موقع يوتيوب

يوتيوب - YouTube - مقاطع يوتيوب - موقع يوتيوب - فيديو يوتيوب
 
الرئيسيةالبوابةس .و .جبحـثالتسجيلالأعضاءالمجموعاتدخوليوتيوب

شاطر | 
 

 'مِيلان كُونديرا' - مقتطفات من بعض رواياته

اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
kanaan
{{}} مشرف {{}}
{{}} مشرف {{}}
avatar

ذكر عدد الرسائل : 533
البلد : Yiebna
الوظيفة : Critic
تاريخ التسجيل : 12/07/2007

مُساهمةموضوع: 'مِيلان كُونديرا' - مقتطفات من بعض رواياته   الأحد أغسطس 26, 2007 7:33 am


الجَهْلُ

يعيش الكائن البشري بشكل متوسط حوالي ثمانين عاماً. وبحساب هذه المدة يتصور كل شخص حياته وينظمها.
ما قلته الآن يعرفه الجميع، لكن قليلاً ما ننتبه إلى أن هذا الرقم الذي حُدد لنا ليس مجرد معلومة كمية ولا خارجية بشكل خاص(مثل طول الأنف أو لون العينين)، بل يشكل جزءاً من تعريف الإنسان نفسه.
إن ذاك الذي يستطيع أن يعيش بكامل قواه، زمناً مضاعفاً، لنقل مئة وستين عاماً لن ينتمي إلى نوعنا نفسه.
لن يبقى شيء كما كان في حياته، لا الحب، لا الطموحات، لا شيء.
إذا عاد مهاجر بعد عشرين عاماً من العيش في الغربة إلى بلده الأصلي وأمامه مئة عام آخر، فإنه لن يشعر بلهفة العودة الكبرى، وربما لن تكون بالنسبة إليه عودة، بل مجرد جولة من جولات كثيرة يقوم بها على امتداد مجرى حياته.
لأن فكرة الوطن ذاتها، بالمعنى النبيل و العاطفي للكلمة، مرتبطة بحياتنا القصيرة نسبياً، والتي تمنحنا وقتاً أقصر كي نتمكن من التعلق ببلد آخر، بلدان أخرى، ولغاتٍ أخرى.


يمكن للعلاقات الإيروسية أن تملأ حياة الراشد.لكن لو كانت الحياة أطول بكثير، ألن يُخمد الإنهاك القدرة على الإثارة قبل أن تغرب الطاقة الجسدية؟لأن هناك فرقاً هائلاً بين الجماع الأول،العاشر، المئة، الألف، وغير المحدد.
أين سيكون الحد الذي سيصبح التكرار بعده نمطياً، إن لم يكن هزلياً بل ومحالاً؟ثم ما الذي سيجري بالنسبة للعلاقة الغرامية بين رجل وامرأة حين يتم تجاوز هذا الحد؟هل ستختفي؟أم على العكس سيعتبر الحبيبان المرحلة الجنسية من حياتهما مرحلة الوحشية ما قبل التاريخية لحب حقيقي؟إن الإجابة على هذه الأسئلة سهلة سهولة تصور سيكولوجية سكان كوكب مجهول.
ربما نشأت فكرة الحب(الحب الكبير، الحب الوحيد) أيضا من محدودية الزمن الممنوح لنا.
لو لم يكن لهذا الزمن حدود هل كان جوزيف سيشعر بكل هذا التعلق بزوجته المتوفاة؟نحن الذين سيكون من نصيبنا أن نموت باكراً لا نعرف.
الذاكرة أيضا لا يمكن أن تدرك دون مقاربة رياضية.إن المعلومة الأساسية تقوم على العلاقة الرقمية بين زمن الحياة المعاشة وزمن الحياة المخزنة في الذاكرة.
لم نحاول قط أن نحسب هذه العلاقة، ثم إننا لا نملك وسيلة تقنية لفعل ذلك، ومع ذلك أستطيع أن أفترض دون مجازفات كبيرة بالخطأ، أن الذاكرة لا تحتفظ إلا بجزء من مليون، من ألف مليون، أي جزء هزيل جداً، من الحياة المعاشة.
وهذا أيضاً يشكل جزءاً من جوهر الإنسان نفسه.
لو استطاع أحد ما أن يحتفظ في ذاكرته بكل المعاش، لو استطاع أن يستحضر متى شاء أي جزء من ماضيه، لما كان له علاقة بالكائن البشري: فلا حبه ولا صداقاته ولا كراهياته ولا قدرته على الصفح أو الانتقام ستشبه مثيلاتها عندنا.
لن نتعب أبداً من نقد من يشوهون الماضي، يعيدون كتابته، يزورونه، ويبالغون بأهمية حدث أو السكوت عليه.
هذه الانتقادات مبررة(لا يمكن إلا أن تكون كذلك)، لكنها تخلو من الأهمية، ما لم يسبقها نقد أكثر بساطة: نقد الذاكرة البشرية بوصفها كذلك.
إذ ماذا تستطيع ذاكرتها المسكينة أن تفعل واقعياً؟وهي ليست قادرة على أن تحتجز من الماضي إلا جزءاً يسيراً، دون أن يدري أحد لماذا هذا الجزء وليس غيره، فهذا الاختيار يصاغ بطريقة غامضة في كل واحد منا بعيداً عن إرادتنا ومصالحنا.
لن نفهم شيئاً عن الحياة الإنسانية ما لم نصرّ على انتشال أوَّل البديهيات جميعها: إن واقعاً كان لا يبقى كما كان، واسترداده محال.



ميلان كونديرا
ترجمة: رفعت عطفة



عدل سابقا من قبل في الأحد أغسطس 26, 2007 7:39 am عدل 1 مرات
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://lorca.ahlablog.com/
kanaan
{{}} مشرف {{}}
{{}} مشرف {{}}
avatar

ذكر عدد الرسائل : 533
البلد : Yiebna
الوظيفة : Critic
تاريخ التسجيل : 12/07/2007

مُساهمةموضوع: رد: 'مِيلان كُونديرا' - مقتطفات من بعض رواياته   الأحد أغسطس 26, 2007 7:34 am



كِتَابُ الضَّحِكِ والنِّسْيَان

الجزء الثالث
الملائكة
‏-1-‏
‏((وحيد القرن)) هو عنوان مسرحية لأوجين يونيسكو واضع الشخصيات المأخوذة برغبة أن تكون إحداها ‏شبيهة بالأخرى، متبادلةً الأدوار في مسرحية((وحيد القرن))، غبرييل وميشيل، شابتان أميركيتان كانتا تدرسان ‏هذه المسرحية من ضمن مقرَّر أعطي في العطلةللطلاب الأجانب في مدينةعلى شاطيءالمتوسط .
وكانتا التلميذتين ‏المفضلتين لدى السيدةرافاييل، أستاذتهما، لأنهمالا تَنيان تتابعانها بانتباه دائم، ولأنهما تسجلان بعناية أيا من ‏ملاحظتها .
وقد طلبت منهما اليوم أن تَحضِّرا سويَّةً، للمقرَّر التالي، عرضاً لمؤدَّى المسرحية.


قالت غابرييل:‏
‏((أكاد أن أفهم ما يعنيه هذا الأمر، أن يتحوَّل الجميع إلى وحيدي القرن.))فردَّت ميشيل شارحةً: ((يجب تأويل ‏هذاباعتباره رمزاً.)) قالت غابرييل‎:‎‏ ((هذا صحيح، فالأدب مصنوع من علامات.)) وأضافت ميشيل: ((لذا ‏وحيد القرن هو علامة قبل أن يكون أي شيء آخر.))
-نعم، و لكن حتى لو اتفقنا على أنهم لم يتحوَّلوا إلى ‏وحيدي قرن حقيقيين، بل إلى علامات محضة، فلمَ صاروا حقاً هذه العلامة لا تلك ؟))
فأجابتها ميشيل بنبرة حزن: (( نعم، إنها المشكلة حتماً.))ومن ثم أخذت الشابتان، اللتان كانتا عائدتين لتوهما إلى ‏بيت الطالبات، استراحة طويلة .‏
وقطعت غبرييل الصمت السائد بينهما قائلة‎ : ‎‏ (( ألا تظنّين القرن الوحيد رمزاًقضيبياً؟))
فردَّت ميشيل مستفهمةً: ((ماذا؟)) وقالت غابرييل: (( القرن، القرن))
فصرخت ميشيل: (( حقا ً!))‏
ولكنها سرعان ما استدركت: ((ولكن لماذا يتحوَّل الجميع إلى رموزٍ قضيبية؟النساء والرجال على السواء؟))
وصمتت الشابتان ثانيةً،بعد أن راحتا ‏تنطنطان بإتجاه البيت وقالت ميشيل فجأة: ((لديَّ فكرة)) فسأ لتها غابرييل باهتمام: ((ماهي؟)) أجابتها ميشيل ‏غامزةً من فضولها: ((على أي حال، إنه لأمر أوحت به السيدة رافاييل نفسها))
مما جعل غابرييل تلح بنفاد صبرها: ((قولي إذن، ماهو هذا الأمر؟))‏
‏ –لقد شاء المؤلف أن يخلق تأثيراً ضاحكاً!))
وما عتمت الفكرة التي عبَّرت عنها صديقتها لتوها أن تملكت ‏غابرييل تملكاً عجيباً، بحيث أرخت ساقيها وجعلت تبطىء في خطوها، مركزة كيانها كله على ما يحدث في رأسها ‏وتوقفت الشابتان.
وتوجهت غابرييل بالسؤال: (( أتظنين أن رمز وحيد القرن هو هنا لكي يخلق تأثيراً ‏مضحكاً؟)) فاجابت ميشيل: ((نعم))وابتسمت ابتسامة المفاخر الذي أيقن بأنه وجد الحقيقة الناجزة ونظرت ‏الشابتان الواحدة إلى الأخرى، فرحتين من جرأتهما الخاصة واهتز طرف فميهما طرباً و إ باءً ثم أطلقتا فجأة اصواتاً حادة، مختزلة ومتقطعة حتى ليصعب وصفها بالكلمات.‏
‏-2-‏
الضحك؟ألا يهتم المرء أبداً للضحك؟ أعني بالقول، الضحك حقاً، بما يتجاوز الدعابة، والهزء، والمضحك.
إنَّما ‏الضحك، أو المتعة العارمة واللذيذة، بل كلّ المتعة…‏
فيما مضى كنت أدعو أختي، أو تدعوني هي، قائلةّ: ((أنلعب معاً حتى الضحك؟))فنتمدد، جنباً
إلى جنب على السرير. ونروح نتظاهر بالضحك، طبعاً، ضحكات متصنَّعة وضحكات مضحِكة ثم ضحكات ‏مضحكة الى حدٍ كبير تجعلنا نضحك. وعندئذٍ يأتي الضحك الحقيقي، الضحك الكامل، فيحملنا في تدفقه الهائل، ضحكات‏ متفجرة ومستعادة، ومتدافعة وعاتية، ضحكات رائعة، وفاخرة ومجنونة، ونظل نضحك حتى لا نهاية ضحكاتنا…‏
‏ أوه الضحك !‏
ضحك المتعة، ومتعة الضحك، فالضحك هو العيش بعمق لا نظير له.
هذا النص الذي أتيت على ذكره هو ‏مقتطف من كتاب بعنوان ((‏كلام نسويّ))كتَبَته في العام 1974 إحدى الداعيات النسويّات المتحمسات اللواتي طبعن مناخ زمننا بطابع خاص.‏
‏ أنه لبيان صوفيٌّ عن الفرح.‏
‏ ومن الأفكار التي طرَحَتْها المؤلِّفة، أنها تضع في مواجهة الرَّغبة الجنسيةللذَّكر العُرضة للحظات القذف الهاربة، ‏وبالتَّالي المقرونة قدرياً بالعنف والإفناء والاضمحلال، تضع المؤلفة المُتعة النَسَوية معتبرةً إيَّاها نقيض الأولى لِكونها رقيقة ودائمةَ الحضور ومثابرة .
‏وطالما لم تَصِرّْ المرأ ة بعد مستلبة جوهرها الخاص فأن تأكل وتشرب وتتبوَّل وتتغوَّط و تلمس وتستمتع ،وحتىأن تكون حاضرة هنا،تبدو لها كل هذه الأفعال من المتع المرعوبة .ويمتد ‏تعداد للشهوات الحسَّية عبر الكتاب، بمثابة لائحة جميلة. ذلك أن العيش أمر في غاية الإمتاع :كأن يرى المرء ويسمع، ويلمس، ويشرب ‏ويبول، ويغوط، ويغطس في الماء، وينظر إلى السماء، ويضحك ويبكي.
بل إن جمال المضاجعة نفسها يكمن في كونها ‏تمثل جماع َمتع الحياة الممكنة: كاللمس، والرؤية، والسماع، والكلام، والإحساس، وأيضا الشرب والتغوّط، والتعرّف ‏والرقص.
وقد يُعد الإرضاع ذاته متعةً والوَضع نفسه يعتبر كذلك، أما الطمث فلذة، يحملها هذا البصاق الفاتر، ‏وذاك الحليب الباهت، وذلك السَيلان للدم الفاتر ومثل المحلَّى، حتى ليستشف من هذا الالم طعم السعادة ‏المحترق.
وحده الأحمق يجرؤ على الإبتسام هازئاً من بيان الفرح هذا.
إذ أن في كل تصوّف مبالغةً. وللتصوف ألا ‏يخشى المضحك إذا أراد أن يصل إلى الطرف الأخير، إلى نهاية المضحك، أو إلى خاتمة المتعة، وبمثل ما ابتسمت ‏القديسة تيريزا في احتضارها، تؤكد القديسة آني لوكليرك(مؤلفة الكتاب من حيث اقتطعت النصوص) أن الموت ‏ذاته هو قطعة فرح، وحده الذكر يخشاها، لأنه شديد التعلق، ببؤس، بأناه وسلطته الوضيعتين. وبمثل ما قد يحدث ‏لقبَّة معبد الشهوة، ها إن الضحك يوشك على الانفجار في الاعالي، ارتعاشة لذيذة من السعادة، وذروة قصوى ‏للمتعة، ضحك المتعة، ومتعة الضحك.
وإنه لمن الأكيد أن هذا الضحك الذي نعنيه هنا، هو ما بعد المزاح والهزء، ‏والمضحك الأُختان الممددتان على سريرهما لا بد من أن شيئاً محدداً لبث يضحكهما، وما كان لضحكهما غاية، ‏بل إنه التعبير الكائن عن فرحه بأن يكون موجوداً .
وبمثل ما يتأوه المرء آن يصيب الألم جسده، هكذا كل من ‏ينفجر بهذا الضحك الانتشائي، بغدو بلا ذكرى ولا رغبة، إذ يرمي صراخه في لحظة العالم الراهنة، ولا يود أن ‏يعرف شيئاً غير ذلك.
ولا شك أنكم تتذكرون هذا المشهد الذي طالما شاهدتموه في عشرات الأفلام الرديئة: فتى ‏وفتاة يركضان، يداً بيد، وسط منظر طبيعي ربيعي جميل( أو صيفي)، ويروحان يركضان، ويركضان، ويركضان ‏ضاحكين.
والحق أن ضحك هذين الراكضين لحريٌّ به أن يعلن للعالم بأسره ولمشاهدي كل السينمات إننا في ‏غاية الفرح وإننا لمسروران بأن نكون في العالم، ونحن في عز اتفاقنا مع كياننا!
ولئن بدا هذا المشهد غبيا ، وبمثابة ‏كليشيه فإنه لا يني يعبر عن وضع بشري أساسي: الضحك الجاد، الضحك لما بعد المزاح.
ويجمع على هذا ‏الضحك كل الكنائس، وكل صانعي القماش، وكل الجنرالات، وكل الاحزاب السياسية، وكل هؤلاء ليتسابقون ‏لكي يضعوا صورة هذين الراكضين الضاحكين على ملصقاتهم حيث يقومون بالدعاية لديانتهم، وسلعهم، ‏وعقائدهم، وشعوبهم، وجنسهم، ومسحوقهم لغسيل الأواني.
إنه هذا النوع من الضحك بالضبط، ما تضحكه ‏ميشيل وغابرييل، ها هما تخرجان من محل لبيع القرطاسية، وتمسك الواحدة بيد الأخرى، وتروح كل منهما، ‏تؤرجح في يدها الحرة، رزمة صغيرة حزمت فيها الورق الملون، واللصاق والمطاطات. قالت غابرييل: ‏
((لسوف تَُسَّر السيدةرافاييل بما جلبنا، سوف تَرَين ))وراحت تصدر أصواتاً حادة ومتقطعة .
وافقتها ميشيل الرأ ي، ‏وشرعت تُصدر نفس الضجة تقريباً .‏




مقتطف من رواية الضحك والنسيان
لمؤلفها ميلان كونديرا
ترجمة أنطوان أبو زيد
عن دار الآداب عام 1990



عدل سابقا من قبل في الأحد أغسطس 26, 2007 7:39 am عدل 1 مرات
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://lorca.ahlablog.com/
kanaan
{{}} مشرف {{}}
{{}} مشرف {{}}
avatar

ذكر عدد الرسائل : 533
البلد : Yiebna
الوظيفة : Critic
تاريخ التسجيل : 12/07/2007

مُساهمةموضوع: رد: 'مِيلان كُونديرا' - مقتطفات من بعض رواياته   الأحد أغسطس 26, 2007 7:35 am


كَائنْ لا تُحْتَمَلْ خِفَّتهُ

الخفة والثقل
(1)
العَوْد الأبدي فكرةٌ يكتنفها الغموض وبها أربكَ نيتشه الكثيرين من الفلاسفة: أن نتصور أن كل شيء سيتكرر ذاتَ يوم كما عشناه في ‏السابق وأن هذا التكرار بالذات سيتكرر بلا نهاية! ماذا تعني هذه الخرافة المجنونة؟

تؤكد خرافة العَوْد الأبدي، سلباً، أن الحياة التي تختفي نهائياً، والتي لا ترجع إنما هي أشبه بظل ودون وزنٍ وميتة سلفاً. ومهما تكن هذه ‏الحياة فظيعة أو جميلة أو رائعة فإن هذه الفظاعة وهذا الجمال وهذه الروعة لا تعني شيئاً. هي غير ذات أهمية مثل حرب وقعت في القرن ‏الرابع عشر بين مملكتين أفريقيتين فما غيرت شيئاً في وجه التاريخ، مع أن ثلاثمائة ألف زنجي لاقوا فيها حتفهم وفي عذابات تفوق ‏الوصف. فهل كان سيتغير شيء لو أن هذه الحرب بين المملكتين الإفريقيتين في القرن الرابع عشر قد تكررت مرات ٍلا حصر لها في ‏سياق العود الابدي؟
بلى:كانت ستؤول إلى كتلة متراصفة من الجماجم، وتفاهتها ستكون متصلة دون توقف.‏
ولو قدّر للثورة الفرنسية أن تتكرر باستمرار، لكان المؤرخون الفرنسيون أقل فخراً بروبسبيير. ولكن بما أنهم يتحدثون عن شيء لن ‏يرجع ثانيةً، فإن السنوات الدامية تصير مجرد كلمات ونظريات ومجادلات، تصير أكثر خفةً من الوبر ولا تعود مخيفة. هنالك فرقٌ ‏شاسع بين روبسبيير الذي لم يظهر سوى مرة ًفي التاريخ وروبسبيير الذي يعود بشكلٍ دائم ليقطع رؤوسَ الفرنسيين.‏
لنقل اذاً أن فكرة العَوْد الأبدي تحدّد أفقاً لا تبدو فيه الأشياء كما نعرفها:تظهر لنا من دون الظروف التخفيفية لعرضيتها. هذه ‏الظروف التخفيفية تمنعنا في الحقيقة من إصدار حكم معين. هل بالإمكان إدانة ما هو زائل؟ إن غيوم المغيب البرتقالية تضفي على كل ‏شيء ألق الحنين، حتى على المقصلة.‏
منذ زمن ليس ببعيد فاجأني شعورٌ غير معقول: كنت أتصفّح كتاباً عن هتلر فوجدت نفسي مأخوذاً أمام بعضٍ من صوره. ذكرتني بزمن ‏طفولتي التي عشتها خلال الحرب. كثيرون من أفراد عائلتي لاقوا حتفهم في معسكرات اعتقال نازية. ولكن ما أهمية موتهم أمام صورة ‏هتلر التي ذكرتني بزمن غابر من حياتي، بزمن لن يعود؟
إنَّ هذه المصالحة مع هتلر تفضح عمق الشذوذ الاخلاقي الملازم لعالم مبني اساساًعلى انعدام العود. ذلك أن كل شيء في هذا العالم ‏مغتفر سلفاً وكل شيء مسموح به بوقاحة.‏
(2)
لو قُدّر لكل ثانية من حياتناأن تتكرر مراتٍ لا حصر لها، لكنا معلقين على الأبدية مثلما عُلق يسوع المسيح على صليبه. هذه الفكرة ‏فظيعة ففي عالم العود الأبدي كلّ حركة تحمل ثِقل مسؤولية لا تطاق… وهذا ما جعل نيتشة يقول: إن فكرة العود الأبدي هي الحمل ‏الأكثر ثقلاً.‏
إذا كان العوْد الأبدي هو الحمل الأثقل، يمكن لحيواتنا عندئذ أن تظهر على هذه القماشة الخلفية بكلّ خفتها الرائعة.‏
ولكن هل الثقل هو حقاً فظيع؟ وجميلة هي الخفة؟
إن أكثر الأحمال ثقلاً يسحقنا يلوينا تحت وطأته ويشدّنا نحو الأرض. ولكن لو ألقينا مثلاً نظرة على شعر الحب خلال العصور كلّها لرأينا أن المرأة ترغب في أن تتلقى حمل جسد الذكر. إذاً فالحمل الأكثر ثقلاً هو في الوقت ذاته صورة للإكتمال الحيوي في ذروته‏فكلما كان الحمل ثقيلاً، كانت حياتنا أقرب إلى الأرض وكانت واقعية أكثر وحقيقيةأكثر.‏
وبالمقابل فإن الكائن الإنساني عند الغياب التام للحمل يصيرأكثر خفّة منَ الهواء محلقاً بعيداً عن الأرض وعن الكائن الأرضي. يصير شبه ‏واقعي وتصبح حركاته حرّة قدر ما هي تافهة.‏
اذاً، ماذا علينا أن نختار الخفةأم الثقل؟
ذاك هو السؤال الذي طرحه بارمينيد على نفسه في القرن السّادس ما قبل المسيح. حسب رأيهِ العالم منقسم إلى أزواج من أضداد:‏
النور- الظلمة، السّميك- الرّقيق،الحارّ- البارد، الكائن- اللا كائن .كان يَعتبر أن أحد قطبيّ التناقض ايجابي( المضيء، الحار، ‏الرقيق، الكائن )والقطب الآخر سلبي. قد يبدو لنا هذا الإنقسام إلى ايجابي وسلبي في نطاقِ سهولةٍ صبيانية باستثناء حالة واحدة: أيُّهما ‏هو الإيجابي، الثقل أم الخفة؟
كان بارمينيد يجيب: الخفيف هو الإيجابي والثقيل هو السلبي. هل كانَ على حق أم لا؟ هذا هو السؤال. وشيءٌ واحد أكيدْ: النقيضان ‏الثّقيل- الخفيفْ هما الأكثر غموضاً والتباساً بينَ كل المتناقضات.‏





مقطع من رواية:‏
كائن لا تحتمل خفته
تأليف: ميلان كونديرا‏
ترجمة :ماري طوق
الناشر: المركز الثقافي العربي‏



عدل سابقا من قبل في الأحد أغسطس 26, 2007 7:38 am عدل 1 مرات
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://lorca.ahlablog.com/
kanaan
{{}} مشرف {{}}
{{}} مشرف {{}}
avatar

ذكر عدد الرسائل : 533
البلد : Yiebna
الوظيفة : Critic
تاريخ التسجيل : 12/07/2007

مُساهمةموضوع: رد: 'مِيلان كُونديرا' - مقتطفات من بعض رواياته   الأحد أغسطس 26, 2007 7:36 am


يَومٌ لَنْ يَعُودَ بَانُورجْ يُضْحِكُ أَحَدَاً

ابتكارُ الفكاهة:
السيدة غراند غوزييه الحامل، أفرطت في التهامِ كروش الدواب، فاضطروا إلى إعطائها مقبضاً للرحم، وقد كانَ فعالاً فانفكت المشيمة، واندسَّ الجنين غارغانتيا في أحدِ الأوردة، وصعدَ مع تيارِ الدم ثم خرجَ من أذنِ أمه.
بدءاً من العباراتِ الأولى، يكشفُ الكتابُ أوراقه، فما يرويه هنا ليس جدياً: هذا يعني أنه لا يؤكدُ هنا حقائق (علمية أو ميثية)، فهوَ لا يلتزمُ بوصفِ الأحداث كما هي في الواقع.


لأزمنة رابليه السعيدة: تطيرُ فراشة الرواية حاملةً على جسدها بقايا الخادرة التي كانتها. ينتمي بانتاغرويل أيضاً بمظهره العملاق إلى ماضي الحكايات الفانتازيه، بينما يصل بانورج من مستقبلِ الرواية الذي لم يزل مجهولاً آنذاك. هذه اللحظة الاستثنائية لولادةِ فنٍ جديد تُعطي كتاب رابليه غنىً خارقاً، فكلُّ شئٍ موجود فيه: المحتمل، والمستبعد، والمجاز، والهجاء، العمالقة والناس العاديين، والنوادر الطريفة، والتأملات، والأسفار الحقيقية والخيالية، والخصومات العلمية، واستطرادات البراعة اللفظية المحضة. يشعرُ روائي اليوم، وريث القرن التاسع عشر، بحنينٍ ممزوجٍ بالحسد لعالمِ الروائيين الأوائل المدهش، وللحريةِ الفَرِحَةِ التي لازمتهم.
وكما يُسقطُ رابليه في الصفحاتِ الأولى من كتابه غارغانتيا على مسرحِ العالمِ من أذنِ أمه، كذلك في رواية آيات شيطانية، بعد انفجار طائرة في الجو، يَسقطُ بطلا سلمان رشدي وهما يثرثران، ويغنيان، ويتصرفان بطريقةٍ هزليةٍ وغير متوقعة، بينما ” من فوقهما ومن خلفهما ومن تحتهما في الفضاء” تطفو مقاعد بمساند قابلة للطي، وأقداح من الكرتون، ,كمامات أوكسجين، ومسافرين، أحدُ هذين البطلين، جبريل فاريشا، يسبحُ في” الهواء مرفرفاً ومتوثباً، ويتهاوى باسطاً ذراعيه وساقيه في شبهِ اللانهائية لشبهِ الفجرِ هذا”. والآخر، سالادين شامشا، ” كظلٍّ لِطَيفٍ يتهاوى، مرتدياً بدلةً رمادية مُزرَّرَة، وذراعاه ملتصقانِ بجسده، وعلى رأسهِ قبعةٌ مستديرة”.
تبتدئ الرواية بهذا المشهد لأن رشدي يعرفُ كرابليه، أن التفاهم بين الروائي والقارئ يجب أن يتوطد منذ البداية، ولابدَّ أن يكون هذا التفاهم واضحاً: فما يُروى هنا ليس جِدِّياً حتى لو تعلقَ الأمرُ بأشياءَ مخيفة.
التزاوج بين اللاجدِّ والخوف: هذا مشهد من الرباعية: يُصادفُ قارب بانتاغرويل في عرضِ البحرِ سفينةً تحملُ خرافاً، ,حينَ يرى أحدُ التجار بانورج يرتدي بنطالاً دونَ فتحة، ونظارتين معلقتين بقلنسوته، يحسبُ أن من حقهِ جذب الأنظار، ويصفه بالزوج المخدوع. وعلى الفور يثأر بانورج لنفسه. يشتري منه خروفاً ويقذفه في البحر، فتبدأ كل الخراف الأخرى المعتادة أن تتبع الخروف الأول في القفزِ إلى الماء. يطيرُ صواب التُّجار، فيمسكونَ بها من صوفها وقرونها، فتجرهم معها إلى البحر هم أيضاً. يُمسكُ بانورج مجدافاً في يده، لا لينقذهم، بل ليمنعهم من تسلق السفينة. يعظهم بفصاحة، مبرهناً لهم على شقاءِ هذا العالم، , وأن الخير والسعادة في العالم الآخر، ومؤكداً أن الموتى أسعدُ من الأحياء، ومع ذلكَ يُرغبهم بملاقاةِ أيِّ حوتٍ اقتداءً بيونس، إن كانَ لا يُزعجهم أن يظلوا أحياءً بين البشر. عندما ينتهي الغرق، يُبادرُ الأخ الصالح إلى تهنئة بانورج،ويلومه فقط لأنه دفع ثمن البضاعة، وبدَّدَ على هذا النحو النقود دون جدوى. فيقول له بانورج: ” بسم الله. لقد تسليتُ بأكثر من خمسين ألف فرنك”.
المشهد غير واقعي ومستحيل، فهل له أي مغزى؟ وهل يفضح رابليه دناءة التجار الذين لابدَّ لعقابهم أن يَسُرَّنا؟ أم أنه يريد أن يُثيرنا ضدّ فظاظةِ بانورج؟ أم يسخر، في معاداةٍ قوية للأكليركية، من حماقةِ الكليشات الدينية التي يتفوه بها بانورج؟؟ هيا احزروا ! فكلُّ إجابةٍ هي فخٌّ للبلهاء.
يقول أوكتافيوباز: ” لم يعرف هوميروس، ولا فيرجيل الفكاهة، ويبدو أن أريوست استشعرَ بها، لكن الفكاهةَ لم تتشكل إلا مع سيرفانتس. ويتابع باز: الفكاهة هي الابتكار العظيم للروح الحديثة”.
فكرةٌ أساسية: ليست الفكاهة ممارسة عريقة للإنسان، إنها ابتكار مرتبط بولادةِ الرواية. ليست الفكاهة إذن الضحك والسخرية والهجاء، إنما نوع خاص من الهزل، يقولُ عنه باز: ( وهذا هو المدخل لفهم جوهر الفكاهة) . إنه ” يجعلُ كل ما يلمسه غامضاً”. أولئك الذين لا يسعهم أن يستمتعوا بالمشهد الذي يدعُ فيه بانورج تجار الخراف يغرقون وهوَ يمدحُ لهم في الوقتِ ذاته الحياةَ الآخرة، لن يفهموا شيئاً أبداً في فنِّ الرواية.
المقاطعة التي يعلقُ فيها الحكمُ الأخلاقي:
لو سألني أحدٌ عن السببِ الأكثر تواتراً لسوءِ الفهمِ بيني وبين قرائي؛ لما ترددت بالإجابة: الفكاهة. لم يكن قد مضى زمنٌ طويل بعد على وجودي في فرنسا حتى تخلصت تماماً من الضجر. وعندما رغبَ أستاذٌ شهير في الطب أن يراني لأنه أحبَّ رواية فالس الوداعات، شعرتُ بالغرور. برأيهِ، روايتي تنبؤية، حيثُ لامستْ مشكلةً مستقبلية هامة بشخصية الدكتور سكريتا الذي يعالجُ النساء العقيمات ظاهرياً في مدينةِ الحمة، وذلك عن طريق حقنهنَّ سراً بمنيه الخاص بواسطة محقنة خاصة. دعاني ذلك الأستاذ إلى حوارٍ حولَ التلقيح الاصطناعي. سحبَ من جيبهِ قصاصةَ ورقٍ وقرأَ لي مسودة مداخلته. - يجبُ أن يكون إعطاء المني مغفلاً ومجانياً( ونظر آنذاك في عيني ) ومُبَرَّراً بحبٍّ مضاعف ثلاث مرات: حبٌ لبويضة مجهولة ترغبُ أن تُنجز مهمتها، وحبُ المعطي لفرديته الخاصة التي ستمتدُّ بالهبة، وثالثاً حبٌ لزوجينِ يتألمانِ ظامئينِ. ثم حدَّقَ من جديدٍ في عيني، وبالرغمِ من احترامه الفائق، سمحَ لنفسه بانتقادي: -لم تُفلح في التعبيرِ بأسلوبٍ مُقنع بما فيه الكفاية عن الجمال الأخلاقي لهبةِ المني. فدافعتُ عن نفسي: -الروايةُ هزلية! وطبيبي فانتازي! ينبغي ألا نأخذ كل شئٍ على محملِ الجد! قال لي مرتاباً: - إذن، ينبغي ألا نأخذ رواياتك على محملِ الجد؟ ارتبكتُ، وفجأةً فهمتُ: لا شئَ أصعبُ من إفهامِ الفكاهة.
في الرباعية، تهبُّ عاصفةٌ في البحر. الناس كلهم موجودون على السطح يحاولون إنقاذ السفينة. وحده بانورج، المشلول من الخوف، لا ينفكُّ يئنُّ، ينتشرُ نحيبه المخادع على مدى صفحات. وعندما تهدأ العاصفة، يستعيدُ شجاعته، ويوبخهم جميعاً على كسلهم. والطريف في الأمر: هذا الجبان والخامل والكذاب والمتصنع، ليس فقط أنه لا يُثيرُ فينا أية نقمة، بل إننا في تلك اللحظة من مباهاته نزداد حباً له. عند تلك الفقرات يغدو كتاب رابليه رواية، كلياً وجذرياً : أي مملكةً يعلقُ فيها الحكمُ الأخلاقي.
لا يعني تعليقُ الحكم الأخلاقي لا أخلاقية الرواية. إنه أخلاقيتها. الأخلاقية التي تُعارضُ الممارسة الإنسانية الراسخة التي تحكمُ فوراً وباستمرار، وعلى الناس كلهم، بحكمٍ مُسبقٍ دون فهم. هذا الاستعداد المحموم للحكم هو، برأي حكمةِ الرواية، الحماقة الأكبر مقتاً والمرض الأشد إيذاءً. هذا لا يعني أن الروائي يُنكرُ بالمطلق شرعيةَ الحكم الأخلاقي، إنما يؤجله إلى ما وراء الرواية. هناك، إذا كانَ هذا يناسبكم، أدينوا بانورج على جُبنه، وأدينوا إيما بوفاري وأدينو راستينياك، هذا شأنكم. أما الروائي فلا علاقةَ له بذلك.
إن خلقَ الحقل التخيُّلي الذي يعلقُ في الحكم الأخلاقي هو مأثرة إدراكٍ رفيع: هناكَ فقط يُمكن أن تتفتحَ شخصيات روائية، بمعرفةِ فردياتٍ لم تُصمم تبعاً لحقيقةٍ سابقةٍ للوجود، باعتبارها نماذجَ للخير أو للشر، أو باعتبارها تصورات لقوانين موضوعية تتجابه، إنما باعتبارها كائناتٍ مستقلة مؤسسة على أخلاقها الخاصة وقوانينها الخاصة. اعتادَ المجتمع الغربي أن يُقدمَ نفسه كمجتمعٍ لحقوق ِالإنسان، لكن قبل أن يستطيع الإنسان نيلَ حقوقه، كان لابدَّ أن يتكونَ كفرد، وأن يعتبر نفسه فلاناً وأن يُعتبرَ فلاناً، وما كانَ لهذا أن يحدثَ دونَ ممارسةٍ مديدةٍ للفنون الأوربية وفن الرواية خصوصاً الذي يُعلِّمُ القارئَ أن يندهشَ من الآخر، وأن يسعى إلى فهمِ حقائقَ تختلف عن حقائقه. بهذا المعنى أصاب سيوران بتسميةِ المجتمع الأوروبي” بمجتمع الرواية. وبكلامهِ عن الأوروبيين على أنهم” أبناءُ الرواية” .
بئرُ الماضي:
ما الفرد؟ وأين توجدُ هويته؟ جميعُ الروايات تسعى للإجابة عن هذين السؤالين. وفي الواقع، بماذا تتعين الأنا؟ هل بما يقوم به شخص وبأفعاله؟ ولكن الفعل يفرُّ من مؤلفه وينقلبُ ضدَّه دوماً تقريباً. هل تتعين بحياته الداخلية إذن، وبأفكاره ومشاعره المخبأة؟ لكن هل بمقدورِ إنسانٍ أن يفهمَ نفسه بنفسه؟ وهل يُمكن لتصوارته المخبأة أن تُستخدمَ مدخلاً لهويته؟ أم أن الإنسان متعينٌ برؤيته للعالمِ وأفكاره، وبرؤيته العالمية(1)؟
هذه هي جمالية دستوفسكي: شخصياته متأصلة في أيديولوجيا الشخصية لدى تولستوي شيئاً راسخاً يُمكن للهويةِ الفردية أن تتأسس عليه: ” لم يكن ستيفان أركادييفيتش يختارُ مواقفه وآراءه، إنما المواقف والآراء تأتـيه من تلقاء ذاتها، حتى إنه لم يكن يختار شكلَ قبعاته أو معاطفه، إنما كان يشتري ما يشتريه الناس ( آنا كارنينا ). لكن إذا لم يكن التصور الشخصي أساسَ هوية الفرد ( وإذا لم تزد أهميته عن أهميةِ قبعة) فأين يوجدُ هذا الأساس؟
بهذا البحث الدؤوب، أسهمَ تُومَاس مان إسهامه الفائقَ الأهمية: نحنُ نظنُّ أننا نؤثرُ ونفكر، بيدَ أن الآخر أو الآخرين هم الذين يفكرون ويؤثرون فينا: فالعادات السحيقة في القدم والأنماط الأولية التي أصبحت أساطيراً وعبرت من جيلٍ لآخر، لها قدرة فائقة على الإغواء، وتُوَجِّهنا عن بعدٍ ( كما يقول مان) من ” بئر الماضي”.
مان: هل “أنا” الإنسان محصورة بدقة ومسجونة بإحكامٍ في حدودها الجسدية والمؤقتة؟ ألا تنتمي العناصر العديدة التي تتألف منها إلى عالمه الداخلي والخارجي؟ إن التمييز بين الروح عموماً والروح الفردية، لم يُفرض قديماً على النفوس بالقوةِ نفسها التي يُفرض بها اليوم. وأيضاً : ” نجدُ أنفسنا أمامَ ظاهرةٍ حاولنا نَعْـتَها بالمحاكاةِ أو بالدوام، وأمامَ تصورٍ للحياة بحسبهِ يرتكز دورُ كلِّ واحدٍ على بعثِ بعض الأشكال المعطاة، وبعض الترسيمات الأسطورية التي أسسها الأجداد، ويرتكزُ أيضاً على السماح لهم بتقمصها من جديد”.
ليس الصراع بين يعقوب وأخيه عيسو سوى تكرار للنزاع القديم بين هابيل وأخيه قابيل، بين المحظوظ من الله والآخر، المهمل والحاسد. يجدُ هذا الصراع، ” هذه الترسمية الأسطورية التي وضعها الأجداد”، تحويره الجديد في مصير يوسف، ابن يعقوب، المنتمي إلى ذرية المحظوظين هو أيضاً. ولأنَّ شعور الإثم المغرق في القدم عند المحظوظين يحركُ يعقوب، فإنه يرسلُ ابنه للتصالح مع أخوته الحاسدين ( مبادرة مشؤومة: فهؤلاء سيرمونه في بئر.)
وحتى الألم وهو رد فعل لا يُمكن ضبطه ظاهرياً، ليس سوى ” محاكاة ودوام” : عندما تعرضُ علينا الرواية تصرف يعقوب وكلامه وهو يرثي موت يوسف، يُعلِّق مان: ” لم تكن تلك طريقته المعتادة في الكلام قط، وكان سبق لنوح أن ألقى خطبةً بأسلوبٍ مماثل أو شبيهٍ عن الطوفان، وقد انتحلها يعقوب، وعبَّرَ يأسُه عن نفسه بعباراتٍ شائعة تقريباً، مع أنه يجبُّ ألا توضعَ عفويتها لهذا السبب موضع شك”. ملاحظة هامة: المحاكاة لا تعني انعدام الصدق، لأنَّ الفرد مجبرٌ أن يحاكي ما حدثَ سابقاً؛ ومهما كان إخلاصه، فهو ليسَ إلا تقمصاً، ومهما كانَ مُحقاً، فهوَ ليسَ إلا نتيجةَ إيماءاتٍ وإيعازاتٍ تنبعثُ من بئرِ الماضي.
يومٌ لن يعودَ بانورج يُضحكُ أحداً:
هذا ما يجعلني أعودُ مرةً أخيرةً إلى بانورج. ففي بانتا غرويل يقعُ في غرامِ سيدةٍ، ويريدُ أن ينالها بأي ثمن.في الكنيسةِ، أثناءَ القُدَّاس ( أليسَ هذا مُقدساً يُدنس ) يخاطبها بكلماتٍ فاجرةٍ مُذهلة ( التي يُمكن أن تكلفه اليوم في أمريكا مئة وثلاثة عشر عاماً من السجن بسبب التحرش الجنسي ) وعندما ترفضُ الاستماعَ، يتقدمُ منها بأن ينشرَ على ملابسها مُفرزاتِ كلبةٍ في طورِ السفاد.
ولدى خروجها من الكنيسةِ تجري في إثرِها كلُّ كلابِ الضواحي ( ستمئة ألف وأربعةَ عشرَ كلباً كما يقول رابليه) وتبوِّلُ عليها.
أتذكرُ أعوامي العشرين، , وعنبرَ العُمال، والترجمةَ التشيكية لكتاب رابليه تحتَ سريري. اضطررتُ مراراً أن أقرأ للعمالِ المندهشينَ من هذا الكتابِ الضخم هذه القصةَ التي سُرعانَ ما حفظوها عن ظهرِ قلب. ومعَ أنهم أناسٌ يتمتعونَ بأخلاقٍ فلاحية، بل ومحافِظة، فلم يكن في ضحكم أدنى إدانةٍ للتحرش الشفهي والبولي؛ لقد أحبوا بانورج حتى إنهم أطلقوا اسمه على أحدِ رفاقنا، آه لا، إنه ليسَ زير نساء، إنما هوَ شابٌ معروفٌ بسذاجته وعفته المُفرطة، وكانَ يخجلُ أن نراه عارياً أثناءَ الاستحمام. أسمعُ صيحاتهم كأنَّ ذلكَ حدثَ البارحة: ” بانورك ( هذا لفظنا التشيكي لهذا الاسم) هيا إلى الاستحمام، وإلا سنغسلكَ ببولِ الكلاب ! ” .
ما زلتُ أسمعُ تلكَ الضحكةَ الجميلةَ التي كانت تسخرُ من حياءِ رفيق، لكنها في الوقتِ ذاته تُعبِّرُ حيالَ هذا الحياء عن حنانٍ يكادُ يكونُ مُدهشاً. لقد فتنتهم الكلماتُ الفاحشة التي وجهها بانورج للسيدةِ في الكنيسة، لكن سرَّهم بالمثلِ العقابُ الذي أوقعته به عفةُ السيدة، التي بدورها، وآنذاك بلغت متعتهم أوجها، عوقبت ببولِ الكلاب.
مَع من تعاطفَ رفاقي القدامى؟ معَ الحياءِ أم معَ الوقاحةِ؟ معَ بانورج أم السيدة؟ أم معَ كلابٍ حظيت بامتيازٍ تُحسدُ عليه في أن تبولَ على حسناءَ جميلة؟
الفكاهةُ: الوميضُ الإلهيُّ الذي يكشفُ عن العالمِ غموضَهُ الأخلاقي، وعن الإنسانِ في قصورهِ العميقِ في الحكمِ على الآخرين. الفكاهةُ: النشوةُ التي تُثيرها نسبيةُ الأشياء الإنسانية، المتعةُ الغريبةُ المتحدرةُ من اليقينِ بأنه لا يُوجدُ يقين.
لكن الفكاهةُ كما يذكرُ أوكتافيو باز، هي: “الابتكارُ العظيمُ للروحِ الحديثة.” ليست موجودةً منذ الأزل، ولن تظلَّ إلى الأبدِ أيضاً.
القلبُ مكروب. فأنا أفكرُ في يومٍ لن يعودَ فيه بانورج يُضحكُ أحداً.



الوصايا المغدورة. ميلان كونديرا
ترجمة معن عاقل. الأوائل للنشر والتوزيع. سورية- دمشق.

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://lorca.ahlablog.com/
 
'مِيلان كُونديرا' - مقتطفات من بعض رواياته
الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
موقع يوتيوب :: 

¤©§][§©¤][ الاقسام العامة ][¤©§][§©¤

 :: الملتقى الثقافي والادبي
-
انتقل الى: