موقع يوتيوب

يوتيوب - YouTube - مقاطع يوتيوب - موقع يوتيوب - فيديو يوتيوب
 
الرئيسيةالبوابةس .و .جبحـثالتسجيلالأعضاءالمجموعاتدخوليوتيوب

شاطر | 
 

 'فرانز كافكا' مقاطع من بعض رواياته

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
kanaan
{{}} مشرف {{}}
{{}} مشرف {{}}
avatar

ذكر عدد الرسائل : 533
البلد : Yiebna
الوظيفة : Critic
تاريخ التسجيل : 12/07/2007

مُساهمةموضوع: 'فرانز كافكا' مقاطع من بعض رواياته   الأحد أغسطس 26, 2007 7:46 am



بَناتُ آوَى وَ عَربْ

كنا قد ضربنا خيامنا في الواحة، وقد غفا رفاقي.
مرَّ بي القوام الأبيض الشامخ لرجلٍ عربي، كان يتفقَّد الإبل، ويمضي في طريقه إلى مرقده.
استلقيت على ظهري، فوق العشب، حاولت التماس الكرى، لكن النوم جفاني.
في البعيد عوت بنت آوى، فاقتعدت الأرض ثانية، فجأة دنا مني، كأشد ما يكون الدنو، ما كان نائياً، فقد تدفقت بنات آوى حولي، وعيونهن تلمع بذلك البريق الأصفر الكئيب، وتعاود الاختفاء مجدداً، وأجسادهن اللدنة تتحرك، بتحفز، وعلى نحو منتظم، كما لو كان ذلك يحدث استجابة، لقرقعة سوط.
أقبلت إحدى بنات آوى من خلفي، مندفعة تحت ذراعي مباشرة، ضاغطة نفسها باتجاهي، كما لو كانت بحاجة إلى أن تلتمس الدفء مني، ثم وقفت أمامي، وراحت تحدثني وجهاً لوجه على التقريب.
إنني كبرى بنات آوى في كل البقاع، ويسعدني أن ألقاك ها هنا، أخيراً، فقد كنت على وشك أن افقد الأمل، إذ انتظرتك سنوات لا تنتهي، وانتظرتك أمي وأمها، وكل أمهاتنا، منذ الأم الأولى لبنات آوى كافة، هذا صحيح، صدقني !
قلت: ناسياً في غمار حديثي إذكاء جذوة كوم الخشب الجاثم قاب قوسين أو أدنى، والذي يمكن استخدامه في طرد بنات آوى بعيداً:
أمر عجيب!يدهشني أشد الدهشة أن أسمع هذا، فالمصادفة المحضة هي التي ألقت بي إلى هنا من الشمال البعيد، كما أني أقوم بجولة قصيرة فحسب في هذه البلاد، فما الذي تردنه إذن يا بنات آوى؟!
أطبقت حلقة بنات آوى علي، كما لو كان قد أثار فيها الجرأة هذا التساؤل، الذي ربما كانت نغمة الود فيه قد تجاوزت ما ينبغي، و رحن جميعاً يلهثن، وقد فغرن أشداقهن.
أنشأت كبراهن تقول:إننا نعرف أنك جئت من الشمال، وهذا هو على وجه الدقة ما نعلق آمالنا عليه، فأنتم معشر الشماليين تتمتعون بذلك الفهم الذي لا نظير له في صفوف العرب، وأصدقك القول أنه ما من شرارة واحدة يمكن أن تقدح من صلفهم البارد. إنهم يذبحون الحيوانات، ليصنعوا طعاماً منها، ويزدرون الجيف.
قلت: لا ترفعي صوتك هكذا! فهناك عرب يرقدون غير بعيد عنا.
قالت بنت آوى: إنك غريب ها هنا حتماً، وإلالعرفت أنه لم يحدث في تاريخ العالم قط أن خافت بنت آوى من عربي. لماذا ينبغي ان نخشاهم؟ أليس في نفينا بين ظهراني تلك المخلوقات ما يكفي من سوء الطالع؟
قلت: ربما، ربما، فمثل هذه الأمور البعيدة إلى هذا الحد لا أجدني مؤهلاً للحكم عليها، ويبدو لي الأمر عراكاً بالغ القدم، وأحسب أنه أمر يجري مجرى الدم، وربما لن ينتهي إلا بسفكه.
إنك أريبٌ للغاية.
قالتها ابنة آوى العجوز، ورحن جميعهن يلهثن بمزيد من السرعة، فيتدفق الهواء من رئاتهن، على الرغم من إنهن ساكنات في مواضعهن.
انبعثت رائحة نتنة من أشداقهن، اضطررت لكي أحتملها إلى أن أصر على أسناني.
مضت ابنة آوى تقول:
إنك أريب للغاية، فما قلته تواً يتفق مع أعرافنا القديمة، فإننا سنلغ في دمائهم فينتهي النزاع.
قلت بصرامة تفوق ما كنت اقصده:
آه، لسوف يدافعون عن أنفسهم، ويطلقون النار من بنادقهم عليكن، فتسقطن بالعشرات.
قالت ابنة آوى:
ها أنت تسيء فهمنا، وتلك خصلة بشرية، يبدو إنها توجد حتى في أقصى الشمال، فنحن لا نقترح قتلهم: إذ ليس بمقدور ماء نهر النيل كله ان يطهرنا من ذلك، بل إن مجرد مرأى لحمهم الحي يجعلنا نولي الإدبار، ساعيات وراء هواء أنقى، إلى الصحراء، التي هي لهذا السبب عينه ملاذنا.
وخفضت بنات آوى الملتفات حولي جميعهن، بما في ذلك كثيرات أقبلن لتوهن، أخطامهن بين قوائمهن الأمامية، ورحن يمسحنها ببراثنهن، كما لو كن يحاولن إخفاء شعور غلاب بالاشمئزاز، إلى الحد الذي دفعني إلى الرغبة في الوثوب فوق رؤوسهن والهرب بعيداً.
ما الذي تقترحن القيام به إذن؟
قلتها متسائلاً، وأنا أحاول الوقوف، لكني لم أستطع النهوض، فقد أطبقت ابنتا آوى فتيتان أنيابهما على معطفي وقميصي.
أوضحت ابنة آوى عجوز الأمر، بجدية تامة، بقولها:إنهما وصيفتاك، خصصتا من أجلك، تكريماً لك.
صحت، متلفتاً تارة نحو ابنة آوى العجوز، وتارة نحو بنتي آوى اليافعتين:
لا بد لهما من تركي وشأني!
قالت ابنة آوى العجوز:
ستفعلان هذا بالطبع، بما أن تلك هي رغبتك، لكن ذلك سيستغرق بعض الوقت، ذلك أنهما أحكمتا إطباق أنيابهما كما هي عادتنا، ويتعين عليهما أن ترفعا أشداقهما قليلاً قليلاً.
وفي غضون ذلك أصغ إلى ملتمسنا:
قلت: لم يجعلني تصرفكن أميل إلى هذا تماماً.
قالت، وقد لجأت إلى الكآبة الطبيعية في صوتها:
لا تأخذ علينا افتقادنا للدماثة، فنحن مخلوقات بائسة لا حول لنا إلا بأنيابنا وكل ما نريد إتيانه، سواء كان شيئاً طيباً أم شيئًا سيئاً، نقوم به مستخدمات أنيابنا.
تساءلت، دون أن تسكن ثائرتي كثيراً:
طيب، ما الذي تردنه؟
صاحت، وقد راحت بنات آوى تعوين معاً، على نحو ناء، بدا الأمر معه كما لو كن يعزفن لحناً متسق الأنغام.
سيدي، سيدي، إننا نريدك أن تنهي هذا العراك الذي يقسم العالم، فأنت بالضبط الرجل الذي تنبأ أسلافنا بأنه سيولد للقيام بهذه المهمة، ونحن لا نريد بعد اليوم أن يكون العرب مصدر ضيق لنا، نريد مجالاً لالتقاط الأنفاس، أفقاً تم تطهيره منهم، لا مزيد من ثغاء الخراف التي يذبحها عربي، أن ينفق كل حيوان نفوقاً طبيعياً، ولا تدخل إلا بعد أن نستنزف الجثة و نلعق عظامها بعد أن نسلبها اللحم. حياة نظيفة فالنظافة هي كل ما نريد.
عندئذ غرقن جميعهن في النواح والبكاء، مضت كبراهن قائلة:
كيف تتحمل الحياة في مثل هذا العالم، أنت يا صاحب القلب النبيل والنفس المرهفة، قذارة بياضهم، وقذارة سوادهم، وفظاعة لحاهم، و مرأى محاجر أعينهم يدفع المرء إلى الرغبة في البصق، حينما يرفعون ذراعاً تتثاءب ظلمة الجحيم في آباطهم، ولذا يا سيدي العزيز بيديك القويتين جز أعناقهم بهذا المقص!
واستجابة لإيماءة من رأسها، أقبلت إحدى بنات آوى مسرعة وهي تحمل مقص حياكة صغير، كساه صدأ قديم يتدلى من ناب في فكها الأعلى.
صاح القائد العربي لقافلتنا، الذي كان قد زحف تحت الريح نحونا وراح الآن يفرقع بسوطه الهائل:
هاهو المقص أخيراً وقد حان وقت التوقف!
سارعت بنات آوى بالهرب، لكنهن تجمعن متقاربات على بعد مسافة محددة، وقد انضمت إحداهن إلى الأخرى فتصلبن على نحو بدون معه كما لو كان قد ضمهن وهج مستنقعي متضائل، في طية واحدة صغيرة.
قال العربي، ضاحكاً، بقدر ما يسمح له تحفظ أبناء جلدته بالمرح:
هكذا فقد دعيت لشهود هذه التسلية أيضا أيها السيد!
تساءلت: إذن فإننا على علم بما تسعى إليه هذه الحيوانات
قال: بالطبع فهو أمر معروف للكافة، وطالما بقي العرب على قيد الوجود فان هذا المقص سيجوب الصحراء، وسيمضي معنا إلى آخر أيامنا.
وقد عرض على كل أوروبي للقيام بالعمل العظيم، وكل أوروبي هو بالضبط الرجل الذي اختاره القدر لهن، إن أشد الآمال جنوناً هي محط تعلقهن، هاته المخلوقات الحيوانية، وهن لسن إلا حمقاوات، شديدات الحمق، ذلك هو سبب حبنا لهن، فهن كلابنا ويفضلهن خير كلابكم، الآن راقب هذا الأمر، لقد نفق بعير ليلة أمس، قد أمرت به فأحضر إلى هنا.
أقبل أربعة رجال بجيفة ثقيلة، وألقوا بها أمامنا، فلم تكد تمس الأرض حتى عوت بنات آوى، وكما لو كن قد جذبن بحبال على نحو لا سبيل معه إلى المقاومة راحت كل منهن تتقدم باضطراب إلى الإمام، وزحفن على بطن البعير النافق.
كن قد نسين العرب، نسين مقتهن لهم، وسحرهن الحضور الذي يجب ما عداه والنابع من الجيفة كريهة الرائحة.
ارتمت إحداهن على عنق البعير، غرست أنيابها مباشرة في أحد عروقه.
وشأن مضخة صغيرة حادة تدفع بتصميم يعادل اليأس نحو إخماد نار تتلظى، التوت كل عضلة في جسم ابنة آوى، وكدحت لإنجاز هذه المهمة.
في لمح البصر كن قد اعتلين الجيفة جميعاً، و رحن يعملن أنيابهن فيها، وقد تحولن إلى جبل يعلوها.
أعمل قائد القافلة سوطه الباتر، على نحو متقاطع، فوق ظهورهن فرفعن رؤوسهن، وقد أخذ بهن الخدر من فرط النشوة، رأين العرب فوق رؤوسهن، أحسسن لسع السوط على أخطامهن، قفزن وتراجعن قليلاً لكن دم البعير كان متراكماً بالفعل في بحيرات، وقد ارتفعت رائحته زاعقة وبقرت الجيفة في مواضع عديدة فلم يستطعن مقاومتها وأطبقن عليها من جديد ومرة أخرى رفع القائد ذراعه بالسوط، فأمسكت به، وحلت دون أن يهوي بالسوط.
قال: إنك على حق أيها السيد، لسوف نتركهن عاكفات على عملهن، إضافة إلى هذا فقد حان وقت الرحيل.طيب.لقد رأيتهن، إنهن مخلوقات عجيبة.ألسن كذلك؟ولشد ما يمقتننا!



فرانز كافكا(1883-1924)
ترجمة: كامل يوسف حسين



عدل سابقا من قبل في الأحد أغسطس 26, 2007 7:50 am عدل 1 مرات
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://lorca.ahlablog.com/
kanaan
{{}} مشرف {{}}
{{}} مشرف {{}}
avatar

ذكر عدد الرسائل : 533
البلد : Yiebna
الوظيفة : Critic
تاريخ التسجيل : 12/07/2007

مُساهمةموضوع: رد: 'فرانز كافكا' مقاطع من بعض رواياته   الأحد أغسطس 26, 2007 7:46 am

النُّصُوصُ الْـ 15

روبنسن كروسو :
لو لم يغادر روبنسن كروسو قط أعلى، أو على الأصح، أبرزّ نقطة في جزيرته، رغبة في السلوان، أو بدافع فقدان الثقة بالنفس، أو الخوف، أو الجهل، أو التوق، للقي للتو حتفّه. لكنْ، لأنه شرع في استكشاف الجزيرة كلها، دون أن يعير أدني اهتمام للسفن العابرة ولتلسكوباتها الكليلة، فقد تمكن من الحفاظ علي حياته حتى عثر عليه في نهاية الأمر، رغم كل شيء. وتحكمت في كل ذلك سلسلة سببية كانت، بالطبع، حتمية من الناحية المنطقية.
نافذة علي الشارع :
كلٌ من يعيش حياة العزلة ويرغب مع ذلك من حين لآخر في أن يرتبط بمكان ما، كلٌ من تفاجئه الرغبة حسب تغير الوقت والطقس وظروف العمل وما شابه في أن يري ذراعا يمكن أن يتشبث بها، لن يستطيع أن يدبر أموره طويلا دون أن تكون له نافذة مشرفة علي الشارع. وإذا كان مزاجه لا يمكٌِنه من اشتهاء أي شيء فلا يفعل إلا أن يذهب وهو منهك إلي عتبة نافذته، عيناه لا تكفان عن الانتقال بين الجمهور أمامه والسماء، رأسه مرفوع قليلا نحو الأعلى، غير راغب في النظر إلي الخارج فإن الجياد المارة تحت النافذة ستسحبه، في تلك اللحظة بالذات، نحو قافلة عرباتها وصخبها، وسينجرف في النهاية إلي التناغم البشري.
المارة :
حين تسير في الشارع ليلا، تري رجلا يجري نحوك، تراه من بعيد لأن الشارع يتسلق التل والقمر مكتمل. والواقع أنك لا تحاول أن تمسك بتلابيبه ولو كان مخلوقا ضعيفا أشعث أو مطاردا من قبل شخص يصرخ إثره، بل تدعه يجري مبتعدا. فالوقت ليل، وأنت لا دخل لك في كون الشارع أمامك يتسلق التل أو كون الليل مقمرا. وبالإضافة إلى هذا، فإن الشخصين قد يكونان بدءا هذه المطاردة كي يروحا عن نفسيهما، أو قد يكونان معا في مطاردة شخص ثالث. لعل الأول بريء والثاني يرغب في قتله فتصير أنت له مشاركا. لعل كلا منهما لا يعرف عن الآخر شيئا، فقد يكون كل واحد منهما يجري نحو بيته طلبا للراحة. لعلهما طائران من طيور الليل، ولعل الرجل الأول مسلح.
ومهما يكن من أمر، أليس من حقك أن تكون متعبا؟ ألم تسرف في شرب النبيذ؟ إنك لتشعر بالامتنان لأن الرجل الثاني قد غاب عن ناظرك.
النبع :
إنه ظمآن ولا يحول بينه وبين النبع سوي كتلة من الأشجار. لكنه في حيرة من أمره: جزء منه يتجاهل الكل ويرى أنه واقف هنا وأن النبع ليس بعيدا عنه، لكن جزءا آخر لا يلحظ أي شيء، ولديه في أحسن الأحوال هاجس بأن الجزء الأول يري كل شيء. ولكنه لا يستطيع أن يروي ظمأه لأنه لا يلحظ أي شيء.
سوء حظ الأعزب :
يبدو بغيضا جدا أن يظل المرء أعزب، أن يصير رجلا عجوزا يصارع من أجل الحفاظ علي كرامته وهو يتسول دعوة كلما أراد أن يقضي أمسية في رفقة شخص ما، أن يظل طريح الفراش يحملق لأسابيع في غرفة فارغة يوجد بها سريره، أن يكون دائما مجبرا علي أن يؤدي تحية الوداع المسائية عند الباب الأمامي، أن لا يركض أبدا إذ يرتقي السلم وبجانبه زوجته، أن يكون مضطرا إلي أن يحمل عشاءه إلي البيت في يد واحدة، أن يكون مضطرا إلي أن يبدي إعجابه بأطفال غيره دون أن يكون له مجرد الحق في أن يقول: ليس لدي أطفال، أن يحاكي مظهر، ويحاكي سلوك، أعزب أو أعزبين ظل يتذكرهما منذ أيام شبابه.
كذلك سيكون الأمر، غير أن المرء سيقف في الواقع هناك ، حالا ومستقبلا، بجسد ملموس ورأس حقيقية، أعني جبينا حقيقيا يضرب به بعنف راحةّ يده.
قرارات :
من السهل أن تنتزع ذاتك من حالة نفسية تعيسة، وإن اقتضي ذلك منك قوة الإرادة. أرغِم نفسي علي مغادرة الكرسي، ثم أطوف حول الطاولة، أقوم بتمرينات للرأس والعنق، وأجعل عيني تتلألأن، وأشد العضلات حولهما. أتحدي أحاسيسي، فأرحب ب A ترحيبا حارا مفترضا أنه جاء لزيارتي، و أتحمل، بكل مودة، وجود B في غرفتي، و أتجرع كل ما يقال في بيت C، مهما كلفني ذلك من جرعات مطولة من العناء والألم.
لكن، حتى إن أفلحت في ذلك، فإن زلة واحدة، ولا يمكن تجنب الزلات، ستوقف العملية بأكملها، وهي عملية بسيطة ومؤلمة بنفس القدر، وسيكون علي عندئذ أن أنكمش وأعود إلي دائرتي مرة أخري.
وعليه، فإن أفضل ملاذ قد يكون كامنا في مواجهة كل شيء بالاستسلام، في أن تجعل من نفسك كتلة جامدة. وفي أن لا تدع نفسك، إن أحسستّ أنك منجرف، تغتر فتخطو ولو خطوة واحدة غير ضرورية. فالأفضل أن تحملق في الآخرين بعيني حيوان، ألا تحس بأي ندم. وباختصار، أن تخنق بيدك أيٌّ حياة تبقت لديك، أعني، أن توسع تلك السكينة النهائية، سكينة المقبرة، وألا تدع لأي شيء غيرها فرصة للنجاة.
وثمة حركة مميٌِزة لمثل هذه الحالة، وتتمثل في أن تمرر خنصرك علي حاجبيك.
النظر الشارد من خلال النافذة :
ماذا عسانا نفعل بأيام الربيع، هذه الأيام التي تقبل بسرعة؟ في الصباح الباكر كانت السماء رمادية، لكنك ستفاجأ الآن لو ذهبت إلي النافذة ووضعت خدك علي مزلاجها.
هاهي الشمس قد بدأت تغيب، لكنك تراها هناك تنير وجه الفتاة الصغيرة التي تواصل تجوالها وتتملي ما حولها، وتري الفتاةّ في نفس الآن وقد كسفها ظل الرجل السائر خلفها، ذلك الذي يتجاوزها الآن.
وحين يتجاوز الرجل الفتاة الصغيرة، يسطع وجهها.
جبل سيناء :
كثير من الناس يطوفون بجبل سيناء. كلامهم غير واضح، فهم إما مثرثرون، أو صارخون، أو صامتون. لكن لا أحد منهم يهبط الطريق الواسعة السهلة المستحدثة التي تساهم في جعل خطوات المرء أطول وأسرع.
الفيلسوف :
كان ثمة فيلسوف اعتاد علي التسكع حيثما كان الأطفال يلعبون. وكلما رأي ولدا يحمل خذروفا، تربص به. وما إن يبدأ الخذروف في الدوران حتى يطارده الفيلسوف محاولا أن يمسك به. ولم يكن ينزعج حين يحتج الأطفال صاخبين ويحاولون أن يحولوا بينه و بين لعبتهم. وكان سعيدا مادام بوسعه أن يمسك بالخذروف وهو يدور، لكن سعادته لم تكن إلا للحظة يلقي بعدها بالخذروف علي الأرض ثم يمضي مبتعدا. فقد كان يعتقد أن فهم أي جزئية دوران الخذروف مثلا كاف لفهم كل الأشياء. ولهذا لم يكن يشغل نفسه بالمسائل الكبرى، حيث كان ذلك يبدو له منافيا للاقتصاد. وحالما تفهّم أصغر جزئية، يصير كل شيء مفهوما، ولهذا كان منشغلا بالخذروف الدوٌّار. وكلما تهيأ الأطفال لتدوير الخذروف، استشعر الفيلسوف أملا بأن التجربة ستنجح هذه المرة: وما إن يبدأ الخذروف في الدوران ويجري هو خلفه لاهثا، حتى يصبح الأمل يقينا. لكنه يحس بالغثيان، حين يمسك بيده قطعة الخشب التافهة. صراخ الأطفال الذي لم يكن يسمعه من قبل، هذا الصراخ الذي يثقب فجأة أذنيه الآن، يطارده فيبتعد مترنحا كأنه خذروف يفر من سوط أخرق.
النمر :
ذات يوم أحضر نمر إلي المروض الشهير بورسن ليدلي برأيه في إمكان ترويضه. دفع بالقفص الصغير وبداخله النمر إلي قفص الترويض الذي كانت أبعاده معادلة لأبعاد قاعة عرض: وكان ذلك في مخيم بعيد خارج المدينة. انسحب المرافقون، فقد كان بورسن يحب دائما أن يكون لوحده مع الحيوان في أول لقاء. كان النمر يرقد هادئا، فقد طعم قبل ذلك حتى اكتفي. تثاءب قليلا، حملق ضجِرا في محيطه الجديد، ثم استغرق علي الفور في نوم عميق.
التنين الأخضر :
انفتح الباب ودخل الغرفة سمينا نضرا، جوانبه منتفخة علي نحو شهواني، لا أقدام له، يتزحزح معتمدا علي جانبه الأسفل. إنه التنين الأخضر. تحية رسمية. طلبت منه أن يدخل فورا. اعتذر متأسفا علي كونه عاجزا عن الدخول، لأن طوله مفرط. وكان هذا يعني أن الباب يجب أن يظل مفتوحا، وهو وضع لا يخلو من حرج. ابتسم في ارتباك ومكر، ثم قال:
جئت هنا منجذبا بشوقك أنت. جئت من بعيد أزحزح نفسي طوال الطريق، وجانبي الأسفل الآن منكشط مؤلم. لكنني مسرور لحضوري. مسرورا جئت، مسرورا أهبك نفسي.
الإمبراطور :
شكٌّ رجل في كون الإمبراطور سليل الآلهة: أكد أن الإمبراطور هو عاهلنا الشرعي. لم يشكك في الرسالة الإلهية للإمبراطور (كان ذلك بالنسبة له بديهيا)، لم يكن يشك إلا في أصله الإلهي. ولم يتسبب هذا طبعا في اضطراب كثير. فحين تقذف الأمواج المتكسرة نحو البر بقطرة ماء، فإن ذلك لا يوقف الحركة الأبدية لأمواج البحر، بل علي العكس من ذلك يتسبب فيها.
لا تحاول :
كان الوقت مبكرا وكانت الشوارع نظيفة مهجورة. كنت في الطريق إلي المحطة. وحين قارنت ساعة البرج بساعة يدي أدركت أن الوقت متأخر أكثر مما ظننت. كان علي أن أستعجل، فصدمة هذا الاكتشاف جعلتني أحس أنني غير واثق من معرفة الطريق. لم أكن قد تعودت علي المدينة بعد. ولحسن الحظ، كان بالقرب مني رجل أمن، عدوت نحوه لاهثا وسألته عن الطريق. تبسم وقال: أنت تسأل عن الطريق؟ قلت: أجل، مادمت لا أستطيع أن أهتدي إليها دون مساعدة. قال: لا تحاولْ! لا تحاولْ! ثم استدار وقد اهتز فجأة كأنه أراد أن ينفرد بنفسه كي يضحك.
الرحيل :
أصدرت الأمر بأن يحضّر حصاني من الإسطبل. لم يفهمني الخادم. ذهبت بنفسي إلي الإسطبل، فسرجت الحصان وامتطيته. سمعت بوقا من بعيد فسألته ماذا يعني هذا. لم يكن يعرف شيئا ولم يكن قد سمع شيئا. استوقفني عند البوابة سائلا :إلي أين تمضي، سيدي؟ أجبت: لست أدري. كل ما أعرفه أنني راحل بعيدا، بعيدا من هنا. بعيد من هنا وإلي الأبد. لن أبلغ هدفي إلا بالابتعاد من هنا. ثم سألني: إذن، أنت تعرف هدفك؟ أجبته: أجل، ألم أقل لك إنه بعيد من هنا، ذلك هدفي. قال: لكنك لم تتزود. قلت: لست في حاجة إلي زاد. الرحلة طويلة. فإن لم أعثر في الطريق علي أي شيء، هلكت جوعا. لن ينقذني أي تموين مدخر. فالرحلة، لسوء الحظ، طويلة طويلة.
السعاة :
كانوا قد جيٌِروا بين أن يصيروا ملوكا أو سعاة يخدمون الملوك. وكالأطفال، اختاروا أن يكونوا سعاة. ولذلك ليس هناك غير سعاة يجوبون العالم مستعجلين. ولغياب الملوك، فإنهم يصرخون متبادلين رسائل لم يعد لها أي معني. إنهم يرغبون في أن يضعوا حدا لحياتهم البئيسة، لكنهم لا يجرءون علي التنكر لأيمانهم بأن يظلوا في الخدمة.
____________
فرانز كافكا
ترجمة : حسن حلمي


عدل سابقا من قبل في الأحد أغسطس 26, 2007 7:49 am عدل 1 مرات
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://lorca.ahlablog.com/
kanaan
{{}} مشرف {{}}
{{}} مشرف {{}}
avatar

ذكر عدد الرسائل : 533
البلد : Yiebna
الوظيفة : Critic
تاريخ التسجيل : 12/07/2007

مُساهمةموضوع: رد: 'فرانز كافكا' مقاطع من بعض رواياته   الأحد أغسطس 26, 2007 7:47 am


كُلُّ إِنْسَانٍ يَحْمِلُ فِي دَاخِلِهِ غُرْفَةً

إنَّها تريدُ تذكيرنا ! كَمَا لو أنَّ الكلمات لها القدرةُ على التذكير!
لأنَّ الكلمات مثل متسلقي جبالٍ سيئين. فهم لا يجلبون الكنوز، لا تلك التي في أعالي الجبال ولا تلك التي تختبئُ في أعماقِ الجبال!


هناك تَذَكُّرٌ حَيويٌ، يَمُرُّ عابراً في كلِّ قيمِ التذكرِ، يُمسدها برقةٍ مثلَ يدٍ حَنون. وإذا تَصاعدَ لهبٌ من هذا الرماد، مشتعلاًً وحاراً، قوياً وعنيفاً بينما تبحلق أنت بثبات، كما لو كنت مُسَيَّرَاً من قُوىً سحرية، فيعني…
لكن في هذا التذكرُ الوجلُ، لا يستطيعُ المرءُ كتابةَ اسمه بيدٍ غشيمةٍ وآلةِ عملٍ يدوية خشنة، في هذه الأوراق البيض، القنوعة التي ترضى بالقليل.
عندما نتحدثُ مع بعضنا: تكونُ الكلماتُ قاسية، يمرُّ المرءُ عليها كما لو أنه يسيرُ على بلاطِ شارعٍ مرصوفٍ بصورةٍ سيئة. الأشياءُ الأكثر رقة تصبحُ أقداماً ثقيلة الحركة، ولا نستطيعُ فعلَ شيءٍ لها. إننا مثبتون ببعضٍ في الطرق، أصطدمُ بك وأنتَ تصطدم بي - لا أجرؤ على الحركة، وأنتَ أيضاً. وعندما نصلُ إلى بعض الأشياء، التي هي ليست بالضرورةِ أحجارَ طريقٍ، نرى فجأةً، بأننا نملكُ ألبسةً مُقنعةً وأقنعةَ وُجُوه، نعملُ بحركاتٍ مُدوَّرة (أنا قبل كل شيء) ولنصبح فجأةً حزينين ومنهكين.
هل كنت ذات يوم متعباً مع أحدٍ كما أنت معي؟
أنا متعبٌ، يجبُ أن أفتش عن نفسي عبر راحة النوم، وإلا فإنني ضائعٌ لا مَحالة.
أيُّ عناء، لكي يلقى المرءُ نفسه!
لا يحتاجُ بذلَ جهدٍ مثل هذا أيُّ تمثالٍ لكي يقف المرءُ على قدميه.
نحن مهجورون مثلَ أطفالٍ ضلّوا الطريقَ في الغابة. إذا وقفتَ أمامي وتطلعت بي، فهل ستعرف شيئاً من الآلامِ، التي فيّ، وأيُّ شيءٍ سأعرفه أنا، من الآلامِ التي فيك؟
وماذا سيحصلُ، لو رميتُ نفسي أمامكَ وبكيتُ وأنا أحكي لك، فهل ستعرفُ شيئاً مني، أكثرَ مما تعرفه عن الجحيمِ عندما يحكي لك أحدهم عنه، واصفاً حرارته ورُعبه؟ ويكفي هذا السبب لوحده، لكي نعرفَ، نحن البشر، أن علينا أن نهابَ بعضنا البعض جداً، أن نُمعنَ في التفكير كثيراً، وأن نقفَ إلى جانبِ بعضنا مُتضامنين، كما لو كُنا نقفُ عند مدخلٍ يؤدي إلى الجحيم.
كلُّ إنسانٍ يحملُ في داخله غرفة. هذه الحقيقة يستطيعُ المرءُ التأكدَ منها عندَ إصاخته السَّمعَ. فعندما يسيرُ أحدهم بسرعةٍ ويُصيخُ السمعَ بدقةٍ، في الليلِ مثلاً، عندما يكونُ كلُّ شيءٍ حولنا صامتاً، فإنَّ المرءَ سيسمعُ مثلاً، خشخشةَ مِرآةِ حائطٍ ليست مُثبتةً بشكلٍ جيد.
إلى أيِّ مدىً من اللامبالاةِ يمكن أن تصلَ الإنسانيةً؟ إلى أيِّ قناعةٍ عميقةٍ، بحيثُ أن المرءَ يفقدُ وللأبدِ كلَّ حسٍّ صَحيحْ؟
كلُّ علمٍ هو منهجٌ مَا للبحثِ عند مُقارنَتِه بالمطلق. لذلكَ لا حَاجة للخوفِ من ضرورةٍ منهجيةٍ واضحة. إنَّها القشرةُ، لا شيءَ أكثر من ذلك، باستثناءِ أن تكونَ أكثرَ من نفسها.
ضعفُ الذاكرة للتفاصيل الصغيرةِ ولمجرى التصور الخاص بالعالم فألٌ سيئٌ تماماً. فقط أجزاءٌ من الكلّ. كيف تريدُ إذاً تأديةَ أكبر الواجبات، أن تتشمَّمَ قربها فقط، أن تحلمَ بوجودها، أن تتوسل حُلمَها على الأقل، إذا كنتَ لا تستطيعُ التعبير عن نفسكَ بهذه الدقة، بأنك، عندما تأتي لاتخاذِ قرارٍ، تقبضُ بيدك على نفسك كلها، مثلما تقبضُ على حجرٍ لرميه، أو على سكين للذبح. من ناحيةٍ أخرى: على المرء ألا يبصقَ في اليدين، قبل أن يبسطَهُمَا.
نحن، إذا رأينا ذلكَ من زاويةِ عينين ملطختينِ بما هو أرضي، في وضعٍ يشبه وضعَ مسافرينِ في قطارٍ، تعرضوا لحادثٍ مؤسف في نفقٍ طويل، وبالذات عند تلك النقطة، حيثُ لا يرى المرء الضوء في بداية النفق، إنما يرى عند نهايةِ النفق ضوءاً ضعيفاً جداً جداً، لدرجة أن النظرةَ تصبحُ مجبرةً بالاستمرار على البحث دائماً، لأنها تضيعُ دائماً، حيثُ لا تكونُ حتى البداية والنهاية مؤكدة.
ابتداءً من نقطةٍ معينةٍ لن يكونَ هناك خطّ رجعة. تلك هي النقطةُ التي يجبُ الوصولُ إليها.
من الخارجِ يستطيع المرء دائماً، عن طريقِ النظريات، أن يكسرَ العالم بانتصار، ويأخذه معه للهاوية، لكن فقط من الداخلِ يلقى المرء العالم ونفسه بهدوءٍ وبحقيقية.
تاريخُ الإنسانية هو اللحظةُ التي تقعُ بين خطوتينِ لجوالٍ.
مأساة دون كيشوت ليست خياليه، إنما سانشو بانسا. سانشو بانسا، الذي لم يشتهر، نجحَ مع مرورِ السنين، عن طريقِ تهيئةِ أعدادٍ كبيرة من روايات الفروسية واللصوصية في ساعاتِ الليل لشيطانه، الذي سَمَّاه لاحقاً دون كيشوت، في إلهاءِ نفسه لدرجةِ، أن هذا قام من دون تحفظٍ بممارسة أفعالٍ جنونيةلم تضر أحداً، لكنها وبسببِ نقص أحدوثة ما كان يجبُ أن يقعَ فيها بالذات سانشو بانسا. على أيِّ حالٍ، سانشو بانسا رجلٌ حر، تبعَ من دون تحفظ، ربما بسبب شعورٍ خاص بالمسؤولية، دون كيشوتة في كلِّ حملاته وامتلكَ في النهاية تسليةً مفيدة وكبيرة حتى نهايته.
هناك مخابئ لا تُحصى، وهناكَ إنقاذٌ واحدٌ فقط، لكن إمكاناتُ الإنقاذ من جهةٍ أخرى كثيرة مثل المخابئ.
هناك هدفٌ، لكن ليس هناك طريق؛ لأن ما نسميه طريق، هو التردد (…). لا تسمح للشرِّ بأن يجعلك تعتقد، أن بإمكانكَ الحصول على الأسرار منه.
الشرُّ هو ما يُلهي. الشرُّ يَعرفُ عن الخير، لكن الخيرَ لا يعرفُ شيئاً عن الشر. معرفةُ النفس يَملكها فقط الشرير.
الانتحاري هو السجين، الذي يرى مشنقةً انتصبت في صحنِ السجن، فيعتقدُ بضلالٍ، أنها نُصبت له هناك، فيهربُ في الليل من زنزانته، يتوجَّه إليها ويشنقُ نفسه عليها.
الإيمان بالتقدمِ لا يعني الاعتقاد، بأنَّ التقدم حدثَ سلفاً. في هذه الحالة لن يكونَ هناك إيمان.
الحياةُ ملهاة مستمرة، لدرجةِ أنها لا تسمحُ للمرءِ لأن يفكر قليلاً، بأيِّ وسيلةٍ تُلهيه.
لم أفهم أبداً ما هي القوانين.



فرانز كافكا .
ترجمة نجم والي

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://lorca.ahlablog.com/
 
'فرانز كافكا' مقاطع من بعض رواياته
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
موقع يوتيوب :: 

¤©§][§©¤][ الاقسام العامة ][¤©§][§©¤

 :: الملتقى الثقافي والادبي
-
انتقل الى: