد الماركسي، مع وجود نوع من التحيز الجغرافي لا الزمني بالطبع. إن الارتباط بالتاريخ، من قبل العديد من المنظرين الذين يسيرون على هدى التقليد الهيجلي، ذو طبيعة زمنية فالتاريخ بالنسبة لهم ينبع من نقطة بعيدة موجودة في الماضي حيث يمكن لكل شيء أن يكون ممكنا تبعا لذلك. ذلك صحيح في حالة هيجل؛ وذلك صحيح بالنسبة لماركس الشاب؛ وهو صحيح أيضا بالنسبة للوكاش. هناك اشتياق واضح لإعادة القبض على تلك التجربة، التي تمثل مشروعا تاريخيا ضخما بغض النظر عن كونه مشروعا ثوريا أو بحثيا على السواء. لكن ما أتكلم عنه هو أقرب في الحقيقة إلى المفهوم الغرامشي للتاريخ، وهو مفهوم ذو طبيعة جغرافية وإقليمية متعلقة بالأرض. إنه التاريخ المصنوع من العديد من التضاريس المتداخلة المتشابكة بحيث إن المجتمع يصور بوصفه أرضا تتقاطع عبرها العديد من الحركات. إن رؤية التشابك والتداخل والحقول المتصارعة هي بالنسبة لي نظرة للتاريخ أكثر أهمية من تلك التي ترى إلى التاريخ بوصفه يعود إلى نقطة أصلية عظيمة ذات طبيعة إعجازية. بهذا المعنى، يصبح من الممكن النظر إلى عملية التورط التاريخي كنوع من النضال الجماعي ــ لا كنضال ستربحه ذات فردية تحاول استعادة التاريخ بكل تعقيداته، كما يحاول ويلهيلم ديلثاي أن يفعل، بل كنضال جماعي تتصارع فيه مصالح متعددة لكسب مواقع بعينها وحقول متنازع حولها. ومن بين الأمثلة التي تهمني في هذا السياق الإمبريالية حيث يحصل تفاعل بين المركز الإمبريالي والمحيط العالمي الذي يدور حوله. هناك مثال آخر يتعلق بالصراع الطبقي بين الجماعات المختلفة ــ الناشئة، والسائدة، إلى آخره ــ في مجتمع بعينه. كذلك الأمر بالنسبة للصراع الدائر حول السلطة الذي لا أظن أنه تاريخي بالمعنى القديم للكلمة. إنه محاولة لدراسة آليات السلطة الخاصة بطبقة أو مجموعة من مجموعات المصالح. في هذا السياق فإنه يصعب تحويل المفهوم الجغرافي الإقليمي للعملية التاريخية إلى نوع من اللاهوت كما هو الحال مع المفهوم الذي ينطلق من نقطة أصلية مقدسة بخصوص تعريف التاريخ.

*ومع ذلك فإن الباحث الفرد الذي يرغب في دراسة الماضي يواجه بمجموعة من النصوص التي عليه أن يضعها في سياق محدد بالنسبة لبعضها البعض. والآن، إذا كنت لا تستخدم منظورا غائيا كليا للتاريخ، فهل هناك سياق آخر تستطيع تنظيم مشروعك من خلاله، أم أن الأمر ببساطة يستند إلى طقم من المصالح (اهتماماتك السياسية الحالية، على سبيل المثال)؟
ــ أظن أن من المشكوك فيه، إلى حد ما، أن المرء لا يقوم بتنظيم دراسته انطلاقا من اهتماماته الراهنة؛ وإنكار ذلك يعد ببساطة نوعا من سوء النية. إنك مهتم بالأشياء لعدد من الأسباب المعاصرة. قد يكون ذلك للتقدم في عملك، لكن ذلك قد يتعلق بنسبك، كما يقول فوكو، إحساسك بالانتساب إلى مجموعة معينة في حقل ما. أو أن ذلك قد يتعلق، كما هو الحال في عمل النسويين، بمشكلة بناء التمييز الخاص بالجنس. وهذه حالة ثالثة. هناك حالة رابعة ــ أعدها من بين الحالات الأكثر أهمية ــ تتعلق بالكشف عن الانتسابات التي تبدو مخبأة عن عيون التاريخ. ليست العلاقات بين النصوص فقط هي ما ينتسب الواحد منها إلى الآخر (كما هو الأمر، لنقل، في المقرر الدراسي في الأدب الإنجليزي حيث يكون مشروع الباحث هو البحث عن بديل لهذا المقرر). إن ذلك ليس مهما بالقدر الذي يكتسيه سؤالي بخصوص تلك النصوص: فبأي شيء ترتبط تلك النصوص بحيث تكتسب تلك القوة؟ لا فائدة من الاكتفاء بالقول: "حسنا، إن ما نحن بحاجة إليه هو مقرر بديل." هذا مثال بالطبع من بين أمثلة أخرى. وما حاولت أن أفعله في كتاب "الاستشراق" يجيب على السؤال. أظن أن باستطاعتنا القول إن المشروع ينبثق من شيئين اثنين لا رابط بينهما: الاهتمامات السياسية المتقاربة في العالم المعاصر والفضول التاريخي الأصيل بما أفرزه ذلك الوضع. وعلى المرء أن يقوم بذلك المشروع بصورة واعية وعقلانية، فيما يواجه خطوط القوة التي تبرز من الماضي وتمارس دورها في تحويل الحاضر.

*هل يمكن لك أن تميز بصورة أكثر وضوحا بين مفهومك للانتساب والنظريات الماركسية المعروفة بخصوص الأيديولوجية، حيث يوجد لديك نوع من البنية التي تتخذ مستويين: مجموعة من النصوص، على المستوى الأول، وهي تتحدد بصورة غير مباشرة من قبل مستوى آخر أكثر "واقعية" و"مادية"؟
ــ لا أحبذ فكرة وجود مستويين. ما نتعامل معه هو الدليل التاريخي كما عبرت عنه النصوص، أو تضمنته، أو جسدته بطرق مختلفة تفاعلت فيما بينها في عملية أظن أنها أكثر تعقيدا من القول ببساطة إن هناك نصوصا في هذا الجانب وواقعا في الجانب الآخر. لا مجال للحديث عن النصوص بوصفها تمتلك وضعية خاصة منفصلة. هناك فرق بين وجود وضعية خاصة منفصلة أو خصوصية تاريخية، من جهة، ووجود عنصر مستقل كلية من جهة أخرى (وهو ما حاول بعض دعاة التفكيك أن يشددوا على حضوره). أظن أن هناك نوعا من التجارة، إذا أردت، أو التبادل (أكره كلمة "الحوارية" التي تبدو تعبيرا متداولا هذه الأيام). لذا فإننا في الحقيقة نتحدث عن عدد من المستويات؛ وهذا بالضبط الغرض من التشبيه الجغرافي الذي أوردته. ما لدينا هو نوع من التبادل الذي تحتل فيه بعض النصوص مستوى خاصا بها فيما ترمى نصوص أخرى في سلة مهملات الأدب، وهكذا. ثمة تعدد في المستويات، لا مستويان فقط. وفي اللحظة التي تقر فيها بذلك، فإن التمييز المؤذي بين النص والعالم لا يعود له أية ضرورة. إنه يفقد قوته وقدرته على الإثارة.

*إذن فالتمييز مجرد نوع من الممارسة العملية أكثر من أن يكون أبستمولوجيا أو أونطولوجيا؟
ــ إنه تمييز عارض ومؤقت. السؤال الأكثر أهمية من وجهة نظري هو: أين يتشكل النص؟ مرة ثانية فإن التشديد هو على المكان، على الإقليم. والهدف من ذلك، بوضوح، هو تحرير أكبر قدر من المكان للنقاش والتحليل والصراع والاختلاف. إنها استعارة سياسية بقدر ما هي استعارة ثقافية. إنها لا تتعلق بحيازة الأرض والاحتفاظ بها وطرد الناس منها. أن كل ما يتعلق بالتطويق، والاحتجاز والتقييد، وكل ما يتصل بذلك من أفكار (وهي أفكار متضمنة، كما أظن، في الخطاب الذي يتداوله رجال الدين والمدرسون، إلخ) معاد للمغامرة النقدية.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://lorca.ahlablog.com/
kanaan
{{}} مشرف {{}}
{{}} مشرف {{}}
avatar

ذكر عدد الرسائل : 533
البلد : Yiebna
الوظيفة : Critic
تاريخ التسجيل : 12/07/2007

مُساهمةموضوع: رد: ملف ادوارد سعيد ...   السبت أغسطس 18, 2007 2:56 pm

*هذا يثير عددا من المسائل التي تطرحها النسوية بقوة، وهي ما يمكن القول إنها مسائل خارج المكان والإقليم بصورة شديدة الخصوصية. إن النساء يسكن في عالم يعاملهن كطبقة "دنيا"، وتمارس عليهن الثقافات السائدة نوعا من الإقصاء والحذف؛ ولذلك فإن جزءا من مهمة النسوية هي رفع الحجب عن تاريخ النساء ــ عن البشر، والنصوص، والأفعال التي تم كنسها وحجبها عن النظر. في الوقت نفسه، كانت هناك على الدوام فكرة أنه بعد إتمام مرحلة العصيان تأتي أخرى أكثر صعوبة وهي مرحلة تحمل المسؤولية الفاعلة لاختيار الأشكال الاجتماعية الخلاقة، بمعنى الدفاع عن القيم والاختيارات بصورة إيجابية.
ــ بلى، تلك هي الحالة بالفعل ــ في حركة السود في الستينات، على سبيل المثال، كما هو الحال في النسوية ــ حيث تعمل أية حركة في مراحلها الأولى على محاولة تحرير إقليم كان مخبأ أو مهملا في الماضي، وإعطائه، عبر العمل البحثي أو النقدي وكذلك من خلال العمل السياسي المنظم، نوعا من الحضور والمكانة التي لم يكن يمتلكها في الماضي. الخطوة التالية ستكون مضاعفة. فمن ناحية فإنك ترغب في التشديد على القيمة المكبوتة التي تنطوي عليها الهوية المكتشفة. وفي اللحظة التي تفعل فيها ذلك تواجهك ظاهرة النزوع الوطني المفرط في العالم الثالث. لقد حصل الشيء نفسه في الكثير من عمل النسويين، حيث أصبح التشديد على المقرر الدراسي النسوي هو النظام في الوقت الراهن. بالنسبة لي فإن ذلك يبدو أقل أهمية من إدراج تلك التجربة في التجربة العامة للمجتمع. إن الانفصالية هي المرحلة الأولى، لكن السؤال التالي هو: كيف يمكن لك أن تدرج قيما جديدة في المجتمع التخيلي لعالم مليء بالانقسامات؟ يتعلق هذا السؤال بمشكلات أكثر كونية وعمومية من تلك الخاصة بهوية بعينها تواجه تحديا في وقت من الأوقات. إن الكثير من الكتابات النسوية يفترض أن المنظور النسوي يمتلك قدرة على الاكتشاف الأرخميدي بخصوص النظر إلى التاريخ. لكن ليس هناك في الحقيقة اكتشاف أرخميدي؛ ونحن على الدوام متورطون في السياسة. ومن هنا تأتي عدم قدرة الكثير من الكتابات النسوية للتعامل مع مشكلات العرق وأولويتها، من حين لآخر، على مشكلات الجنس gender. هل العرق أكثر أهمية من الجنس أم الجنس أكثر أهمية من العرق في بعض الحالات؟ تلك أمور وأولويات أكثر أهمية من التشديد على القيمة والاختيار.

*صحيح أن النوع السابق الذي ذكرته من النسوية شديد القوة، في اللحظة الراهنة، وهو في حالة صعود ضمن الوسط الأكاديمي؛ لكنه ليس النوع الوحيد الموجود.
ــ لا، ليس هو النوع الوحيد الموجود. هناك نوع من النسوية يمكن أن نصفه بالتقدمية، وهو متصل بعمق بقضايا السياسة ــ ميشيل باريت، على سبيل المثال.

*بلى، ميشيل باريت، والعديد من النسويين والنسويات في بريطانيا.
ــ صحيح. لكن ليس العديد من النسويات والنسويين في أمريكا. أو على الأقل حسب علمي. هناك بالطبع البعض منهن؛ لكن يمكن القول إنهن لسن مجموعة فاعلة.

*المحور الفرنسي ــ الأمريكي له حضور قوي بارز في المؤسسة الأكاديمية هنا…
ــ نعم. لكن ليس هذا هو الأمر الوحيد. لقد أصبح سؤال الجنس ميتافيزيقيا بصورة ما وجرى تحويله إلى عامل سيكولوجي؛ ومن هنا فإن البعدين السياسي والتاريخي ــ اللذين أنتجا في إنجلترا بعض الأعمال البحثية المدهشة بالفعل ــ قد منحا القليل من الاهتمام في هذه البلاد. لربما يكون الأثر الفرنسي وراء هذا الأمر. لا أدري؛ قد يكون ذلك ممكنا.

*لربما يمكننا التحرك باتجاه منطقة أخرى من الاهتمام. في كتابك "العالم والنص والناقد" تواصل التأكيد على أن اهتمام الناقد الأساسي ينبغي أن ينصب على لفت الانتباه إلى الواقع الخاص بعلاقة القوة والسلطة اللتين تجعلان النص شيئا ممكن الحدوث.يبدو لي أننا دخلنا نهائيا في عالم من السلطة الثقافية ــ وبصورة غير مباشرة عالم من السلطة السياسية ــ التي يملكها تكنوقراط الإعلام الجماهيري. إذا كان هذا صحيحا، فهل تعتقد هو أن من بين أدوار الناقد المهمة والأساسية القيام بالكشف عن وقائع السلطة والقوة التي كانت وراء بروز ثقافة الإعلام؟ هناك سؤال آخر يتعلق بسياسات غرفة الصف في المؤسسة الأكاديمية، أي فيما إذا كان علينا أن نقوم بنوع من محو الأمية بخصوص الإعلام.
ــ في السنوات السبع أو الثماني الأخيرة شعرت أن هناك مشكلة هائلة فيما يتعلق بما تسميه سياسات غرفة الصف، أي فيما يتعلق بما على المرء أن يفعله في غرفة الصف من تعليم حقيقي (في مقابل التنظير حول التعليم بعامة). ومن بين الأشياء الشديدة الأهمية بالنسبة لي هو أن القليل جدا مما أكتب حوله له علاقة بما أقوم بتدريسه، ولذلك أجد نفسي أعلم المساقات الرئيسية الثابتة ــ تلك المقررات الدراسية في الأدبين الإنجليزي والمقارن، وأشياء من قبيل نظرية الأدب. عندما بدأت أعلم النظرية منذ حوالي سبعة عشر عاما، في نهاية الستينات، لم يكن أحد يعلمها؛ لكنها أصبحت تشكل على الصعيد العملي أكثر من نصف المقرر الدراسي، وهي بذلك أصبحت جزءا من المقررات الثابتة. لكنني الآن أعمل على كتابين، الأول منهما يبحث دور المثقف، وهو دراسة تاريخية سياسية لأنواع المثقفين ضمن سياقات مختلفة من التقاليد الثقافية، أي من ذلك النوع الذي كنت تحدثت عنه قبل قليل. أما الكتاب الثاني فيبحث العلاقة بين الثقافة والإمبريالية. وأظن أن من الصعب الآن استيعاب مثل هذه الموضوعات ضمن المقرر الدراسي.
هنا يبرز سؤال الثقافة الشعبية. إن الأمر لا يتعلق بكوننا لا نتحدث عن الثقافة الشعبية لأن هناك بعض المساقات الدراسية الخاصة بالثقافة الشعبية. كما أنني أتفق معك حول ضرورة تدريس أشكال التمثيل السياسي والإعلامي بالمعنى الأكثر عمقا، أي بما يدور حوله الإعلام حقا. يمثل الإعلام نوعا من الخطابات التي تدور حول المشروعية، والسلطة. أعتقد أن التعامل مع هذا النوع من الخطاب وجها لوجه سيكون أمرا سيئا، لأنك في هذه الحالة ستستعمل رطانة اصطلاحية في دراسة تهدف إلى إرضاء الذات حيث تنظر إلى أشياء من السهل نسبيا فهمها واستيعابها وتقوم بتفكيكها. أشعر أنه بالإمكان استخدام بنية المقررات الدراسية الموجودة ــ مساقات الرواية الإنجليزية أو القصيدة الغنائية في القرن السابع عشر على سبيل المثال ــ بطريقة موجهة، فيما بعد، للتعامل مع الوسط الإعلامي الذي نعيش في سياقه. لهذا السبب، على سبيل المثال، يبدو كتاب ريموند وليامز "الريف والمدينة" شديد الأهمية. إنه يأخذ المقرر الدراسي المعياري الخاص بالأدب الإنجليزي ويوفر له نوعا من السياق الاجتماعي، وهو سياق الصراع أو الديالكتيك بين الطبقات الريفية والمدينية. تلك، كما أظن، مقاربة أكثر أهمية من التوجه إلى مشكلة الثقافة الشعبية بصورة مباشرة. إن بحث موضوع معرفة الإعلام ونقده وتقديمه للطلبة ــ المعنيين في معظمهم بالاندراج في النظام واستيعابه لا تغييره ــ لن يكون مجديا. وأنا أشك في إمكانية نجاح محاولة تخريج طلبة قادرين على تغيير العالم. إنني ضد سلطة تعليمية من هذا النوع. لست مهتما بإيجاد أتباع؛ لا أريد أن يصبح الآخرون مثلي. أنا مهتم بأناس يختلفون عني. لست معنيا بتعليم الناس كليشيهات وطرائق منهجية يستطيعون استخدامها فيما بعد. انطلاقا مما قلته سابقا، فإنني أحمل وجهة نظر محافظة فيما يتعلق بكيفية تدريس مشكلة الإعلام في الصف الدراسي؛ وأحاول بدلا من ذلك معالجة هذه المشكلة في كتاباتي، وأن أكون حاضرا في وسائل الإعلام كذلك، وهو الأمر الذي أفعله على الدوام.

*أتفهم نفورك وعدم رغبتك في التعامل مع كليشيهات الثقافة الشعبية. يبدو لي أن المشكلة تكمن في كيفية الحديث عن الكليشيهات بطريقة مقنعة سياسيا. إنه سؤال لا يتعلق بمواجهة مسلسلات مثل "دالاس" و"دايناستي" ــ أعني بتحليلها من الداخل ــ بل يتعلق أكثر بوضع هذه الأعمال في مواجهة نصوص أدبية وتاريخية في الثقافة وبحث واقع السلطة الذي جعل تلك الأعمال ممكنة الإنتاج والتأثير.
ــ بلى، لكنك لا تأخذ في الحسبان أننا في حالة المقرر الدراسي المعياري نتعامل مع نوع من السلطة، نوع من فهم المشروعية الثقافية، ونوع من القبول؛ وهي أمور تختلف تماما عن صيغة استهلاك السلعة التي تمثلها المسلسلات التلفزيونية. إنه لأمر شديد الخطورة الخلط بين الوضعين. إنهما يقومان بوظيفتين مختلفتين تماما؛ وحتى يكون بمقدورنا تحديد كل من الوظيفتين علينا أن لا نقوم بدمجهما معا. لا أظن أن بالإمكان "تفكيك" "دالاس" أو "دايناستي"، كما تقول، بالطريقة نفسها التي تقوم بها بتفكيك رواية ديكنز "البيت المنعزل". فماذا تفعل إذاً في هذه الحالة؟ يبدو لي أن المقاربة الأفضل هي محاولة التعرف على سوسيولوجيا الشكل نفسه، والنظر إلى تكوين المؤسسات الإعلامية وصناعة الإعلام والأدوات المستخدمة، وهي، كما تعلم، أدوات شديدة التعقيد تختزل في النهاية إلى غايات بسيطة في النهاية: التهدئة وإسكات المعارضة، وعدم تسييس الحياة اليومية، وكذلك تعزيز الذائقة الاستهلاكية وتحسين شروطها. هذا هو غرض الإعلام الأساسي، إضافة إلى التشديد على نظام من القيم التي تقول إن الشيوعية تمثل الشر، وأميركا مكان ساحر، وكل امرأة تستطيع أن تصبح مثل جوان كولينز، إلخ. أظن أن بالإمكان تناول ذلك النوع من سقط المتاع بصورة ضمنية غير مباشرة، وأشك في الجهد الذي يمكن أن نصرفه في النظر إلى هذا الكلام من خلال دراسة جدية للتاريخ وسوسيولوجيا الأدب في السياق السياسي والاجتماعي، وهو أمر مستبعد من غرفة الصف. أما كيف تفعل ذلك فهذا أمر آخر. أريد أن أقول إنني لم أحل تلك المشكلة شخصيا. ما أجده ماكرا ومثيرا للاهتمام بالفعل هو طريقة تقديم الأخبار في وسائل الإعلام وكيفية فهم الواقع في ما يسمى الأخبار والبرامج الوثائقية. تقديم أخبار الرياضة ليس أقل إثارة كذلك. لقد كتب كريستوفر لاش بصورة مثيرة عن المشهد الرياضي؛ لكن لا زال هناك الكثير مما يمكن فعله بهذا الخصوص؛ وأنا اعتقد أن الكثير من الاهتمام صرف على المسلسلات والبرامج الترفيهية أكثر مما صرف على تحليل تمثيل الثقافات الأخرى، وأشكال تمثيل الواقع، وتمثيل التغير الاجتماعي، وظاهرة الإرهاب ــ وهي ظاهرة شديدة القوة ولكنها متجاهلة تماما من الناحية التحليلية. إن التعاون بين الإعلام والدولة أمر فريد في عصرنا. أظن أنه سيحدد السياسة في المستقبل
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://lorca.ahlablog.com/
kanaan
{{}} مشرف {{}}
{{}} مشرف {{}}
avatar

ذكر عدد الرسائل : 533
البلد : Yiebna
الوظيفة : Critic
تاريخ التسجيل : 12/07/2007

مُساهمةموضوع: رد: ملف ادوارد سعيد ...   السبت أغسطس 18, 2007 2:57 pm

المثال الراهن هو الكيفية التي تغطى بها الأحداث في جنوب إفريقيا، حيث يجري التركيز على عمليات حرق المخبرين والمتعاونين مع النظام وضربهم وتجاهل الأعمال الوحشية التي ترتكبها الدولة، والتي تحدث في مكان آخر، وكانت تحدث بصورة منظمة ولفترة زمنية طويلة.
ــ نعم، هذا مثال جيد للغاية.

*إذا ربطنا سؤال الإعلام بسؤال المثقف في العالم الثالث فإن بالإمكان ملاحظة وجود ثورة لغوية على مستوى كوني؛ ولذلك فإن العالم الغربي الصناعي يسيطر على المعرفة…
ــ إنه لا يسيطر سيطرة كاملة. لربما نبالغ في التقدير إذا قلنا ذلك. إن من بين الأشياء الخطيرة أن تقول: "حسنا إن المعرفة موجودة لديهم، فلماذا لا ننضم إليهم." ببساطة هذا ليس صحيحا؛ لكن ردة الفعل تجاه ذلك، وتواطؤ النخب السياسية في العالم الثالث مع هذا التصور، هو بالفعل ما يلفت الانتباه. كثير من الناس في العالم الثالث يتخيلون أن هناك سيطرة إعلامية لكي يكونوا قادرين (لكن ليس دائما) على التعاون مع الجهات المسيطرة، لأنهم يرغبون في فعل ذلك. لا أستطيع أن أتحدث عن العالم الثالث كله، لكن هناك أجزاء منه أعرفها جيدا؛ وإذا تفحصت الوضع فستجد أن هناك عددا كبيرا من الناس منشغلون بفهم أوضاعهم وهوياتهم في العالم، وهم في الوقت نفسه قادرون على تبني أدوات تحليل نقدية، يأخذونها من بلدان المركز التي تهيمن عليهم. ليس هذا الأمر فريدا بحد ذاته. خذ على سبيل المثال شخصا مثل سلمان رشدي، وهو هندي يعيش في إنجلترا. إن وضعه هو وضع المنفي والمهاجر من وطنه، لكنه في الحقيقة جزء من شيء أكبر من حالته الفردية. إنه يستطيع الكتابة بلغة عالمية وتوجيه تلك اللغة للعب دور ضد مصادر السلطة والقوة التي ينتقدها. هذا شيء يمكن النظر إليه حقا، ولذلك على المرء أن لا يقر بأن المعركة انتهت، وأننا سوف نغوص تحت ماري تايلر مور Mary Tyler Moore .

*أظن أن ما قلته يذكرنا ثانية بوضع النسوية في مواجهة مفهوم جاك لاكان المتصلب لما يدعوه بـ"الرمزي"، الذي يعده مفهوما شاملا لكل شيء. ولعل أثر ذلك، ولربما يكون الأمر مقصودا، هو أن الدور العنيد (لكن المكبوت) للنساء في الثقافة يصبح غير منظور ومن ثمّ سيء السمعة. إنه يتجاهل الهبات والانتفاضات المقاومة، التي حدثت على مدار التاريخ، والتي قامت بها جماعات مختلفة من النساء في أجزاء عديدة من العالم ضد الثقافات المهيمنة.
ــ تماما. بمعنى من المعاني فإن من بين الأعمال الأكثر إثارة والتي يمكن أن يقوم بها المرء بخصوص مشكلة الانتساب هو أن نتمكن من العثور على طاقة المقاومة القابلة على التفجر والتي يمكن لنا أن نعثر عليها في مكان ما. لقد قلت دائما إن دور المثقف هو المعارضة ــ وهذا لا يعني ببساطة أن عليك أن تعارض كل شيء، بل إن عليك أن تكون متورطا في دراسة (وإلى حد ما في تعزيز) مقاومة الحركات والمؤسسات السياسية وأنظمة الفكر التوتاليتارية جميعها (ويبدو لي فكر لاكان من بين أنظمة الفكر التوتاليتارية هذه). وأنا أظن أن عدم استواء الأرضية، التي ننظر إليها، وعدم انتظامها هو الشيء الذي علينا التشديد عليه. إذا كنت ستفترض أن هناك طريقة معينة لفهم الواقع فإنك ببساطة تقوم بتعزيز هذه العملية التوتاليتارية. وعلى سبيل المثال، فإن ستانلي فيش في حديثه عن "التخصص" يحاول أن يقوم بذلك. كل شيء يصبح مظهرا من مظاهر التخصص، كما أن كل شيء بالنسبة لفوكو هو مظهر من مظاهر عمليات الإقصاء والاحتجاز في المجتمع. إن كل هذه الأنظمة ــ التي تقوم بالتأكيد على ذاتها بصورة لا تنقطع بحيث يصبح كل دليل صغير لحظة من لحظات النظام الكلي ـ هي العدو الذي علينا أن نحذره في الحقيقة.

*إنها قادرة على توليد نوع من الطمأنينة.
ــ ليس الطمأنينة فقط، بل ــ وكما هي حالة نقاد فيش ــ إنها قادرة على إثارة الكثير من النقاش المبتذل. في بعض الأحيان فإن الطمأنينة تبدو من أقل الأخطار أهمية. إن فكرة ثيودور أدورنو عن "المجتمع الذي تُسيّر شؤونه من خلال نظام كلي" تولد، على سبيل المثال، نوعا من الطمأنينة الداخلية، ، لكنها شكل من أشكال المقاومة. إنها مصاغة بعناية بوصفها طمأنينة في مقابل الاستسلام والتخلي؛ الطمأنينة والتخلي كنوع من المقاومة وصولا للانقضاض والهجوم. في حالات أخرى فإننا نسأل في الحقيقة: "كيف يمكن أن أجعل النظام يعمل بالنسبة لي؟" وهذا وضع مختلف بالطبع.

*لربما يكون مناسبا تماما الآن السؤال عن سياسات الجامعة. ما هي مشاعرك تجاه علاقة الناقد بدوره في المؤسسة الأكاديمية ووجوده في هذه المؤسسة. وكيف تصور التسييس المفاجئ للحرم الجامعي في أمريكا خلال السنة الأخيرة؟
ــ الجامعة مكان متعارض ومليء بالتناقضات بصورة لا مثيل لها. لا شك أنه ضمن الجامعة هناك مراتبية في الوظائف والسلطة وأساليب العمل. كما أن علاقة الجامعة بالشركات في أمريكا لم ينظر إليها بالصرامة التي تستحقها؛ كما هو حال العلاقة بين الجامعة والدولة. من بين أسباب ذلك بالطبع هو أن كل شخص منشغل بالقيام بمثل هذا النوع من البحث، وفجأة يجد نفسه مقرا بوجود هذه التناقضات كجزء لا يتجزأ من الوسط الذي يعايشه. أنا أفعل ذلك. إنني منشغل بأشياء تبدو لي أكثر أهمية. بالنسبة لي، لأكون صادقا معك، فإن الجامعة موضع من مواضع الامتياز.
بخصوص تسييس الجامعة، مثل إدانة التمييز العنصري في جنوب إفريقيا، وهو أمر يرتفع إلى درجة الاهتمام القومي في أمريكا الآن، فإنه يبدو لي أمرا مشكوكا فيه إلى حد ما. بالطبع فإنه يدهشني بوصفه شيئا مهما، جيدا، إلخ. كيف يمكن للمرء أن يعارض شيئا من هذا القبيل؟ حتى لو كان ريغان لا يعارضه! لا بد أن يكون هناك خطأ ما في الأمر. لكن ما يحدث أيضا ــ وهو أمر عادي في هذا المجتمع ــ هو أن سياسات التخصص تكتسح كل شيء. لكن إذا وضعنا مسألة جنوب إفريقيا جانبا، وتساءلنا عن علاقات نظام جنوب إفريقيا ببقية أنظمة التمييز، عن تاريخ التمييز والاضطهاد العرقي من ذلك النوع الذي تمثله جنوب إفريقيا، إضافة إلى طقم كامل من التواطؤ بين الجامعة والشركات التي تقيم علاقات عمل مع جنوب إفريقيا ــ فلا شيء سيقال عن ذلك كله. المثال الأكثر حضورا بالنسبة لي (كما تتوقع) هو العلاقة التي تربط جنوب إفريقيا بإسرائيل. لا أحد يذكر هنا أن أكثر العلاقات قوة وعضوية هي تلك العلاقة التي تقوم بين إسرائيل وجنوب إفريقيا. ليس هذا مفاجئا. وفي الجامعة فإن هذا الوضع يمثل جزءا أساسيا من مفهوم التخصص الذي هو معنى السياسة بالنسبة لها، و كذلك مفهوم دور المثقف، وما تمثله القضايا السياسية "المقبولة". ليس هذا ما أفهمه من عملية التسييس. أظن أن على السياسة أن تفعل أكثر من ذلك في عملية ربط الأمور التي تبدو في ظاهرها غير قابلة للربط، أن تنظر إلى الممنوعات والمحرمات التي يجري إخفاؤها لأنها ببساطة ليست مقبولة لكونها لا تتفق مع ما هو مرضي عنه.

*صحيح، بمعنى من المعاني، أن قضايا مثل التمييز العرقي والحرب النووية هي قضايا من "السهل" الوقوف ضدها لأن هناك القليل من الناس الذين يقفون مع التمييز أو الحرب النووية؛ لكن ما شهدناه من احتجاج العام الماضي في حرم الجامعات الأمريكية (وقد نراه ثانية) يمكن أن يفتح النقاش حول عدد من الأمور الأخرى، ولو على المستوى المحلي: حول دور مجالس الجامعات، وسلطة مجالس الأوصياء. وبما أنك قارنت منذ فترة قصيرة بين يوتوبيا الحركات السياسية في الستينات ونوع من العمل الذي تشعر بأنه ضروري الآن، يبدو لي أن من المثير بصورة خاصة أن ما حصل من حركات احتجاج العام الماضي في حرم الجامعات مميز في عمليات التنظيم والتخطيط ولفت انتباه وسائل الإعلام.
ــ لا شك أن الاختلاف بين احتجاجات الستينات وما حصل في التحركات الأخيرة، التي أشرت إليها، لافت تماما، وعلى المرء أن يقر بذلك. لكنني أصر على القول رغم ذلك أن على المرء منا أن ينظر إلى البصمة التي تتركها القوة التاريخية المهيمنة على الاحتجاج السياسي، وأن ينتبه إلى المواضع التي يتجلى فيها ذلك التأثير في الجامعة عبر تبني ما أسميته أسلوب التخصص. إن النظر إلى الجامعة هو شيء من بين أشياء عديدة يجب فحصها، وهو شأن مهم ــ فمن الضروري تحليل دور الجامعة في مؤسسة المعرفة، في تفضيلها أنواعا معينة من الغايات الاجتماعية مقابل أخرى. ومن الضروري كذلك فحص العلاقات التي تربط الجامعة بالشركات. إنني لا أرغب في التقليل من هذا الشأن. لكنني أتحدث عن سياق أوسع لمسألة المشاركة السياسية التي ينبغي أن ترتبط بالتغيرات في المجتمع والعلاقات التي تربط نوعا من النظام السياسي بآخر. ولا أظن أنه يمكن بحث هذه القضايا في السياق الذي توفره الجامعة الآن. قلت إن الجامعة مكان متعارض ومليء بالتناقضات بصورة لا مثيل لها، وما زلت لا أعتقد أنها المكان المناسب الذي يمكن أن تنطلق منه حركات اجتماعية هامة. هناك أشياء ممكنة في الجامعة، أنواع معينة من التأمل والدراسة؛ لكن لا شيء يتجاوز ذلك لأن الجامعات في هذا المجتمع ليست جزءا من مؤسسات الدولة ــ ليست جزءا من النظام السياسي، كما هي في العديد من البلدان في أوروبا والعالمين الثاني والثالث, فقد نشأ هناك نوع مختلف من الجامعات. بالنسبة لي يبدو الأمر جذابا. لا أحاول هنا القول بأنني أفضل أن أعمل في جامعة دمشق. لن أفعل ذلك بالطبع. إنني أقول إن ثمة أشياء ممكنة الحدوث هنا، وأشياء غير ممكنة الحدوث. لكن النقطة الأساسية التي أرغب في تأكيدها هي أن الاحتجاجات، التي ذكرت، تعاني من نزعة الإقصاء نفسها، حيث ترى أن التمييز العنصري هو مجرد ظاهرة منفردة خاصة بجنوب إفريقيا وليست ممثلة لها، أو أنها ترتبط بعلاقات أخرى من ذلك النوع كتلك العلاقة القائمة بين اليهود وغير اليهود في إسرائيل.

_________________________
ترجمة: فخري صالح

عن موقع "أوان"

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://lorca.ahlablog.com/
kanaan
{{}} مشرف {{}}
{{}} مشرف {{}}
avatar

ذكر عدد الرسائل : 533
البلد : Yiebna
الوظيفة : Critic
تاريخ التسجيل : 12/07/2007

مُساهمةموضوع: رد: ملف ادوارد سعيد ...   السبت أغسطس 18, 2007 2:58 pm

ما بين عالمين













إدوارد سعيد








[url=]في كتابي الأول "جوزيف كونراد وأدب السيرة الذاتية" الذي نشر قبل أكثر من ثلاثين عاما، وفي مقالي "تأملات في المنفى" الذي نشر عام 1948، اتخذت من "كونراد" نموذجا لشخص كانت حياته وعمله كالرحالة الذي أصبح فيما بعد مؤلفا مشهورا يكتب بلغة اكتسبها، ومع ذلك لم يستطع أن يتخلص من شعور الاغتراب في وطنه الجديد والذي في حالة كونراد الاستثنائية كان معجبا به أيضا. أجمع أصدقاء كونراد على أنه كان راضيا عن كونه إنجليزيا مع أنه لم يتخلص من لهجته البولندية الحادة ومزاجه الغريب الذي لم يكن إنجليزيا على الإطلاق. وفي اللحظة التي يدخل فيها المرء إلى كتاباته، لا يسعه إلا أن يلاحظ الشعور بعدم الانتماء وعدم الإستقرار والغربه. ولم يكن بإمكان أي شخص أن يمثل قدر الإقتلاع والتيه أفضل منه، كما لم يكن بإمكان أحد أن يسخر من الجهد الذي قد يبذله إنسان وهو يحاول استبدال هذا الوضع بظروف أخرى أكثر من كونراد حيث يدخل الراوي "مارلو" إلى قلب الظلام ليكتشف أن "كورتز" بطل الرواية لم يكن فقط موجودا على الجزيرة قبله وإنما أيضا كان قادرا على قول الحقيقة الكاملة. لذلك عندما يروي مارلو تجاربه الخاصة، فإنه لم يستطع أن يكون دقيقا وأنتهى به الأمر بأن يروي أكاذيب وهو يعلم أنه هو نفسه ومستمعوه يدركون ذلك.

بعد موت كونراد بفترة طويلة، حاول النقاد أن يعيدوا بناء ما أطلق عليه "خلفيته البولندية" والتي لم يجد إلا قليل منها طريقه إلى أدبه، ولم يكن بالإمكان فهم المعنى المحيّر لأدبه بسهولة، وحتى وإن وجدنا معلومات كثيرة عن تجاربه وأصدقائه وأقاربه البولنديين، فإن هذه المعلومات لا تكفي لتفسير الشعور بعدم الراحة والتشنج اللذين ميزا عمله الأدبي. و في النهاية ندرك أن ما أثر في عمله هما المنفى والإغتراب اللذان لا يمكن إصلاحهما. وكلما حاول أن يروي شيئا بطريقة متكاملة تكون النتيجة دائما وكأنها أقرب لشيء كان يريد أن يقوله، فالقول كان دائما يأتي متأخرا بعد أن يكون قد فات الأوان لهذا القول أن يكون مفيدا. وتدور أحداث قصة "إيمي فوستر" التي كانت من أكثر قصصه بؤسا حول رجل شاب من أوربا الشرقية تنحطم سفينته وهو في طريقه إلى أمريكا وينتهي به المطاف كزوج لإيمي التي كانت محبة جدا له لكنها عاجزة عن التعبير. ويبقى هذا الرجل غريبا ولا يتعلم اللغة قط وحتى بعد أن يرزق هو و إيمي بطفل لا يستطيع أن يصبح جزءا من العائلة التي كونّها معها. وعلى فراش الموت وهو يتمتم بلغة غير مفهومة، تخطف إيمي الطفل من بين يديه و تتركه لحزنه الأخير. ومثل قصص كونراد الأخرى، يكون الراوي شخصا متعاطفا مع أحداث القصة، حيث الطبيب كان على معرفة بالزوجين، ومع ذلك لم يستطع أن يحرر الزوج من عزلته مع أن كونراد يشعر القارئ بأنه كان ينبغي على الطبيب أن يفعل ذلك. ومن الصعب قراءة هذه القصة دون أن يفكر القارىْ بأن كونراد كان يخشى الموت بهذه الطريقة، لا عزاء له، وحيدا يتحدث بلغة لا يمكن لأحد أن يفهمها.

أول ما ينبغي الاعتراف به هو الشعور بفقدان الوطن واللغة في المكان الجديد، وهذا الفقدان هو ما صوره كونراد بقسوة شديدة على أنه أمر مؤلم و ظالم ولا يمكن الشفاء منه أو تعويضه. لذلك وجدت نفسي عبر السنين أقرأ وأكتب عن كونراد وكأنما هو قاعدة ثابتة لتجاربي التي مررت بها. و لسنوات طويلة وجدت نفسي أمر بنفس الأشياء من خلال عملي وحياتي، ولكن باستمرار من خلال كتابات الآخرين. وبقي الأمر كذلك إلى أن أدركت فجأة شعور الموت والفناء اللذين كان يجب أن أدركهما من قبل وذلك في خريف عام 1991 عقب فحص طبي بشع. وجدت نفسي، وعندما بدت النهاية وشيكة جدا أحاول أن أفهم حياتي. وبعد عدة أشهر من محاولة تقبل وضعي الجديد، وجدت نفسي أكتب رسالة طويلة مفصلة لوالدتي التي كانت قد ماتت منذ سنتين تقريبا. وكانت رسالة دشنّت فيها محاولة متأخرة لأفرض سردا على حياة تركتها نوعا ما دون الحديث عنها، حياة تسير بصورة غير منظمة ومبعثرة دون مركز. لقد كان عملي في الجامعة محترما وكان لي عدد لا بأس به من المؤلفات واكتسبت سمعة لا أحسد عليها حيث كنت أدعى "أستاذ الإرهاب" بسبب كتاباتي و تصريحاتي، وكوني ناشطا فيما يتعلق بالقضية الفلسطينية والشرق الأوسط أو القضايا التي تمس بالمسلمين أو من هم ضد الإمبريالية. ولكنني لم أحاول يوما أن أجمع هذه القضايا معا. كنت مهووسا بالكتابة واكره الإجازات فنادرا ما أخذت إجازة وكنت أقوم بما أقوم به دون القلق من أمور مثل فقدان القدرة على الكتابة أو الاكتئاب أو نضوب الأفكار.

وأدركت فجأة أن كونراد مرّ بما كنت أعاني منه، باستثناء أن كونراد كان أوروبيا ترك موطنه الأصلي بولندا وأصبح رجلا إنجليزيا فالانتقال بالنسبة له كان نوعا ما داخل نفس العالم. أما أنا فقد ولدت في القدس وعشت طفولتي المبكرة هناك وبعد عام 1948 أصبحت عائلتي كلها لاجئة في مصر. ومع ذلك تلقيت معظم تعليمي في مدارس الاستعمار التي كانت للنخبة فقط وهي مدارس حكومية أسسها البريطانيون لتنشئة جيل من العرب له علاقة طبيعية مع بريطانيا. وكانت آخر مدرسة التحقت بها قبل أن أغادر الشرق الأوسط في طريقي إلى الولايات المتحدة هي كلية فكتوريا في مصر التي أسست لتعليم أبناء الطبقة الحاكمة والعرب القادمين من بلاد الشام والذين كانوا سيحكمون بلادهم بعد مغادرة البريطانيين مثل الملك حسين ملك الأردن وعدد من الأردنيين والمصريين والسوريين والسعوديين الذين أصبحوا فيما بعد وزراء ورؤساء وزراء ورجال أعمال بارزين بالإضافة إلى شخصيات براقة مثل ميشيل شلهوب الذي أصبح يعرفه الجميع فيما بعد على الشاشة باسم عمر الشريف.

وفي اللحظة التي يصبح فيها الإنسان طالبا في كلية فكتوريا يتلقى لائحة النظم والقوانين التي تحكم جميع النواحي في المدرسة مثل طبيعة الزي الموحد الذي يجب علينا أن نرتديه والأدوات التي نحتاجها للرياضة وأيام العطل المدرسية و مواعيد الحافلة وغير ذلك من الأمور. و كان أول قانون يزخرف الكتب المدرسية هو "اللغة الإنجليزية هي لغة المدرسة ومن يتحدث بلغة أخرى سيتعرض للعقاب" علما بأنه لم يكن هناك أي طالب لغته الأم هي الإنجليزية. وكان جميع المدراء والمدرسين في المدرسة إنجليز بينما كان الطلبة أرمن أو يونانيين أو إيطاليين أو يهودا أو أتراكا، ولكل منهم لغة تنبذها المدرسة بشكل صريح. وبالرغم من ذلك كله، كنا جميعا أو معظمنا على الأقل يتحدث باللغة العربية وعدد كبير منا كان يتحدث باللغتين العربية والفرنسية، لذلك كنا نلجأ للحديث بلغة مشتركة كتحد لما كنا نشعر بأنه تقييد استعماري غير عادل. كانت القوة البريطانية الامبريالية على وشك الإنتهاء عقب الحرب العالمية الثانية ولم يكن هذا الأمر خافيا علينا مع أنني لا أذكر أن أحدا من طلاب جيلي حاول أن يعبر بصوت مسموع عن هذا الأمر الوشيك.

بالنسبة لي، كان هناك تعقيد آخر وهو أنه بالرغم من كون والديّ فلسطينيين - أمي من الناصرة ووالدي من القدس – فإن والدي كان قد حصل على الجنسية الأمريكية خلال الحرب العالمية الأولى عندما خدم في سلاح الجو بقيادة بيرشنج في فرنسا. في البداية، كان قد غادر فلسطين ومن ثم غادر المقاطعة العثمانية عام 1911 عندما بلغ سن السادسة عشرة لتفادي القتال في بلغاريا، حيث ذهب إلى الولايات المتحدة و درس وعمل هناك لعدة سنوات قبل أن يعود إلى فلسطين في عام 1919 ليشترك في مشروع مع ابن عمه. علاوة على ذلك اسم عائلتي العربي "سعيد" الذي ارتبط بالاسم البريطاني "ادوارد" (كانت أمي معجبة بأمير ويلز في عام 1935 وهي السنة التي ولدت فيها) لذلك كنت طالبا يلفت الإنتباه بشكل أزعجني دائما خلال السنوات الأولى من حياتي؛ طفل فلسطيني يلتحق بمدرسة في مصر ويحمل اسما إنجليزيا وجواز سفر أمريكيا وليس لديه هوية من أي نوع. ومما جعل الأمر أكثر سوءا هو أن لغتي الأم العربية ولغة المدرسة الإنجليزية كانتا ممتزجتين بشكل معقد. لم أكن أميّز ما هي لغتي الأولى ولم أكن أشعر بالراحة تجاه اللغتين مع أني كنت أحلم باللغتين. وفي كل مرة أقول جملة إنجليزية أجد نفسي أرددها بالعربية والعكس صحيح.

فكرت بكل هذه الأمور خلال الأشهر التي تلت التشخيص الطبي الذي بين لي ضرورة التفكير بنهايات الأمور، ولكنني فعلت ذلك بطريقة مميزة. وجدت نفسي، وكما هو متوقع من مؤلف كتاب "بدايات"، أفكر بأيامي الأولى في القدس والقاهرة و ضهور الشوير القرية الجبلية في لبنان التي كنت أكرهها ويصرّ والدي على أن نقضي فصل الصيف هناك. وجدت نفسي أعيش ورطة الكتابة عن سنوات حياتي الأولى وشعور الشك وعدم الانتماء وشعوري بأنني دائما أقف في الزاوية الخطأ في مكان يبدو وكأنه ينزلق من بين يدي، خاصة وأنا أحاول أن أحدد أو أصف المكان. وكنت دائما اسأل نفسي لما لم تكن حياتي بسيطة وأن أكون مصريا بشكل كامل أو أن أكون أي شيء آخر بشكل كامل وألا أكون مضطرا لمواجهة الأسئلة القاسية اليومية التي تقود إلى كلمات توحي بغياب الأصل المحدد. وأسوأ ما كان في حالتي، والذي تفاقم عبر السنين، العلاقة المتحاربة ما بين اللغتين الإنجليزية والعربية وهو الشيء الذي لم يضطر كونراد أن يعاني منه بما أن طريقه كانت من بولندا إلى إنجلترا عبر فرنسا وبالتالي كانت ضمن حدود أوروبا. تعليمي كان إنجليزيا تماما للحد الذي كنت أعرف فيه عن إنجلترا وتاريخ وجغرافية الهند (مقررات إجبارية) أكثر مما كنت أعرف فيه عن تاريخ وجغرافية الوطن العربي. وبالرغم من أنني درست لكي أفكر كطالب المدرسة الإنجليزي، إلا أنني تدربت أيضا من قبل أساتذتي على الوعي بأنني دائما الغريب "الآخر غير الأوروبي" و بالتالي عليّ أن أعرف مكانتي وأن لا أطمح بأن أصبح بريطانيا يوما ما. والخط الفاصل ما بيننا وبينهم كان لغويا وثقافيا وعنصريا وعرقيا. ومما زاد الأمور تعقيدا هو أني ولدت وعمدت على تراتيل مثل "إلى الأمام أيها الجنود المسيحيون" و"من جبال جرينلاند الجليدية" التي تركتني فريسة إحساس المعتدي والمعتدى عليه في آن واحد. فأن تكون أسود وأنجليكيا في نفس الوقت يشبه حالة من الحرب الأهلية التي لا تنتهي.
[/url]


عدل سابقا من قبل في السبت أغسطس 18, 2007 3:08 pm عدل 1 مرات
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://lorca.ahlablog.com/
kanaan
{{}} مشرف {{}}
{{}} مشرف {{}}
avatar

ذكر عدد الرسائل : 533
البلد : Yiebna
الوظيفة : Critic
تاريخ التسجيل : 12/07/2007

مُساهمةموضوع: رد: ملف ادوارد سعيد ...   السبت أغسطس 18, 2007 2:59 pm

وفي ربيع عام 1951، طردت من كلية فكتوريا لأنني كنت مشاغبا وهذا يعني بأنني كنت ألفت الانتباه أكثر من الآخرين ويسهل الإمساك بي مقارنة بباقي الأولاد، وذلك خلال المصادمات اليومية ما بين السيد جريفث والسيد هيل والسيد لو والسيد براون والسيد موندريل والسيد جاتلي وبقية المدرسين البريطانيين من جهة وبيننا نحن الطلبة من جهة أخرى. وكنّا جميعا ندرك باستسلام أن الأنظمة العربية كانت تتهاوى: ففلسطين كانت قد سقطت ومصر كانت تترنح تحت الفساد المتفشي لعهد الملك فاروق وبلاطه (فالثورة التي جلبت جمال عبد الناصر وضباطه الأحرار للحكم كانت ستحدث في تموز 1952) وسوريا كانت تعاني من سلسلة من الإنقلابات وشاه إيران الذي كان متزوجا من أخت الملك فاروق تعرض إلى أول أزمة كبيرة في عام 1951. وكان مستقبل أمثالنا من المستأصلين من جذورهم غامضا لذلك قرر والدي أنه من الأفضل أن يرسلنا إلى أبعد بقعة في الأرض، وكانت هذه البقعة هي مدرسة متزمّتة جدا في شمال غرب ولاية مساشوستس.

وربما كان ذلك اليوم من أوائل أيلول - الذي تركني فيه والديّ أمام بوابة المدرسة وغادرا مباشرة إلى الشرق الأوسط - هو أقسى يوم في حياتي. فالجو العام في المدرسة لم يكن فقط متصلبا و متزمتا دينيا إلى أبعد الحدود ولكنني أيضا كنت الولد الوحيد هناك الذي لم يكن أمريكي الأصل ولم يكن يتحدث باللهجة المطلوبة ولم يكن قد كبر وهو يلعب كرة البيسبول وكرة السلة وكرة القدم. وأحسست لأول مرة في حياتي بالحرمان من البيئة اللغوية التي طالما اعتمدت عليها كبديل لعداء الأنجلو سكسونيين ذوي اللغة المختلفة والذين لم يتوانوا لحظة عن إشعاري بأني أنتمي إلى عرق مرفوض وأقل منزلة. ولعل أي شخص تعرض للعوائق اليومية للروتين الاستعماري يدرك تماما ما أعنيه.

وكان أول ما فعلته هو البحث عن معلم من أصل مصري كان قد أعطاني أحد أصدقاء العائلة اسمه. "اذهب وتحدث إلى ند ... وسيجعلك على الفور تشعر بأنك في بلدك". وفي أحد أيام السبت المشمسة مشيت بتثاقل إلى منزل ند وعرفت نفسي على الرجل الأسمر النحيف والذي كان أيضا مدرب كرة السلة واخبرته أن فريدي معلوف في القاهرة طلب مني أن أتصل به. أجاب ببرود "حقا! ... فريدي"، وفي الحال بدأت أتكلم باللغة العربية ولكن ند رفع يده مقاطعا وقال باللغة الإنجليزية "لا يا أخي لا تتكلم بالعربية هنا ... تركت كل ذلك وراءي عندما قدمت إلى أمريكا"، وكان هذا نهاية اللقاءات.

ولأنني كنت قد تلقيت تعليمي بشكل جيد في كلية فكتوريا فقد كنت طالبا مجتهدا في مساشوستس و كنت أحصل على الدرجة الأولى أو الثانية في فصل كان مكونا من مائة وستين طالبا. ولكنني بالنسبة لهم كانت تنقصني اخلاقيات معينة ويلفني الغموض. وعندما تخرجت على سبيل المثال منعت من تقديم كلمة حفل التخرج أو أن أكون الطالب الذي يرحب بالحضور بحجة أني لا أليق بمثل هذا الشرف، وكان هذا حكما أخلاقيا لم أتقبله يوما أبدا أو أفهمه. وبالرغم من أنني كنت أذهب إلى الشرق الأوسط خلال الإجازات حيث استمرت عائلتي بالعيش هناك والتنقل مابين مصر ولبنان وجدت نفسي أصبح شخصا غربيا بشكل كامل. ودرست الأدب والموسيقى والفلسفة خلال دراستي الجامعية ودراساتي العليا فيما بعد، ولم يكن لأي منها علاقة بتقاليدي. وفي فترة الخمسينات والستينات كان الطلاب القادمون من العالم العربي علماء و أطباء ومهندسين أو متخصصين بشؤون الشرق الأوسط يحصلون على شهادات من جامعات مثل برنستون وهارفرد، ومن ثم يعود معظمهم إلى بلاده ليصبح أستاذا في إحدى الجامعات هناك. ولسبب ما كانت علاقتي بهم سطحية جدا مما زاد من عزلتي عن لغتي وبيئتي. وفي الوقت الذي أتيت فيه إلى نيويورك كي أدرّس في جامعة كولومبيا في خريف عام 1963 كنت أعتبر شخصا له خلفية مثيرة ليست مرتبطة بأصلي العربي. وفي الواقع، أذكر بأنه كان من الأسهل على أصدقائي وزملائي أن لا يستخدموا كلمة "عربي" أو "فلسطيني" ويفضلون عليها تعبير "شرق أوسطي" الذي كان أسهل وأقل وضوحا ولا يهين أحدا. وأخبرني صديق لي كان يدرّس في جامعة كولومبيا في ما بعد بأنه عندما تم تعييني قدمت للقسم على أساس أني يهودي من الإسكندرية! وأتذكر بأنني لقيت استحسان ورضى زملائي الأقدم مني في الجامعة الذين وباستثناء واحد أو اثنين منهم وجدوني فتى واعدا. وبما أنه لم يكن هناك في ذلك الوقت أي نشاط سياسي مركزا على العالم العربي وجدت أن اهتماماتي في مجال التدريس والبحث بصورتهما التقليدية وإن كانت مغايرة قليلا نجحت في جعلي مقبولا.

وجاء التغير نتيجة الحرب العربية الإسرائيلية عام 1967 والتي تزامنت مع فترة النشاط السياسي المكثف في حرم الجامعة حول الحقوق المدنية وحرب فيتنام. ووجدت نفسي تلقائيا أشارك في الجبهتين ولكن بالنسبة لي كان الوضع أكثر صعوبة لأنني حاولت أن ألفت الأنظار إلى القضية الفلسطينية. وبعد هزيمة العرب كان هناك ظهور فلسطيني قوي للقوميّة الفلسطينيية خاصة في الأردن والأراضي المحتلة حديثا. وانضم عدد كبير من أصدقائي وأفراد عائلتي إلى حركة المقاومة. وعندما زرت الأردن خلال السنوات 1968 و1969 و 1970 وجدت نفسي وسط عدد من أبناء جيلي يشاركونني نفس التوجهات أو طريقة التفكير. ولكن في الولايات المتحدة رفضت سياساتي – مع وجود بعض الإستثناءات - من قبل النشطاء ضد الحرب ومؤيدي مارتن لوثر كنج. ولأول مرة شعرت بأنني وبشكل حقيقي منقسم ما بين الضغوط الجديدة المرتبطة بأصلي ولغتي وبين الوضع المعقد في الولايات المتحدة الذي لم يهمش فقط ما كنت أقوله عن السعي لتحقيق العدالة الفلسطينية وإنما احتقره واعتبره ضد السامية بل ويشبه النازية أيضا.

وفي عام 1972، حصلت على إجازة بحث علمي واغتنمت الفرصة لقضاء سنة في بيروت أمضيت معظمها في دراسة اللغة العربية وآدابها. وكان هذا أمرا لم أقدم عليه من قبل، على الأقل ليس على ذلك المستوى، وجاء هذا نتيجة لشعوري بأنني سمحت للتفاوت أن يصبح عظيما ما بين هويتي المكتسبة وما بين الثقافة التي ولدت فيها واضطررت أن أغادرها. أي بكلمات أخرى، برزت حاجة وجودية وسياسية لخلق انسجام بين الذات والآخر وخاصة أن النقاش الدائر تحول من موضوع يركز على الشرق الأوسط ليتمحور حول الإسرائليين و الفلسطينيين، أصبحت أنا – وبسخرية تامة – جزءا منه لقدرتي على التكلم كأكاديمي ومثقف أمريكي إلى جانب مولدي بالصدفة كعربي. وفي منتصف السبعينات كنت في موقع متميّز لا أحسد عليه لأنني كنت أتحدث باسم دائرتين متناقضتين تماما هما الغربية والعربية.

ولفترة طويلة سمحت لنفسي أن أقف خارج المظلة التي حمت أو احتوت أبناء عصري. لم استطع أن أحدد أبدا لماذا فعلت ذلك، أكان السبب أني كنت مختلفا حقا عنهم وبالتالي غريبا أم لأنني كنت أميل إلى الوحدة. ولكن تبقى الحقيقة أنه بالرغم من أنني جاريت روتين المؤسسة التقليدية لأنني كنت أشعر بأني مضطر لفعل ذلك، ولكن شيئا ما في نفسي كان يقاوم هذا الروتين دائما. ولا أدري ما الذي دفعني للتحفظ وحتى عندما كنت في أقسى درجات انعزالي أو شعرت بعدم انسجامي مع الآخرين تمسكت أكثر بتحفظي. وربما كنت أحسد أصدقائي الذين كانوا لا يتحدثون إلا بلغة واحدة أو الذين كانوا قد عاشوا في مكان واحد طيلة حياتهم أو الذين نجحوا بالمعنى التقليدي للكلمة أو الذين انتموا بشكل حقيقي لمكان ما، ولكني لا أذكر أبدا أني فكرت يوما أن أحد هذه الأمور كان متاحا لي. ولم يكن الأمر أني كنت أعتبر نفسي مميزا وإنما لم أكن أجد نفسي مناسبا لأي من المواقف التي مررت بها، وفي نفس الوقت لم أكن مستاء لدرجة أن أغير هذه المواقف. وكنت دائما منجذبا للمفكرين الثائرين على التقليد. وإلى حد كبير كانت زاوية النظر الغريبة واللاأبالية بالاتجاهات العامة هي التي جذبتني إلى كتاب وفنانين مثل كونراد وفيكو وأدورنو وسويفت وأدونيس وهوبكنز وأورباخ وجلين جولد الذين كان أسلوبهم وطريقة تفكيرهم فردية بشكل كبير ويصعب تقليدها وواسطة التعبير عندهم سواء من موسيقى أو كلمات مشحونة بغرابة الأطوار والدقة وتمتلك وعيا كبيرا بالذات. ولم يكن مصدر إعجابي بهم هو أسلوب اختراعهم لذواتهم بقدر ما أعجبت بحقيقة أن محاولاتهم تعمّدت وتحرّت الدقة من أجل تسييقها في إطار تاريخي عام قاموا بدراسته منذ أن بدأ التاريخ.

وكوني سمحت لنفسي تدريجيا أن أتبنى صوت الأكاديمي الأمريكي كوسيلة للتغلب على ماضيّ الصعب المشتت، بدأت أفكر وأكتب في آن واحد مستخدما النصفين المتناقضين لتجربتي كعربي وأمريكي. وبدأت هذه النزعة بعد عام 1967، وبالرغم من صعوبتها كانت مثيرة. و قد أدى إلى هذا التغير فيما يتعلق بإحساسي بذاتي وباللغة التي استخدمتها إدراكي أنه في محاولة التأقلم مع طوارئ الحياة في بوتقة الولايات المتحدة كنت قد تقبلت -شئت أم أبيت- مبدأ الإلغاء الذي تحدث عنه أدورنو بشكل مميز في "ميناما موزيلا":
الحياة السابقة للمهاجر كما نعلم جميعا حياة ملغاة. في الماضي كانت مذكرة اعتقال أما الآن فهي تجربة ثقافية لا يمكن نقلها أو حتى جعلها طبيعية. وكل ما لا يمكن تشيئه أو قياسه أو عدّه يفقد وجوديته. وبما أن الإنسان لا يمكن أن يكون راضيا عن هذا الوضع فإن التشيىء يتحول إلى العكس تماما ويصبح حياة يصعب تحقيقها وبالتالي تكون مجرد فكرة وذكرى. فهذه الحياة مجرد عنوان تم اختراعه. ويطلق عليه اسم "الخلفية" ويظهر على ورقة الاستبيان بعد الجنس والعمر والمهنة. وإضافة إلى هذا الانتهاك، تمضي الحياة على عربة النصر للإحصائيين ولا يسلم الماضي حتى من الحاضر الذي عندما يتذكر الماضي يطويه في عالم النسيان.

بالنسبة لي ولعائلتي فقد عشنا نكبة عام 1948 (عندما كنت أبلغ من العمر 12 عاما) دون أي بعد سياسي. فالفلسطينيون اضطروا بعد النزوح والطرد أن يتركوا بيوتهم وأرضهم ليعيشوا كلاجئين يحاولون تقبل واقعهم أكثر من محاولتهم التغلب على ماضيهم الذي فقد وألغي. ولا أستطيع أن أدعي أن حياتي كطالب مدرسة تعلّم أن يتحدث بلغة مكنته فيما بعد من أن يصبح مواطنا أمريكيا كانت تشبه معاناة الجيل الأول من الفلسطينيين الذين تشتتوا في أنحاء الوطن العربي حيث القوانين القاسية جعلت من الصعب عليهم أن يعيشوا حياة طبيعية، فقد كانوا غير قادرين على العمل أو السفر ومرغمين على أن يسجلوا أسماءهم عند الشرطة شهرا بعد شهر. وبعضهم اضطر أن يعيش في مخيمات مرعبة مثل مخيمي صبرا وشاتيلا في بيروت اللذين شهدا مذابح بعد أربعة وثلاثين عاما من النكبة. ولكن ما عانيت منه هو محاولة طمس التاريخ عندما كان الجميع يحتفل بانتصارات إسرائيل وسيفها القاطع البشع، كما وصفته باربره توكمان، على حساب السكّان الأصليين الذين وجدوا انفسهم يحاولون جاهدين أن يثبتوا بأنهم كانوا موجودين هناك يوما ما. وفي عام 1969، قالت جولدا مائير "لا يوجد فلسطينيون" مما دفعني ودفع غيري إلى التحدي غير التقليدي من أجل دحض أقوالها وأبدأ بتوضيح تاريخ الفقدان والنزوح الذي يجب أن يحرر من التاريخ الحقيقي للمؤسسة الإسرائيلية ووجودها وإنجازاتها. ويجب أن يتم هذا التوضيح دقيقة بدقيقة وكلمة بكلمة وبوصة ببوصة. كنت أعمل في جو سلبي جدا هو جو اللاوجود واللاتاريخ واللذين كان يجب عليّ أن أوضحهما بالرغم من الطريق المسدود والتشويه والإنكار.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://lorca.ahlablog.com/
kanaan
{{}} مشرف {{}}
{{}} مشرف {{}}
avatar

ذكر عدد الرسائل : 533
البلد : Yiebna
الوظيفة : Critic
تاريخ التسجيل : 12/07/2007

مُساهمةموضوع: رد: ملف ادوارد سعيد ...   السبت أغسطس 18, 2007 3:00 pm

وقد دفعني هذا في النهاية إلى أن أعيد النظر في مفهوم الكتابة واللغة اللذين حتى تلك اللحظة كنت أتعامل معهما كأمور تنبع من النص والموضوع -تاريخ الرواية على سبيل المثال أو السرد كفكرة في النثر الأدبي- وأصبحت مهتما أكثر الآن بكيفية تشكل الموضوع وكيفية تشكل اللغة أي الكتابة كوسيلة تعكس حقائق تخدم هدفا أو آخر بشكل كبير. كان هذا عالم القوّة والتمثيل الذي جاء نتيجة سلسلة من القرارات اتخذها كتّاب وسياسيون وفلاسفة لتوحي بـ أو تؤكد على حقيقة معينة وتمحو حقائق أخرى. وجاءت أول محاولة لي في هذا المجال عام 1968 عندما كتبت مقالا قصيرا يدعى "صورة العربي" وصفت فيه صورة العربي التي تم التلاعب بها أو تشويهها في الصحف وفي بعض كتابات المثقفين بطريقة تمّ التملص فيها من الحديث عن التاريخ والتجربة التي مررت بها أنا وآخرون مثلي. ومن ثم كتبت دراسة مطوّله نوعا ما عن أدب السرد العربي بعد عام 1948 تحدثت فيها عن الخط السردي المتشرذم والمتأزم سياسيا.

ومن الجدير بالذكر هنا أنه خلال الأربعين عاما التي درّست فيها لم أدرّس إلا المنظومات الغربية ولا شيء على الإطلاق عن المنظومات الشرق أوسطية. ولطالما طمحت أن أدرس مقررا عن الأدب العربي المعاصر ولكن لم يتسن لي ذلك وحضرت لما لا يقل عن ثلاثين عاما لحلقة دراسة عن فيكو وابن خلدون مؤرخ القرن الرابع عشر العظيم وفيلسوف التاريخ. فهويتي كأستاذ في الأدب الغربي استثنت من محاضراتي هذا الجانب الآخر من إهتماماتي. ولسخرية القدر أن حقيقة استمراري بالكتابة والتدريس ضمن تخصصي فتح المجال أمام الممولين والمضيفين خلال النشاطات التي كانت تقام في الجامعة والتي كنت أدعى إليها لكي أحاضر بأن يتجاهلوا نشاطي السياسي "المحرج" عندما كانوا يطلبون مني أن أحاضر في موضوع أدبي أو يتحدثون عن الجهد الذي أبذله بالنيابة عن "شعبي" حتى دون أن يذكروا من هو شعبي. فكلمة "فلسطين" كلمة لا ينبغي ذكرها.

وحتى في العالم العربي فإن فلسطين تسببت لي بالكثير من الإزدراء. فعندما أطلقت عليّ رابطة الدفاع اليهودي لقب النازي، أشعلت النار في مكتبي في الجامعة وتلقيت أنا وأسرتي تهديدات كثيرة جدا، ولكن عندما عينت من قبل أنور السادات وياسر عرفات ممثلا في محادثات السلام (دون إستشارتي) ووجدت من الصعب مغادرة شقتي بسبب ضغط الصحافة، أصبحت موضع هجوم من قبل اليساريين المتطرفين لأنني أعتبرت ليبراليا جدا تجاه القضية الفلسطينية وفكرة التعايش بين يهود إسرائيل والفلسطينيين. وكنت دائما مؤمنا أن الحل العسكري ليس هو الحل الأمثل لكلا الطرفين ومقتنعا أن عملية التصالح السلمي وتحقيق العدالة تجاه ما عاناه ويعانيه الفلسطينيون بسبب النزوح والإحتلال العسكري هو ما سينجح في النهاية. وكنت دائما أنتقد استخدام تعبيرات مثل "الصراع المسلّح" واللجوء إلى المغامرات الثورية التي تسببت في مقتل الأبرياء ولم تساعد في تقدم القضية الفلسطينية سياسيا. وكان أدورنو يقول أن "مأزق الحياة الخاصة ينعكس اليوم في المكان، فالبيت بالمعنى التقليدي يعد الآن مستحيلا لأن المساكن التقليدية التي نشأنا فيها أصبحت الآن لا تطاق. كل إحساس بالراحة فيها ندفع ثمنه من خيانتنا للمعرفة، وكل أثر للمأوى ندفع ثمنه من خلال مجموع المصالح العائلية المتعفنة"، ويتابع كلامه بعناد: انتهى عهد المنزل... ويبدو أن أفضل أسلوب للحياة، في وجه كل هذا، هو الأسلوب غير الملتزم والمعلق، وكأنما الإنسان يضطر للعيش على المستوى الفردي لأن السياق الإجتماعي والحاجات الشخصية لا يمكن أن تتحمل غير ذلك، وعلى المرء أن يمنح ذلك الأسلوب أهمية كبيرة ظنا منه أن له أهمية أجتماعية عامة أو فردية مناسبة، ولعل نيتشه لخص ذلك بقوله "أنه محظوظ لأنه لا يمتلك منزلا"، واليوم نضيف على ذلك قولنا بأنه أصبح جزءا من المنظومة الأخلاقية ألا يشعر المرء بالراحة وهو في منزله حتى عندما يكون هناك.

وبالنسبة لي، لم يكن بإمكاني يوما أن أعيش حياة معلقة لا أتبنى فيها موقفا معينا و لا يوجد فيها إلتزام بشيء ما. ولم أتوان يوما عن إعلان إنتمائي لقضية مرفوضة تماما. واحتفظت دائما بحقي في الانتقاد حتى عندما يتعارض هذا الانتقاد مع التضامن أو مع ما توقعه الآخرون مني تحت اسم الولاء الوطني. وبالتأكيد يتولد عن ذلك حالة ملموسة من عدم الارتياح خاصة أن الدائرتين والحياتين اللتين كنت أتعامل معهما لا يمكن لهما أن تتصالحا أبدا.

وإنعكس هذا في كتاباتي حيث حاولت أن أكون أكثر شفافية وأحرر نفسي من اللغة الأكاديمية وأن لا ألجأ إلى اللف والدوران خاصة فيما يتعلق بالحديث عن الأمور الصعبة. وأطلقت أسم "العلمنة" على هذا الصوت ولا أعني بذلك اللباقة الاجتماعية المنهكة لرجل يتحدث عن بلدة وإنما موقف واضح وجرئ تجاه اكتشاف العالم الذي نعيش فيه. وتعتبر "العلماني" و"العلمانية" من الكلمات المتشابهة المأخوذة من فيكو واورباخ والتي تستخدم عند الحديث عن الأمور الدنيوية. ووجدت في هذه الكلمات المأخوذه من المذهب المادي الإيطالي الممثل بلوسريتوس وجرامشي ولامبدورا إصلاحا مهما لما ورد في التقليد المثالي الألماني عن الجمع ما بين المتناقضات كما وجدناه عند هيغل وماركس ولوكش وهابرماس. لأن كلمة "دنيوية" لا تعني فقط هذا العالم التاريخي الذي صنعه الرجال والنساء بدلا من الله أو "عبقري الأمة" - كما أطلق عليه هيردر - وإنما تضمنت قاعدة أساسية للغتي وجدلي التي بدأت بمحاولتي فهم التخيلات الجغرافية التي صممت ومن ثم فرضت بالقوة على شعوب وبلاد بعيدة. في كتابيّ "الاستشراق" و "الثقافة والامبريالية" وفي كتبي الخمسة أو الستة التي كتبتها في حوالي نفس الفترة تناولت بشكل صريح الوضع السياسي في فلسطين والعالم الإسلامي وشعرت بأني أشكل ذاتا تظهر للجمهور الغربي أشياء كانت حتى ذلك الوقت مخبأة أو غير مطروحة للنقاش لذلك عندما تحدثت عن الشرق، والذي كان يعتقد حتى الآن بأنه حقيقة مطلقة من الطبيعة، حاولت أن أكشف النقاب عن الهوس الجغرافي بما هو بعيد ولا يمكن الوصول إليه والذي ساعد أوروبا على تحديد هويتها من خلال كونها العكس لكل ما يمثله الشرق. وفي نفس الوقت، كنت أؤمن أن فلسطين أرض طمست أثناء عملية بناء مجتمع آخر ويمكن استرجاعها كتعبير عن المقاومة السياسية للظلم والتجاهل.

وفي بعض الأحيان، كنت ألاحظ أني أصبحت مخلوقا غريب الأطوار بالنسبة للبعض، وبالنسبة لعدد من أصدقائي الذين كانوا يعتقدون أن كون الإنسان فلسطينيا هو أمر يشبه الأسطورة أو يشبه نوعا غريبا من البشر. وفي يوم من الأيام هاتفتني طبيبة نفسيّة متخصصة في حل الأزمات في ولاية بوسطن كنت قد إلتقيت بها في عدد من الحلقات الدراسية حول فلسطين والإسرائيليين وسألتني ما إذا كان بإمكانها أن تقوم بزيارتي وعندما وصلت دخلت منزلي ونظرت إلى البيانو وقالت غير مصدقة "أأنت فعلا تعزف البيانو!" ثم إستدارت لتغادر وعندما سألتها ما إذا كانت تريد فنجانا من القهوة قبل أن تغادر "فأنت قطعت مسافة طويلة حتى تقومي بزيارة قصيرة" جاء ردها "أتيت فقط لأرى كيف تعيش". و في مرة أخرى، رفض ناشر أن يوقع عقدي إلى أن قبلت تناول وجبة الغداء معه وعندما سألت أحد مساعديه عن أهمية تناول وجبة الغداء معي، أجاب بأن هذا الرجل العظيم أراد أن يرى كيف أتصرف على مائدة الطعام. ولحسن الحظ، لم أكن أسمح لهذه التجارب أن تؤثر عليّ أو تعيقني لفترة طويلة من الزمن فقد كنت دائما مستعجلا للإلتحاق بإحدى محاضراتي أو الالتزام بموعد نهائي لأمر ما، وتجنبت متعمدا مساءلة نفسي عما كان يجري حتى لا أستسلم للإكتئاب المزمن. وعلى أية حال، فإن إندلاع الانتفاضة عام 1987 أكدت على شرعية الشعب الفلسطيني بطريقة دراماتيكية وحازمة أفضل من أي شيء كان يمكن أن أقوله. و لكن وقبل أن يمضي وقت طويل وجدت نفسي أصبح رمزا لشخص يعاقب على بضع مئات من الكلمات أو على عشر ثوان من الحديث تشهد "على ما يقوله الفلسطينيون". و حاولت الهرب من هذا الدور خاصة لوجود خلافات بيني وبين قيادة منظمة التحرير الفلسطينية منذ نهاية الثمانينات.

ولا أدري ما إذا كان علي أن أعتبر ذلك إعادة دائمة لخلق الذات أم شعورا مستمرا بعدم الراحة، وفي كلتا الحالتين، تعلمت أن أقدس ذلك، فالهوية بحد ذاتها هي من أكثر المواضيع مللا ولا يوجد شيء أقل إثارة من الدراسة النرجسية للذات التي نراها اليوم في معظم الأماكن لأسباب تتعلق بالهوية السياسية أو الدراسات العرقية أو تأكيد الجذور أو الكبرياء الثقافي أو الوطنية المبجّلة أو غير ذلك من الأمور. يجب علينا أن ندافع عن الشعوب والهويات المهددة بالانقراض أو التهميش لأنها تعتبر أقل منزلة ولكن هذا يختلف عن تعظيم ماض اخترع لأسباب وجدت في الآونة الأخيرة. فعلينا نحن الأمريكيين المثقفين مكافحة قساوة من هم ضد الثقافة وقساوة المضايقة والظلم والإقليمية التي تشوه مستقبل هذا البلد الذي يعتبر آخر دولة عظمى. والتحدي الأكبر هو أن نحاول أن نحول أنفسنا إلى شيء مختلف بدلا من الإصرار المستمر على فضيلة كوننا أمريكيين بالمعنى الأيديولوجي. وبما أني أنا نفسي فقدت وطنا وأمل استعادته في المستقبل القريب ضئيل جدا لا أجد راحة في رعاية حديقة جديدة أو البحث عن جمعية أخرى أنضم إليها. تعلمت من أدورنو أن المصالحة بالإكراه هي تعبير عن الجبن وغياب الأصالة، فقضية خاسرة أفضل من واحدة رابحة والشعور المؤقت أو الطارئ هو أكثر إرضاء من الشعور الدائم فالبيت المستأجر أفضل من البيت المملوك فالشعور بالملكية الدائمة غير مرض. لذلك يبدو لي أن الذين يقفزون بفرح من نقطة إلى أخرى أمثال اوسكار وايلد وبولدير هم أكثر إثارة للإهتمام من المتشدقين بالفضائل الثابتة أمثال وردزورث وكارلايل.

وخلال السنوات الخمس الماضية، كنت أكتب عمودين في الشهر للصحافة العربية، وبالرغم من سياستي المتطرفة في معاداتها للدين، فإنني وبشكل متزايد أوصف في العالم العربي كمدافع عن الإسلام واعتبر من قبل بعض الجماعات الإسلامية مؤيدا لهم ولا شيء أبعد عن الحقيقة من ذلك أكثر من أنني كنت دائما أوصف بأنني متعاطف مع الإرهاب أيضا. وجودة كتابة الإنسان عندما لا يكون منتميا إلى فئة معينة بالكامل أو مؤيدا لقضية معينة بالكامل هي أمر صعب جدا. ومع ذلك تقبلت أنه لا يمكن أن يكون هناك مصالحة بين جوانب غير منسجمة على الإطلاق لما كنت مؤيدا له. ويصف جونثر جراس هذا المأزق جيدا بأنه هو "المفكر دون تفويض". وظهر وضع معقد آخر في آواخر عام 1993 بعد أن بدا بأني الصوت المقبول للنضال الفلسطيني فكتبت بحدة متزايدة عن خلافاتي مع عرفات و زمرته. ووصفت بأنني "ضد السلام" لأنني افتقدت اللباقة عندما وصفت معاهدة أوسلو بأنها مليئة بالثغرات. والآن بعد أن توقف كل شيء، أسأل بشكل مستمر عن شعوري بعد أن ثبت بأنني كنت على حق ولكنني فوجئت بذلك الفشل أكثر من أي أحد آخر. فالنبوءة ليست أحد أسلحتي.

وخلال الثلاث أو الأربع سنوات الأخيرة بدأت أحاول أن أكتب مذكراتي عن حياتي المبكرة أي قبل السياسة لأنني أصبحت أؤمن بأنها قصة تستحق الإنقاذ والتخليد خاصة أن الأماكن الثلاثة التي نشأت فيها لم تعد موجودة. ففلسطين هي الآن إسرائيل، ولبنان وبعد عشرين عاما من الحرب الأهلية لم تعد المكان الخانق الممل الذي كنت أقضي فيه الصيف ومصر الملكية المستعمرة اختفت عام 1952. فذكرياتي عن تلك الأيام والأماكن ما تزال حية وممتلئة بالتفاصيل الصغيرة التي على ما يبدو تمكنت من الاحتفاظ بها وكأنها بين غلافي كتاب، ممتلئة بمشاعر مكبوتة تولدت عن مواقف وأحداث جرت قبل عقود وكأنما تنتظر أن يعبر عنها بالكتابة. ويقول كونراد في روايته "نوسترمو" أن الرغبة في الكتابة تتسلل لكل قلب لتسجّل لمرّة واحدة ونهائية تسجيلا صادقا لما حدث وهذا ما دفعني إلى كتابة مذكراتي. بالضبط كما وجدت نفسي أكتب رسالة لوالدتي المتوفاة معبرا عن رغبة في توصيل شيئ مهم جدا إلى وجود بدائي في حياتي.

ويقول أدورنو أن الكاتب يحاول في نصّه أن يبني بيتا... لرجل لم يعد له وطن وتصبح الكتابة مكان العيش... (ولكن) الجهد الذي يبذله الإنسان لتفادي الشفقة على الذات يوحي بالضرورة التقنية لمواجهة أي تهاون في التوتر الثقافي عن طريق التنبه التام وإزالة أي شيء بدأ يغلف عمله بقشرة أو يمضي متراخيا. وهذا في مراحل مبكرة يشبه الإشاعة التي تولّد الجو الدافئ الذي يؤدي للنمو ولكنه الآن ترك منسيا وفارغا وعفى عليه الزمان. وفي النهاية، لا يسمح للكاتب حتى أن يعيش في كتاباته.

وأقصى ما يحققه الإنسان هو الرضى المؤقت والذي سرعان ما يقع فريسة للشك والحاجة إلى إعادة الكتابة والصياغة مما يجعل من الصعب التواصل مع ذلك النص ولكن هذا - مع ذلك - يعتبر أفضل من سبات الرضى بالنفس ونهوية الموت.
---------------------------
ترجمة: د.لمى المحادين - جامعة البحرين


_________________________
* هذه ترجمة كاملة لمقال في أدب السيرة الذاتية كتبه إدوارد سعيد عن نفسه عام 1998 وهذا المقال الطويل يسبق كتاب سيرته الذاتية –خارج المكان-"والذي صدر بعد سبعة أعوام من نشر هذا المقال."
‘Between Worlds.’ Edward Said makes sense of his life. London Review of Books (May 7, 1998), 20(9):3, 5-7.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://lorca.ahlablog.com/
kanaan
{{}} مشرف {{}}
{{}} مشرف {{}}
avatar

ذكر عدد الرسائل : 533
البلد : Yiebna
الوظيفة : Critic
تاريخ التسجيل : 12/07/2007

مُساهمةموضوع: رد: ملف ادوارد سعيد ...   السبت أغسطس 18, 2007 3:01 pm

إدوارد سعـيد - عالِم ومفكّر بدرجة فنان














عفاف عبد المعطى








[url=]برحيل المفكر الكبير إدوار سعيد (1935-2003) تنطوي صفحة شديدة الأهمية والخصوبة في تاريخ الفكر، ليس في العالم العربي باعتبار سنوات التكوين الأولى التي تلقاها إدوار سعيد في العالم العربي بين فلسطين ومصر، ولا سنوات الدراسة التي تلقاها في جامعات الولايات المتحدة فحسب، بل في تاريخ الفكر الإنساني جميعه.

حضر إدوار سعيد إلى القاهرة هذا العام مرتين. الأولى بمناسبة عام فلسطين الذي تبنته الجامعة الأمريكية، وقد قدم محاضرة شائقة تكشف عن عمق رؤيته الثاقبة لتاريخ القضية الفلسطينية، التي دأب على الحديث عنها قبل أن يكون عضوا في منظمة التحرير الفلسطينية وقبل تركه لها، بعد أن قدّم آرائه التي لخصها من قبل في عام 1994، عندما أجرى دافيد بارساميان مجموعة من الحوارات معه قدّم لها إقبال أحمد( بروفيسور علم السياسة ومختص بتدريس قضايا الشرق الأوسط والعالم الثالث في معهد الدراسات السياسية) صدرت في كتاب تحت عنوان "القلم والسيف"، ولاشك كانت هناك علاقة تضافر ما، خاصة بين كتابة إدوار سعيد حول "صور المثقف" المتباينة وأوضاعه المختلفة، ورؤاه هو بوصفه مثقفاً عرف بانتمائه للقضية الفلسطينية، ليس لكونه فلسطيني الجنسية فحسب، بل لكونه مثقفاً يعيش هذا الوضع المؤلم، ومن ثم جاءت الحوارات التي أجريت معه لتمثل الصورة الأكثر بلورة لفكره. ثم جاء كتابه "نهاية عملية السلام 2002" كي يلخص المهاترات والافتعالات التي تمارسها كل من الصهيونية والإمبريالية الأمريكية تجاه القضية الفلسطينية منذ اتفاق أوسلو 1993. المرة الثانية التي عاد فيها إدوار سعيد إلى القاهرة كانت لإلقاء محاضرة عن الواضع الأمريكي بالعراق ما قبل الحرب. واستطاع سعيد استشراف ما يحدث الآن، والتنبؤ به، والهجوم الضاري على السياسة الأمريكية في قلب قاعة ايورات التي ألقى فيها المحاضرة.

أول كتاب صدر لإدوار سعيد كان عام 1966، عن الروائي البولوني جون كونراد الذي غادر وطنه عام 1874 وهو في السابعة عشرة من العمر، ثم عاش في فرنسا وعمل قرابة أربع سنوات في البحرية التجارية الفرنسية، وفي عام 1878 جدد حياته كاملة فصار بحاراً في البحرية البريطانية، ثم اتجه إلى كتابة الرواية، فصدرت روايته الأولى "جنون الماير"، كما أن له كتاباً مهماً في درس القصة، تحت عنوان "الصوت المنفرد"، ولعل الجامع بين سعيد وكونراد هو الخروج من الوطن ومقدرات العيش في أوطان أخرى، والحديث بلغة غير لغة الوطن الأم، فضلاً عن تجارب كونراد التي عاشها في بولونيا، واغترف منها ليكتب عنها بلغة أخرى، تمثل لغة البلدين اللتين عاش فيهما. مصدر إعجاب إدوار سعيد يرجع إلى أن كونراد عاش في لغة وكتب في لغة أخرى، وإن كان كونراد أفضل حالاً من إدوار سعيد، حيث بولونيا بلد سلافي وإنجلترا بلد أوربي غربي، وتبقى اللغة التي نشأ عليها كونراد واللغة التي استخدمها في نصوصه محصورتين ضمن المنطقة الأوروبية، لكن صعوبة وضع اللغة بالنسبة لإدوار سعيد تكمن في الفارق بين اللغة العربية التي نشأ عليها، وبين الإنجليزية التي استخدمها في كل كتبه وعاش أكثر سنوات عمره يتعامل بها.


بينما يظهر مشروع إدوار سعيد الفكري الأساسي وقد تنوعت مشاربه بين السياسة، التي اتخذ قراره بأن يعود إلى الكتابة فيها بعد حرب 1967، والنقد الأدبي وجماليات الفنون، ويلخص هذا المشروع –باعتباره أستاذاً للأدب المقارن- كتاب "الاستشراق" الذي يُعرفه بأنه طريقة للوصول إلى تلاؤم مع الشرق مبنية على منزلة الشرق الخاصة في التجربة الأوروبية الغربية، حيث لم يكن الشرق لصيقاً بأوروبا فحسب، بل هو موضع أعظم مستعمرات أوروبا وأغناها وأقدمها، ومصدر حضارتها ولغاتها ومنافسها الثقافي. كذلك كتابه الفذ "العالم والنص والناقد"، الذي تُُرجِم ترجمة غير دقيقة عن منشورات اتحاد الكتاب العرب دون علم إدوار سعيد بذلك، كما يظهر. ففي هذا الكتاب وثيق الصلة بالنقد الأدبي نظر إلى النص باعتباره كُلّيه متكاملة برغم حركيته وتغايره إلا انه مرتبط إلى حد كبير بملابسات الوضع الذي تبلور فيه، وقد اعتمد سعيد على إنجازات اللغويين العرب القدامى ونظرية اللغة ذات الطبيعة المزدوجة لديهم، خاصة عند ابن جنى (932-1002) وابن حزم (994-1064) التي تضم خصائص الكلام والكتابة معا، وذلك لطرح مفهوم محدد لعلاقة النص بظرفيته وملابسات إنتاجه، فقد قدم هؤلاء اللغويون العرب في العصور الوسطى ما أسماه إدوار سعيد "نظرية بالغة البراعة للتعامل مع النص باعتباره صيغة متميزة ومترعة بالدلالة تعد فيها دنيوية النص وملابساته وظروفه ومكانته باعتبارها شيئا له خصوصيتها الحسية واحتمالاتها وإمكانيتها التاريخية وهى من الأمور التي يتضمنها النص في نصه أو يرشقها داخله، وهذا يعنى أن للنص وضع دنيوي معين يفرض على مؤوله وتأويله عددا من المحددات ليس لأن هذا الوضع مختلفا في النص كشيء غامض، ولكن لأنه موجود على مستوى ظاهر النص نفسه" وهذا يؤكد إلى درجة كبيرة وثوق العلاقة بين النص والعالم وتداخل تلك العلاقة في النص.

بيد أن مذكرات إدوار المهمة "خارج المكان" تبهر قارئها، لاعتراف صاحبها بأنه مُقدم على عمل متناقض جذرياً، يتمثل في إعادة بناء عالم في مصطلحات عالم آخر، بمعنى تذكر تجارب كثيرة عاشها باللغة العربية يصورها بالإنجليزية بعد سنوات كثيرة من حياته قضاها خارج العالم العربي، ولكون المذكرات جزءاً من سجل تاريخ صاحبها، خاصة إذا كان شخصية مثل إدوار سعيد، بل لأنه عدّها سجل لعالم مفقود أو منسي، حرص على تدوينه وجعل مادته بمثابة أداة لمقاومة المرض الذي داهمه منذ أوائل التسعينيات.

اللافت في مذكرات "خارج المكان" صورة حياته الباكرة التي عاش معظمها في القدس الغربية والقاهرة، والثورة المصرية 1952، والاضطرابات الأهلية اللبنانية التي بدأت عام 1958. وهى سجل شخصي غير رسمي لتلك السنوات المضطربة التي عاشتها منطقة الشرق الأوسط، فسرد إدوار سعيد قصة حياته على خلفية الحرب العالمية الثانية وضياع فلسطين وقيام دولة إسرائيل وسقوط الملكية في مصر والسنوات الناصرية وحرب عام 1967 وانطلاقة حركة المقاومة الفلسطينية والحرب الأهلية اللبنانية واتفاقية أوسلو. كل هذه الأحداث صنعت سيرة إدوار سعيد الإنسان والعالِم والسياسي.

كانت مرحلة الطفولة التي دمرتها –على حد تعبيره– أحداث عام 1948 قد أجليت فيها كل أسرته عن الأراضي الفلسطينية وعاشت في المنفى وصار يعود إلى فلسطين حاملاً جواز السفر الأمريكي، فيسأل على الحدود من قبل العسكر الإسرائيلي هل لك أحد بالداخل؟ فيعتصره الألم ويجيب "لا أحد".

ظهرت أيضا في مذكرات إدوار سعيد علاقة الحنين الدائم التي صورها بينه وبين مدينة القاهرة، وهى علاقة وثاقة عميقة، صنعها وجوده إبان مرحلة الصبا التي عاشها في الطابق الخامس من منزل رقم واحد بشارع عزيز عثمان بجزيرة الزمالك، كان يطل على حديقة الأسماك التي وصفها إدوار سعيد بدقة "فهي منتزه صغير مسور ذو تلة جبلية وحوض صغير ومغارة تخترقه مروجات خضراء ومسالك متعرجة وتحف به أشجار كبيرة". هناك دافع مهم آخر لا تورده سوى حساسية إدوار سعيد لكتابة تلك المذكرات، وهو رؤية عم أحمد حامد الفراش الذى ينتمى الى مدينة ادفو في صعيد مصر، والذي عمل لمدة ثلاثة عقود في خدمة عائلة إدوار سعيد، ومن ثم عندما قابله بالعناق الحار والحزن على زمن مر عليه 38 عاما و لن يستعاد؛ سرد له هذا الرجل –بذاكرة فولاذية– تفاصيل حياة الأسرة، مما جعل إدوار يقول "بعد أن قام الرجل بتفريغ الماضي، صعقت أنه لا يتذكر كل واحد منا نحن السبعة، وإنما يتذكر كل واحد من عمومتى وعماتى وأبنائهم وجدتى إضافة إلى البعض من أصدقاء العائلة، وزاد هذا اللقاء بالمصادفة من اقتناعي بجدوى هذا الكتاب" ولئن كانت مقابلة إدوار سعيد بعم أحمد حامد صاحب الذاكرة القوية من دوافع تدوين مذكرات إدوار سعيد، فقد كانت دافعاً أيضاً لسرد جعل من إدوار سعيد حكاءً متميزاً ذا عين ثاقبة جميلة في ذكر تفاصيل السير فوق كوبرى قصر النيل، والعروج على حديقة الأندلس التي سماها بالحديقة المغاربية، وكذلك لأن يتعرف على شوارع امبابة وبولاق الدكرور. وفي تقديري أن مذكرات "خارج المكان" تمثل منظومة متكاملة لكل مرحلة من مراحل حياة مفكر كبير في حجم إدوار سعيد وتجربته في الحياة، التي تمثل كل منها ذاكرة وحدها، تستحق النظر إليها بعين الاعتبار. في مذكرات إدوار سعيد وكذلك كتبه النقدية تظهر صورة المثقف الحر غير المنتم صاحب الهوى السلطوى، صورة طالما أكّد عليها وظهرت في آراءه وسلوكه في كتابه "صور المثقف"، وكذلك مجموعة الأحاديث التي ظهرت معه في كتاب "القلم والسيف"، هذه الصورة التي صنعت مِثال عالم ومفكر كتب في السياسة والأدب، ورياضي كتب عن لعبة البيسبول، وفنان تذوق الفن فكتب عن السيدة تحية كاريوكا التي عدها أهم راقصة شرقية في نصف القرن الماضي.


_________________________
- عن "منتدى الكتاب العربي"[/url]
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://lorca.ahlablog.com/
kanaan
{{}} مشرف {{}}
{{}} مشرف {{}}
avatar

ذكر عدد الرسائل : 533
البلد : Yiebna
الوظيفة : Critic
تاريخ التسجيل : 12/07/2007

مُساهمةموضوع: رد: ملف ادوارد سعيد ...   السبت أغسطس 18, 2007 3:13 pm



حوار غير منشور لإدوارد سعيد


ترجمة ديما فقيه
السبت 28/7/2007

قبل فترة قصيرة من رحيله وبعد صراع مع مرض اللوكيميا اللمفاوية المزمنة دام عقداً ونيفاً من الزمن، وافق المفكر الفلسطيني إدوارد سعيد أن يجري حواراً استثنائياً مع الباحثين اللبنانيين- الفرنسيين كريم إميل بيطار وروبير فاضل، مخلاً بالوعد الذي كان قطعه على نفسه بعدم إجراء أي حوار تبعاً لظروفه الصحية. والحوار الذي لم ينشر في أي صحيفة أو مجلة نشره الباحثان في كتابهما المشترك الصادر حديثاً في باريس بعنوان «نظرات الى فرنسا» (دار سوي).
في هذا الكتاب يشارك ثلاثون مفكراً وباحثاً من العالم متحدثين من وجهة نظرهم عن فرنسا، سياسياً واقتصادياً وثقافياً، ومحللين «الأزمة الوجودية» التي تعيشها فرنسا راهناً. ومن الذيـــن شاركـــوا في الكتاب عبر حوارات أو دراسات: محمــد أركون، بطرس بطرس غالي، جورج قرم، كارلوس فوينتس، فاتسلاف هافل، ستانلي هوفمان، تيودور زيلدن وسواهم.
يكتسب هذا الحوار الأخير مع إدوارد سعيد طابعاً خاصاً نظراً الى أنه يأتي بمثابة «وصية الى فرنسا»، ويحمل بعداً رمزياً مهماً، فالمفكر الراحل وجّه كلماته الأخيرة الى فرنسا ومفكريها، هو الذي خبر الثقافة والأدب الفرنسيين بعمق، على رغم إقامته في الولايات المتحدة وكان من المثقفين النادرين، الملتزمين نهجاً فكرياً عالمياً. وتكمن فرادة هذا الحوار في كونه يكشف وجهاً شبه مجهول من صاحب «الاستشراق». هنا مقتطفات من الحوار غير المنشور:
يتحدث إدوارد سعيد عن علاقته الشخصية بفرنسا وبدايات تعرفه الى ثقافة هذا البلد، وكان والده شارك خلال الحرب العالمية الأولى، في الحملة العسكرية الأميركية التي أتت لمساندة فرنسا قائلاً: «بالنسبة الى شخص مثلي، ترعرع في فترة الانتداب البريطاني في فلسطين ومصر، طالما شكلت فرنسا الخيار البديل. وكان لي كثير من الأصدقاء الناطقين باللغة الفرنسية، لا سيما في فيكتوريا كوليج في القاهرة وفي نوادي القاهرة حيث كنت أتمرن على لعب التنس. وبالتالي من الطبيعي أن تصبح اللغة الفرنسية اللغة البديلة والثقافة الفرنسية الثقافة البديلة بالنسبة إلي. إلا أنّ معرفتي بفرنسا كانت سطحية فلم يسبق لي أن زرت ذلك البلد. وكانت تقتصر على ما جلبه أبي من ذكريات: فرنسا، حب الحياة وبلد الجنس والنبيذ وكل هذه الكليشيهات. والغريب انني انتظرت مجيئي الى الولايات المتحدة في مطلع الخمسينات من القرن الفائت لمتابعة دراستي الثانوية، وأبدأ بالغوص في الأدب الفرنسي. وأذكر أن اتصالي الأول بالأدب الفرنسي حصل في سن المراهقة، عبر نص «الجدار» لسارتر. وقد تأثرت كثيراً بآفاق هذا الكتاب الفلسفية والفكرية، وأدهشتني التعددية التي ينطوي عليها، لا سيما بالمقارنة مع الأدب الأميركي. ففي الفترة عينها، كنا نقرأ جون شتينباك إلا أن أسلوب سارتر ونظرته الى العالم مختلفان تماماً. وقد سحرني هذا الاختلاف. وما أن بلغت السابعة عشرة من عمري ودخلت جامعة برنستون، حتى التحقت بعدد من الدروس التي تتمحور حول الأدب الفرنسي، وكان يقدمها أستاذان رائعان. وكانت تدور حول الرمزية والرواية الفرنسية الحديثة، إضافة الى ما بعد الرمزية والسوريالية. وكانت المحاضرات خالية من أية نقاشات أو حوارات، كانت مجرد دروس نظرية غنية بالاقتباسات وعدد من المراجع التي كان يوصى الطلاب بقراءتها في نهاية كل حصة. لقد جُذبت كثيراً الى مفهوم التاريخ الثقافي في ذلك الوقت وتأثرت به. وسمحت لي قراءاتي باكتشاف فرنسا، هذا البلد الذي لم أذهب لزيارته زيارة مطولة إلا في العقد الثالث من عمري».
وبضبف: «خلال السنوات الأولى التي عملت فيها أستاذاً في جامعة كولومبيا، وقد عُيِّنت في منصبي هذا منذ 40 سنة، أي عام 1963، عاودت الاهتمام بالأدب الفرنسي. ووجدت فيه بديلاً للنظام الذي نشأت عليه ودرست فيه، أي التقليد الإنكليزي - الأميركي الوضعي، الذي يتسم بضيق الآفاق التاريخية. وبالنسبة إليّ، كان التقليد «الروماني» هو البديل، وعلى رأسه فرنسا وإيطاليا. ومن خلال مؤلفات تعود الى أشخاص من قبيل الجامعي إيريك أورباك وهاري لفين، استاذي السابق في هارفرد ومؤلف كتاب هو من أهم الكتب عن الرواية الفرنسية في القرن التاسع عشر، تمكنت من توسيع دائرة اهتمامي بالأدب الفرنسي من القرن الثامن عشر الى القرن العشرين، كما بالنقد الأدبي. وكنت الرجل الأميركي الأول الذي تناول مدرسة النقاد الفرنسيين الجديدة في كتبه، وذلك ضمن مقال مطوّل حول لوسيان غولدمان. وقد اهتممت بفكرة أن غولدمان كان تلميذ جورج لوكاش في الثلاثينات، وانه كان ينتمي في تلك الفترة الى أنصار «النقد الجديد»، وهي مجموعة تختلف عن النقد الأميركي بكل ما للكلمة من معنى. كانت مخالفة تماماً للفلسفة وتشدد على الجمالية على حساب البقية. وفي موازاة ذلك، لم أتوقف عن قراءة سارتر وميرلو بونتي والتقليد الفينومنولوجي، الناتج في معظم الوقت عن هوسرل وأحياناً أخرى عن هايدغر. ولعبت فرنسا دور الأرض الخصبة لهذا النمط من التفكير، ذلك أن الفرنسيين كانوا يلعبون دور الوسطاء بين الفلسفة الألمانية والتقليد الإنكليزي - الأميركي. وأخيراً، أتى العام 1966 وجلب معه حدثاً هائلاً يعيشه المرء مرة واحدة في العمر، إذ عُقد حينذاك المؤتمر المنتظر وعنوانه «لغات الانتقاد وعلوم الإنسان» في جامعة جون هوبكنس واستطاع للمرة الأولى استقطاب كبار المؤلفين الذين قرأت أعمال بعضهم أو سمعت عن البعض الآخر منهم، ولا سيما جان هيبوليت ورولان بارت وجاك دريدا وجاك لاكان وجورج بوليه وجان بيار فرنان وتزفيتان تودوروف وجيرار جينيت... ويعود الفضل في دعوتي الى المشاركة في هذا المؤتمر الى مقالاتي التي سمحت لي بالتواجد مع كل هؤلاء الكبار على مدى أسبوع. وفي الواقع، أدهشني أمران متناقضان. الأول هو بعد نظرهم ولا محدودية فكرهم، فقد كان في إمكانهم أن يتحدثوا في طريقة متكلفة عن الفلسفة اليونانية أو الألمانية أو عن أي موضوع آخر. والثاني قدرتهم على التحول أشخاصاً متعصبين لفرنسيتهم. حتى أن بقية المفكرين كانوا يشعرون باحتكار المفكرين الفرنسيين للموضوعات المطروحة للنقاش، علماً أنهم كانوا يطرحون جدليات تعني العالم بأسره، ويتحدثون عن نيتشه وفرويد وهايدغر. وخُيّل للمشاركين الآخرين في المؤتمر – أي الأجانب (بعض الإيطاليين والأميركيين) – أن المفكرين الفرنسيين يوجهون الكلام بعضهم الى بعض لنيل الإعجاب المتبادل بينهم، غير آبهين لبقية الموجودين! كان ذلك مذهلاً حقاً!
أستطيع أيضاً أن أعزز كلامي بقصة حدثت مع رولان بارت. نظراً الى بعد حرم جامعة جون هوبكنس عن بالتيمور، كنا ننزل جميعاً في الفندق نفسه، ونلتقي يومياً. وفي كل صبح تنقلنا المركبة نفسها الى الجامعة. وعلى الطريق، اعتدت الجلوس بالقرب من رولان بارت، لذلك كان من الطبيعي أن نتبادل الحديث. اهتممت كثيراً بالمحاضرة التي ألقاها خلال ذلك المؤتمر والتي دارت حول فعل «كتب»، الذي وصفه بالفعل غير المتعدي. وخلال أحد نقاشاتنا الصباحية، أخبرته أن أعماله تشبه، في كثير من نواحيها، أعمال أحد النقاد الأميركيين المشهورين والفريدين من نوعهم، كينيث بورك. بدا بارت مهتماً جداً بالموضوع، حتى انه دوّن اسم بورك وطلب مني أن أزوّده بلائحة تضم أهم كتبه. فاستجبت لطلبه قبل أن نعود الى حديثنا. وبعد سنتين، التقيت مجدداً برولان بارت، في مؤتمر كان يُعقد في شيكاغو. ألقينا التحية واحدنا على الآخر بحرارة وتكلّمنا عن أمور مختلفة، قبل أن أسأله إذا تسنّت له فرصة المقارنة بين أفكاره وأفكار بورك. وإذا به يجيب: «أفكار من؟». لقد فاته كلياً الأمر واضطررت الى الإصرار على مطلبي أكثر من مرة، على رغم أهمية بورك ونقاط التشابه بينهما. وأظن انني كنت في صدد تناقض شكلي الى أقصى درجة. فمن ناحية، هناك التعصب الى الانتماء الفرنسي، الذي أصفه بالمتطرف والذي كان يمنع المفكرين الفرنسيين من النظر الى خارج حدود عالمهم الفكري أو الاهتمام بالكبار دون سواهم، ومن ناحية أخرى، هناك انفتاح فعلي على بقية العالم في بعض الأحيان. فعندما كان كلود ليفي شتراوس يتكلم عن الفكر مثلاً، كنت أشعر انني أستمع الى مفكر عالمي بكل ما للكلمة من معنى. وبالطبع، ذلك هو الاستثناء الذي يثبت القاعدة السائدة وهي العصبية الفرنسية. وليفي شتراوس كان يدحض هذه الفكرة. فهو تأثر كثيراً بالإثنولوجيا الإنكليزية - الأميركية. وبيار بورديو كان أيضاً استثناء في هذا المجال، نظراً الى تتبعه لكل ما يجري خارج الفلك الفرنسي. لكن سواهما من المفكرين كانوا منغلقين على ذاتهم، ولا يهتمون إلا بشخصهم. ولا أدري كيف أفسّر هذه الشوائب، قد يكون السبب عقليتهم أو النظام التربوي والبرامج التي تتخطى حدود المقبول في صرامتها».
ورداً على السؤال: نظراً الى المكانة الخاصة التي يحتلها المفكرون في المجتمع الفرنسي، هل ترى أنهم يستغلون مكانتهم تلك ويستثمرونها في المكان المناسب بغية الدفاع عن قضايا مهمة، أم أن المسألة تختصر في المظاهر؟ هل نشهد اليوم تراجعاً للنفوذ الفكري الذي تتمتع به فرنسا، لا سيما بالمقارنة مع الفترة التي تلت الحرب مباشرة؟ يجيب: «لم يستطع المفكرون الفرنسيون المعاصرون لي من لعب دور جوهري، واللغة هي أحد الأسباب التي أعاقتهم. فقلة قليلة منهم فقط متمكنة من لغة أخرى غير الفرنسية، كالإنكليزية على سبيل المثل. والمفكرون العرب يعانون أيضاً من عائق اللغة. فهم يعجزون عن التعبير بغير اللغة العربية ويكتفون بذلك، متسائلين، مثلهم مثل المفكرين الفرنسيين، «لمَ عسانا نعقّد حياتنا بتعلّم لغات أخرى؟» إن هذا النمط من التفكير مؤسف للغاية. ولكن هنا أيضاً، يمكنني أن أذكر أمثلة مضادة وأسماء لامعة مثل تودوروف. فأصول هذا الكاتب البلغارية لم تمنعه من أن يصبح مفكراً فرنسياً وهو من النادرين الذين يقرأون ويتكلمون ويفهمون اللغة الإنكليزية. إتيان باليبار يُعتبر أيضاً من الناطقين باللغة الإنكليزية. وهو يعطي دروساً، بين الحين والآخر، في الولايات المتحدة حيث تُرجمت كتبه وباتت موضع قراءة ودراسة. لكن أفكار الآخرين، حتى المفكرين اليمينيين الأكثر شهرة في فرنسا مثل فينكلكروت أو برنار هنري ليفي لا تتعدى حدود العالم الناطق باللغة الفرنسية ولا تلقى صدى واسعاً في العالم».
لكن هؤلاء يحشدون جمهوراً واسعاً من خلال الشاشة الفرنسية الصغيرة. يقول سعيد في هذا الصدد: «نعم، هذا صحيح. فجمهورهم التلفزيوني – إذا جاز التعبير – أكبر من جمهورهم الأكاديمي والجامعي. في المقابل، خُيّل إليّ لوهلة أن رجلاً مثل ريجيس دوبري قد يلعب دوراً مهماً خارج فرنسا. فقد منحه عمله في أميركا اللاتينية ومؤلفاته حول دور المفكر، خلفية دولية. إلا أن كتبه لم تلق الصدى الذي يليق بها في الولايات المتحدة، وقد تكون اللغة السبب وراء ذلك. وأتذكر الآن قصة تتعلق بدوبري وباللغة. منذ سنوات، عندما صدر كتابي «عن المثقفين والسلطة» في باريس (دار سوي 1996)، التقينا في برنامج تلفزيوني أنا ودوبري وفينكلكورت. وفي المناسبة، شعرت ان الرجلين لا يستلطف واحدهما الآخر! وبالعودة الى صلب الموضوع، غمر الغضب دوبري عندما علم أنني وصفته في أحد مقالاتي بالكلمات الآتية: بـ «المفكر اللامع والمتعدد الآفاق». واستخدمت كلمة «المتعدد» بمعناها في اللغة الإنكليزية، أي الرجل المنفتح والقادر على تناول مواضيع مختلفة في كتاباته. لكنه اعتقد انني استخدمت الكلمة بمعناها الفرنسي، أي الشخص المزاجي والمتقلب في أفكاره...».
ويتحدث عن إميل زولا، الرواي والمفكر الملتزم قائلاً: «لم أعاود قراءة كتابات إميل زولا منذ فترة طويلة، لكنني قرأته من خلال أحد زملائي الذي يعمل أستاذاً في قسم الأدب الفرنسي في جامعة كولومبيا. إن سيرة زولا الذاتية التي وضعها هنري ميتران، ذلك الرجل المتضلّع في كل شاردة وواردة تتعلق بزولا، هائلة، وقد سمحت لي أعماله أن أتعرّف أكثر الى زولا. بالطبع، سبق أن قرأت رواياته مثل «جيرمينال» و «نانا» وسواهما خلال فترة دراستي، وأعرف أن زولا كاتب موهوب لكنه لا ينتمي الى الكتّاب الذين أعاود قراءتهم مراراً وتكراراً، على غرار مارسيل بروست وغوستاف فلوبير الذي يُعتبر نقيض زولا على مستويات عدة. وهنا تأتي المقارنة في غير محلها. دعني أعترف إذاً أن إعجابي بزولا، المفكر الملتزم، يفوق إعجابي بزولا الروائي. فالسياق الذي تجري فيه أحداث روايات زولا مغاير تماماً للسياق الذي نعيش فيه اليوم ما أحببته في زولا هو مداخلاته العامة، والدور الذي لعبه كأحد الوجوه التي تركت بصمات واضحة في الثقافة الفرنسية. والمثير للاهتمام في ذلك الرجل هو ناحيته الفرنسية البحتة، وقدرة قضية ما على التأثير فيه ومسّه من الداخل وذلك بشهادة من المجتمع برمته. إضافة الى قدرته على دفع الأمور نحو مزيد من العدالة، كما حصل مع نصه «أتهم». وستبقى كلمة «مفكر» مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بزولا.



الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://lorca.ahlablog.com/
kanaan
{{}} مشرف {{}}
{{}} مشرف {{}}
avatar

ذكر عدد الرسائل : 533
البلد : Yiebna
الوظيفة : Critic
تاريخ التسجيل : 12/07/2007

مُساهمةموضوع: رد: ملف ادوارد سعيد ...   السبت أغسطس 18, 2007 3:14 pm


<H3>مقولة ألبير كامو:



وعن ألبير كامو وعن رأيه بمقولته الشهيرة: «إذا خُيّرت بين العدالة وأمي، أختار أمي» التي تجسّد العلة التي يعاني منها العالم المعاصر، حيث يندرج الجميع تحت راية ذويه وجماعته ويغلّب النسب على الانتساب، ويفضل الولاءات القبلية والمجتمعية والشخصية على القيم والعدالة، يقول سعيد: «أنا أعارض هذا الانقسام وأعتقد أن التصنيف خاطئ أساساً. وأظن أن ذلك يُعزى أولاً الى غياب أي معارضة طبيعية بين العدالة والأم. لم يُفترض بنا أن نختار؟ ولم لا يمكننا اختيار العدالة والأم معاً؟ من جهة أخرى، نحن نرتكب خطأ باعتقادنا بأن الدفاع عن العدالة قد يدفعنا الى التخلي عن أمنا، فالعدالة بذاتها أمر طبيعي للغاية. وفي نهاية المطاف، وحدها العدالة تستطيع تخليص الأمهات من كل شٍر يتربّص بهن. إن الدفاع عن العدالة لا يعني بالضرورة مخالفة الولاءات والانتماءات الفطرية والأساسية. ومن خلال هذا السؤال تبرز بعض النقاط التي تقف عائقاً بيني وبين كامو».
في كتابه «الثقافة والامبريالية»، يقارب سعيد ألبير كاموا بطريقة مستحدثة، من خلال تحليل اللاوعي الاستيطاني. ويبيّن أن كامو خضع، إما بكل وعيه أو من دون وعي، لسيطرة العقلية الاستيطانية. ويشير أيضاً الى أن الرجل العربي الذي قتله مرسو في رواية «الغريب» كان شخصية مجردة، نجهل عنها الكثير... يقول سعيد عن كامو: «أعتقد أن كامو كان رجلاً موهوباً، إلا أنه بالغ – الى حد التصنع – في إظهار أخلاقياته. كامو كان واعياً أخلاقياً، لكنني حاولت إظهار كيف أن انعدام النزاهة وحال الهروب والنظرة المخالفة للتاريخ التي ألقاها على المكان الذي عاش فيه، كيف أن كل تلك الأمور شوّهت هذا الوعي الأخلاقي. وأعني بذلك أن كامو لم ينقل العلاقة الفعلية بين المستوطن والمستوطَن كما هي في الجزائر. وبالنسبة إليه، شكّل الاستيطان سياسة سيئة مارسها نظام سيئ وحكومة فرنسية سيئة، لكنه لم يكن يرى أن ذلك يندرج في عملية تاريخية طويلة، تستند الى التجريد المنظم والى بناء عقلية استيطانية. وأعتقد أن ذلك أشبه بالوضع الذي نشهده في إسرائيل، وفي سلوك بعض المفكرين تجاه هذه المسألة بالتحديد. وما لا أستطيع فهمه هو أن الكثيرين من الفرنسيين ما زالوا يرون في كامو مثالاً للكاتب الأخلاقي والمفكر التقدمي. وقد أدركت الأمر عندما درس إبني كامو في المدرسة. كان يقرأ رواية «الغريب» حينها. وسألته إذا ما كان الكتاب مدروساً بحسب سياقه، وإذا ما كانوا يتعرفون خلال الحصص المخصصة لدراسته الى الخلفية والكاتب والحياة في الجزائر... لكن الدروس لم تكن تجري على هذا النحو. ففي معظم الأحيان، يتم تجاهل كل هذه الأمور ويظهر كامو بالتالي كالكاتب الأخلاقي الفرنسي الكبير في القرن العشرين. لا شك في أن في وضع كامو قد يستغوينا التركيز على الأسلوب فقط. فنحن في وجه كتاب نثري رائع، في وجه «كتابة بيضاء» أو كما سمّاها بارت. ومن المؤكد أن كامو كان يعيش في بيئة صعبة جداً، في بيئة منغلقة على فرنسيي الجزائر. لكننا لا نجد في شخص كامو وعياً لجهة استغلال شمال القارة السمراء. فيما أن الكاتب الفرنسي أندريه جيد كان يعي تماماً وجود هذا الاستغلال. وأنا لست أستغيب كامو، لطالما قلت، ولا أزال، إنه كان كاتباً موهوباً جداً، لكنه يخفي أمراً ما وذلك لا يريحني. فمن الطبيعي أن نرى فيه، كما نرى في أندريه جيد، مثالاً يُحتذى به لجهة الثقافة الفرنسية. إلا أنني أعتقد أن وضع جيد يختلف تماماً. كامو كان يعتبر نفسه مؤلفاً أخلاقياً وكاتب مقالات. أما جيد فكان قبل كل شيء من أنصار المتعية، وكانت أعماله منفتحة جداً ومتأثرة بهذه المتعية على طريقة أوسكار وايلد».
وعن سارتر الذي عاد فجأة الى الطليعة، بعدما كاد العالم أن ينساه وعن الإرث الذي تركه يقول سعيد: «مهما كثرت الإشاعات عنه، وعلى رغم كل سيئاته، يبقى سارتر بالنسبة إليّ أحد أهم الوجوه الفكرية التي عرفها العالم في القرن العشرين. وقبل الحديث عن سارتر الروائي، تجدر الإشارة الى أنه كان ناقداً أدبياً وفلسفياً فريداً. وفي هذا الإطار، تطاردني أعماله من كل ميل وطرف، أذكر منها كتابه الرائع عن فلوبير، «أبله العائلة»، وكتابه عن بودلير والمقالات الأخرى التي تناولت باقة متنوعة من المؤلفين. وأظن أن أعماله تأتي في صدارة التحقيقات النقدية. وعرفنا سارتر أيضاً كروائي وكاتب مسرحي رائع، فكيف ننسى رواية «الغثيان» وسواها من روائع المسرح التي تحمل توقيعه. ميزة سارتر انه كرّس معظم حياته ليطرح على نفسه كما على غيره أسئلة حيوية. وقد أثبت شجاعة كبيرة في تعاطيه مع الأمور، فتطرّق الى موضوعات شبه محرمة في المجتمع مثل فيتنام والجزائر. غير أن ذلك لا ينفي وجود بعض الشوائب والإبهام حول مسيرته الفكرية على بعض المستويات، ونذكر في هذا الإطار موقفه حيال القضية الفلسطينية».
تميل مواقف سارتر حيال الصراع العربي – الإسرائيلي الى بعض من الغموض والتناقض خصوصاً في التزامه المطلق تجاه القضيتين الفيتنامية والجزائرية، أو المديح الذي قام به في المقدمة اللاهبة لكتاب فرانتز فانون «محكومو الأرض». ويقول سعيد: «أو عندما نتذكر إعجابه الكبير بجان جينيه وبالعمل الرائع الذي أهداه إياه».
وعن امتناع سارتر عن إظهار المزيد من الدعم للقضية الفلسطينية يقول: «أعتقد أن سارتر تأثر بالحرب العالمية الثانية، وذلك طبيعي جداً. لقد أدرك فظاعة المحرقة التي أتت بمثابة ضربة أعادته الى الواقع وعززت وعيه السياسي والفكري. والأمر سيان بالنسبة إلى ميشال فوكو، على رغم صغر سنّه. فكلاهما شعر بعد الحرب أن إنشاء دولة إسرائيل خطوة طبيعية ومحقة، تأتي بمثابة تعويض لمعاداة أوروبا للسامية وقد تسمح بالتخفيف من وطأة شعور الذنب الذي يعذبهما ويعذب غيرهما بسبب الفظائع التي ارتُكبت بحق اليهود الذين تعرضوا للإبادة الجماعية خلال الحرب، على اختلاف جنسياتهم، فرنسيين كانوا أم ألماناً أم بولنديين. ومن هنا، عجز سارتر عن استيعاب وجهة النظر العربية. ونادراً ما اهتم بالعالم العربي، وكان ذلك غريباً بعض الشيء. فكان يرى في عبدالناصر رجلاً اشتراكياً من جهة، وفاشياً يشبه الألمان من جهة أخرى. لم تنشأ يوماً علاقة فعلية بين سارتر والثقافة العربية ولطالما غلب الانزعاج عليها وهذا ما لا أفهمه، وهو أحد الأسباب التي دفعتني الى مقابلته عام 1979. أردت أن أفهم الحقيقة، فصلة سارتر بالفكر العربي كانت ضعيفة في الوقت الذي كان على علاقة متينة ببعض الإسرائيليين، على غرار إيلي بن غال وبيار فيكتور اللذين أخذاه في رحلة الى إسرائيل وأعطياه صورة إيجابية عنها... أما العالم العربي والثقافة العربية فلم يعرفهما البتة. كل ذلك كان غريباً بعض الشيء. لكننا بشر ولكلٍّ سيئاته. هناك أمور تمسّنا وتؤثر فينا أكثر من غيرها. لقد أخطأ سارتر في قضايا كثيرة ولم تؤثر فيه معاناة الشعب الفلسطيني. صحيح أن موقفاً كهذا مخيّب للآمال، ولكن لا يكفي لنفي موهبته ومواقفه الشجاعة إزاء قضايا أخرى».

سارتر والعداء لاميركا:


وعن عدائية سارتر وسيمون دو بوفوار المتطرفة للولايات المتحدة، وهو شعور ذا طبيعة جوهرية لا يستند الى انتقادات شرعية لسياسات أميركية معينة، يقول سعيد: «أزعجني ذلك، خصوصاً أن هذه العدائية لا تستند الى انتقادات شرعية، حتى انها لا تستند الى معرفة حقيقية للولايات المتحدة. ومن الواضح أن سارتر ودو بوفوار كانا يجهلان هذا البلد. والأمر سيان بالنسبة الى غيرهما من المفكرين الفرنسيين. فغالباً ما تنبع عداوتهم للولايات المتحدة من جهل فعلي لهذا البلد. وهذا ما دفعني في مرحلة ما الى كتابة مقالة تحت عنوان «أميركا الأخرى»، التي صدرت في صحف عالمية عدة ومنها صحيفة «لوموند ديبلوماتيك» الفرنسية، في آذار (مارس) 2003. أعتقد ان من الضروري أن نتذكر دائماً أن بوش وإدارته لا يمثلان سوى أحد أوجه الولايات المتحدة الكثيرة والمختلفة. كنت أود لو أن سارتر ودو بوفوار أوليا أهمية أكبر للوجه الآخر من أميركا. جان جينيه مثلاً، الذي التقيته للمرة الأولى في جامعة كولومبيا اهتم كثيراً بهذا الوجه الآخر. فقد نظر عن كثب الى الحركة المضادة للحرب التي نشأت في نهاية الستينات، والى النشاطات التي قام بها طلاب اليسار والجذريون وحتى البلاك بانثرز. جان جينيه كان متميزاً من هذه الناحية، على خلاف الكثير من المفكرين الفرنسيين التقليديين والتافهين في عدائهم لأميركا، لأن شعورهم ذلك ما كان يستند الى معرفة كافية بهذا البلد أو الى انتقادات شرعية ومفصلة».
وعن تأثير مفكري ما بعد الحداثة في فرنسا على طلاب الجامعات الأميركية التي أبدت اهتماماً كبيراً بمفكرين مثل فوكو ودريدا وبودريار الذين يحظون بمحبة أكبر في الولايات المتحدة منها في فرنسا، يقول: «إنه لسؤال صعب. إذا أخذناهم كل واحد على حدة، سأقول إن فوكو لا يحظى بالتقدير الذي يليق به كباحث وجامعي. فالكثيرون من الأميركيين يعتقدون أن فوكو هو فقط هذا الرجل الذي أطلق العنان لموضوعات أثارت ضجة كبيرة كالرغبة المثلية والجنس والجنون. وهي موضوعات منحت فوكو مكانة كبيرة، وجعلت الناس ينسون أنه جامعي كبير وفيلسوف رائع في الدرجة الأولى، «فيلسوف جذري»، بحسب تصنيف نيتشه. هذا هو الوجه الذي أثار إعجاب جيل دولوز في فوكو والذي بقي مهمشاً بعض الشيء في أميركا، حيث يطغى الفكر المنظم والأنظمة الصغرى على البقية. عندما يتعلق الموضوع بمفكرين مثل دريدا وفوكو. فدريردا ومفهوم اللابناء يقعان اليوم في قلب نوع من البدعة الموجودة في الجامعات الأميركية. وقد ركّز الكثير على ذلك المفهوم من دون أن يفهموا أعمال دريدا الأولى. وأعتقد أن أعمال دريدا اللاحقة عكست، بطريقة أو بأخرى، التأثير الأميركي. فتحوّل كاتباً يتّسم بغموض أكبر ومنذ ذلك الحين فقدت أعماله رونقها لأنها كانت تفتقر الى الصراحة. إن مشكلة هؤلاء المفكرين لا تكمن بالمبالغة في تقديرهم، بقدر ما تكمن في أن بعض النواحي من أعمالهم، واشدد على «بعض النواحي»، تحوّلت مجرد آليات متحركة. وبالتالي، بات من السهل الحصول على كميات هائلة من نسخ دريدا وفوكو، بدلاً من إنشاء أشخاص يحاولون فهم دريدا وفوكو، وانتقاد أعمالهما بالأسلوب نفسه الذي نقلاه في تعاليمهما. على صعيد آخر، أُصبت بخيبة كبيرة عندما علمت أن جاك دريدا قبل دكتوراه فخرية من الجامعة العبرية في إسرائيل... ولعل توقيعه على بيان يدين بقسوة السياسات الإسرائيلية هو بالضبط ما خيّب أملي. وقّع على البيان وقبل بلقب فخري منحته إياه جامعة تابعة لبلد وصفه بنفسه أنه يقمع الفلسطينيين وينتهك حقوق الإنسان ويضرب القانون الدولي بعرض الحائط! بالنسبة الى دريدا وبودريار، لا وجود لحجم التاريخ وأهميته. عندما يعلن بودريار أن عهد الخطابات الكبرى وزمن التحرر وعصر الأنوار ولت، أنا لا أوافقه الرأي بتاتاً. فالكثير من الناس في العالم، وفي الولايات المتحدة، يتأثرون حتى اليوم بكل ما له صلة بالعدالة والحرية والأمل والقيم الأخرى. ونظراً الى ذلك، أعتقد أن ما يروّج له بعض مفكري ما بعد الحداثة لا يخلو من الازدراء والاستخفاف بكل من يؤمن بهذه القيم. وهذا هو السبب عينه الذي يمنعنــي مـــن الموافقة على مفهوم «نهايـــة التاريخ» لفوكوياما الذي يبسّط كـــل الأمــور الى حد التفاهة. أين الاعتراف بجهود الإنسان إذاً؟ أنا ألمس نوعاً من الكسل عندما أسمع أشخاصاً يأتون ليقولوا إنهم فقدوا كل اهتمام بتلك الأمور وبقضايا العالم الفعلية وبمعاناة البشر، وإنهم باتوا يهتمون بأفكار أخرى كالمسرح والمظاهر والروايات القصيرة والكفاءات التقنية...».
ويتطرق إدوارد سعيد الى موقف بعض المفكرين من الصراع العربي – الإسرائيلي الذي يعيد الى مسألة «العدالة وأمي» بحسب مقولة كامو، خصوصاً أن في عالم اليوم يتقدم النسب على الانتساب، ويقول: «أعتقد بأن العلاقة التي يحاول البعض إيجادها بين قضية ما والسبب الذي يدفعهم الى الدفاع عنها هي في معظم الأحيان علاقة طبيعية تنبع من انتمائهم ونسبهم. كنت أتمنى أن ينبع خيارهم من قناعة شخصية. فالاختيار يفرض ألا يهرع المرء الى مساندة «مخيمه» في شكل تلقائي. عندما انتقدت القيادة الفلسطينية بشدة، أثنى ريجيس دوبري على موقفي النادر، ذلك أن معظم المفكرين يميلون الى الدفاع اللامشروط عن مخيمهم وهذا ليس مفهومي لدور المفكرين. فمهمتهم الأولى تبقى الاعتراف بالحقيقة مهما كانت صعبة، وإن دفعت شعبهم الى التشكيك بهم. وفي نهاية المطاف، يعجز المفكر عن إتمام مهمته على الوجه الصحيح عندما يكتفي بإخبار جمهوره أو جماعته ما ترغب في سماعه وما يطمئنها ويثبّت قناعاتها السابقة والمكتسبة. وأظن أن هذا الفرق يستحق أن نتوقف عنده. إنه مسعى وراء النقاوة وتحقيق إنجاز ما. ثانياً، كنا نجد عند بعض المفكرين، حتى الكبار منهم، ما عدا البعض طبعاً، حاجة ماسة الى الإيمان بشيء ما. حتى عندما كانوا يتكلمون عن العلمانية، استطعنا أن نستشف فيهم صورة خيالية غير علمانية. وغالباً ما رأينا دفعاً شبه ديني يحثهم على المضي قدماً. لربما كان هذا الدفع بديلاً عن الإيمان الكاثوليكي. ولكن أعتقد أن المشكلة تكمن على هذا المستوى، هناك حاجة الى الإيمان بنظام سماوي ودفع شبه ديني وسعي وراء تحقيق إنجاز تام، مهما كان الثمن. ثم ان صورة المفكر الذي يلعب دور المحقق ويهتم بمشكلات الدنيا وبتفاصيل خاصة ويكرّس نفسه للنظر في الظروف التي يعيش فيها الأقل حظوة، ويقوم بدراسة القضايا الاجتماعية على مر التاريخ، ويزور الأماكن المهملة عادة والأحياء الفقيرة حيث يعيش المهاجرون والطبقة العاملة، أي المفكر الذي يتسلح بالشجاعة لمواجهة البؤس الاجتماعي، إن هذه الصورة إذاً باتت عملة نادرة في فرنسا، على الأقل قبل وصول بورديو، لأن بورديو غيّر مجرى الأمور، ولربما كان الوحيد الذي عالج مسائل ترتبط بالثقافة الشعبية والحياة اليومية بكل ارتياح، على الأقل أنا لا أعرف سواه. فبورديو كان يتوجه الى الشعب ويسعى الى استقطاب جمهور واسع. وفي الوقت نفسه، كان يأخذ احتياطاته من وسائل الإعلام. إلا أن حذره هذا لم يمنعه من الذهاب للبحث عن جمهوره والتواصل مع الشعب».</H3>
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://lorca.ahlablog.com/
kanaan
{{}} مشرف {{}}
{{}} مشرف {{}}
avatar

ذكر عدد الرسائل : 533
البلد : Yiebna
الوظيفة : Critic
تاريخ التسجيل : 12/07/2007

مُساهمةموضوع: رد: ملف ادوارد سعيد ...   السبت أغسطس 18, 2007 3:16 pm


<H1>معاداة السامية والعنصرية:



وعن بعض المظاهر المخلة في فرنسا مثل بروز الشعور بمعاداة السامية والرهبة المرضية أحياناً من الإسلام والعنصرية ضد العرب يقول هو الذي كتب في «الاستشراق» أن معاداة السامية والعنصرية ضد العرب ناجمتان عن الخلفية الفكرية نفسها والعقلية عينها: «لا يمكن الفصل بين معاداة السامية والعنصرية ضد العرب. هذا مؤكد. فجذور الاستشراق هي نفسها جذور معاداة السامية، أي النظريات العرقية والأفكار الخاطئة حول اللغات السامية ومفهوم العرق السامي والفكرة السائدة التي تقول إن اليهود شرقيون فقط. بقي اليهود في فرنسا وبريطانيا شرقيين لمدة طويلة من الزمن، وكان يُنظر اليهم كفئة غير قابلة للدمج تماماً كما يُنظر الى بقية الشرقيين اليوم: فئة غير قابلة للدمج في المجتمع. إن أشهر الشخصيات اليهودية في الأدب الإنكليزي وردت في كتاب «تاجر البندقية» وفي رواية «دانيال ديروندا» لجورج إليوت. وفي العملين، نحن أمام شرقيين لا يهود من السكان الأصليين، بل غرباء. ولطالما بقي الوضع على هذا الحال في فرنسا».
ويضيف: «إن مكافحة العنصرية تحت كل أشكالها بدأت لتوها، ولكن أعتقد أن من الممكن تخطي تلك الأفكار المسبقة ولا سيما في فرنسا. ففي الولايات المتحدة، عندما نحاول الاهتمام بتاريخ الانشقاق وتاريخ معارضة العقائد المشددة وتاريخ العنصرية المضادة ومكافحة الأفكار المسبقة، والصراع من أجل الشمولية والانفتاح على العالم، تبقى فرنسا الأنوار المرجع الأول الذي يخطر في بالنا. هذا لا يعني أن المشهد كان خالياً من أي تناقضات، بل على العكس. فهذه التناقضات تتبلور مثلاً من خلال فولتير، أحد رموز عصر الأنوار، على رغم معاداته للسامية، هو الذي كان يروّج للعلمانية ويقوم باتفاقات جانبية مع البابا في الوقت نفسه.
ولكن، على رغم كل ذلك نقل لنا فولتير مبادئ الصراع من أجل الشمولية والعدالة وأعتقد أن هذا الصراع سيبقى خالداً مهما تغيّر الزمان. إنما، المذهل والغريب في فرنسا هو أنكم ستجدون دائماً، في وجه العنصرية والعصبية المحلية والعقول المحدودة، تياراً يتسم بالتسامح والعظمة وخطباً تدعو الى إرساء العدالة والحرية، ما يساعد على خلق إنسان مثل توسان لوفرتور. إن توسان لوفرتور كان في طريقة أو أخرى ثمرة الثقافة الفرنسية. فهذا الرجل الأسود قرأ إعلان حقوق الإنسان والمواطن على رغم ثقل العبودية ويديه المكبلتين، وقرأ أعمال ميرابو وتأثر بعصر الأنوار... فتحركت أحاسيسه وانكسرت الأصفاد لينتفض الإنسان الموجود في داخله من أجل محاربة العبودية في هايتي. هكذا كُتبت الأسطر الأولى من قصة تروي ثورة شعب أراد الحياة فاستجاب له القدر».
* عن صحيفة "الحياة"

</H1>
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://lorca.ahlablog.com/
ابو جهاد
{{}} مراقب {{}}
{{}} مراقب {{}}
avatar

ذكر عدد الرسائل : 1843
العمر : 37
البلد : فلسطين
الوظيفة : بأبحث على وظيفة
تاريخ التسجيل : 11/07/2007

مُساهمةموضوع: رد: ملف ادوارد سعيد ...   الأحد أغسطس 19, 2007 2:52 pm

تحتاتنا لمجهودك اخ كنعان
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://palestine.ahlamontada.com
فلسطينية
(( عضو وسام الشرف ))
 (( عضو وسام الشرف  ))
avatar

انثى عدد الرسائل : 664
العمر : 33
البلد : فلسطين
الوظيفة : بدون
تاريخ التسجيل : 30/07/2007

مُساهمةموضوع: رد: ملف ادوارد سعيد ...   الأحد أغسطس 19, 2007 2:53 pm

مشكور اخ كنعان على المجهود
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
 
ملف ادوارد سعيد ...
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
موقع يوتيوب :: 

¤©§][§©¤][ الاقسام العامة ][¤©§][§©¤

 :: الملتقى الثقافي والادبي
-
انتقل الى: