موقع يوتيوب

يوتيوب - YouTube - مقاطع يوتيوب - موقع يوتيوب - فيديو يوتيوب
 
الرئيسيةالبوابةس .و .جبحـثالتسجيلالأعضاءالمجموعاتدخوليوتيوب

شاطر | 
 

 ملف مكسيم رودنسون

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
kanaan
{{}} مشرف {{}}
{{}} مشرف {{}}
avatar

ذكر عدد الرسائل : 533
البلد : Yiebna
الوظيفة : Critic
تاريخ التسجيل : 12/07/2007

مُساهمةموضوع: ملف مكسيم رودنسون   الأربعاء سبتمبر 19, 2007 3:00 pm

المستشرق ماكسيم رودنسون وقف
على مفترق اليهودية والاسلام
يحتل المستشرق الفرنسى ماكسيم رودنسون المتحدر من عائلة يهودية روسية، والذى توفى الاحد فى مرسيليا (جنوب شرق) عن 89 عاما، مكانة خاصة على مفترق اليهودية والاسلام، حسب ما وصفه المؤرخ جيرار خوري.

وكان رودنسون اللغوى والمتخصص بثلاثين لغة ولهجة والكاتب الغزير الانتاج، رجلا ملتزما ولا سيما لمصلحة القضية الفلسطينية. وقال خورى الباحث فى معهد دراسات العالم والاسلامى فى اكس-اون-بروفانس قرب مرسيليا، لوكالة فرانس برس "ان ميزاته الاساسية كانت تأهيلا نموذجيا ودقة وصرامة اتاحتا له ولوج عالم العلوم من بابه الواسع، اضافة الى مواقف سياسية شجاعة انطلاقا من معرفته بخفايا الثقافتين".

ولد رودنسون من عائلة متواضعة فى السادس عشر من كانون الثاني/يناير 1915 من والد روسى وام بولندية . وعمل فى مطلع حياته كمستخدم جوال فى احد المكاتب.

ونجح رودنسون العصامى فى السابعة عشرة فى مباراة الدخول الى معهد اللغات الشرقية ونجح لاحقا فى شهادة البكالوريا. وفى 1937، تزوج ودخل الى المركز الوطنى للبحوث العلمية وانتسب الى الحزب الشيوعي.
وقال المؤرخ جيرار خورى الذى يعرف رودنسون منذ ثلاثين عاما "كان شخصا شديد التدقيق والتمحيص وموسوعيا كبيرا". وفى 1977، بدأ الرجلان حوارا نشر تحت عنوان "بين الاسلام والغرب".

واوضح خورى "ان اعماله المعترف بها من قبل الاوساط العلمية، تصل فى الوقت نفسه الى العموم"، مضيفا ان العمل الرئيسى لماكسيم رودنسون هو "محمد" (1961) وهو قراءة ماركسية موثقة لحياة النبي. واضاف خورى ان "رودنسون ساهم فى تعديل القراءة الطائفية للاسلام الذى لا يعجز حسب رايه عن الدخول الى الحداثة. انه اسهام كبير على نقيض ما نشهده اليوم، اى جهل بالاسلام".

وماكسيم رودنسون الذى عمل من اجل التقارب بين ضفتى المتوسط عن طريق التعددية وحوار الثقافات، اتخذ موقفا فى 1968 من القضية الفلسطينية. وانشأ مع المستشرق الفرنسى جاك بيرغ مجموعة الابحاث والاعمال من اجل فلسطين.

وقال خورى ان هذا العمل "سبب له بصفته يهوديا ومعاديا للصهيونية، كل انواع الانتقادات والتهديدات الممكنة. لكنه لم يتخل عن هذا الموقف ابدا".

واوضح "لم يكن يتخذ ابدا موقفا من دون الاخذ بالاعتبار كل الاحتياطات اللازمة. كان يخشى خدش الحقيقة العلمية وجرح الاخرين. كان يقف عند مفترق القيم اليهودية وتلك الخاصة بالعالمين العربى والاسلامى فى جو من التفاهم وليس الاستبعاد".




مرسيليا (فرنسا) ــ كاترين راما: - 25.05.2004



عدل سابقا من قبل في الأربعاء سبتمبر 19, 2007 6:35 pm عدل 1 مرات
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://lorca.ahlablog.com/
kanaan
{{}} مشرف {{}}
{{}} مشرف {{}}
avatar

ذكر عدد الرسائل : 533
البلد : Yiebna
الوظيفة : Critic
تاريخ التسجيل : 12/07/2007

مُساهمةموضوع: رد: ملف مكسيم رودنسون   الأربعاء سبتمبر 19, 2007 3:01 pm

العيش في مدينة صيدا
صادفت مواقف عجيبة في صيدا خلال التدريس في المقاصد. دخلت صباح يوم من شهر أيار (مايو) 1941 الى الصف كبقية الأساتذة فبادرني الطلاب بالوقوف والهتاف دفعة واحدة: فليسقط الاستعمار. قلت حسناً. فهمنا. فلنبدأ الدرس. قالوا: "لا. لا. انتهى الصف ألم تسمع الأخبار من الإذاعة. هناك انتفاضة تدور الآن في العراق وكلنا مستنفرون هنا ولن ندرس بعد الآن لا اللغة الفرنسية ولا اللغة الإنكليزية ولا الرياضيات. لا شيء على الإطلاق. لقد حضرنا أنفسنا للحرب من اجل دعم إخواننا في العراق.
قلت للطلاب: لا بأس إذا قررتم ألاّ تتعلموا فهذا الأمر يناسبنا نحن الأساتذة, يمكن أن نمضي الوقت في التنزه... وبالفعل غادرت الصف متوجهاً الى غرفتي. بعد قليل من الوقت طرقوا باب الغرفة ودخلوا ثم قالوا لي: أستاذ نريد منك ان تساعدنا على التدرب على السلاح والقتال. أدهشني هذا الطلب وقلت لهم انا لا اعرف شيئاً من ذلك. لقد كنت جندياً بسيطاً في الجيش الفرنسي. قالوا: كنت جندياً وهذا يكفي. أنت تقول ذلك عن نفسك ولكن ليس صحيحاً فقد رأينا على طاولتك كتاباً بعنوان "دليل ضابط المشاة", إذاً يجب ان تساعدنا لأننا حاولنا ايجاد مدرب آخر دون جدوى. وشددوا عليّ كثيراً وأتعبوني بإلحاحهم فقلت لهم: حسناً سأعلمكم ما أعرف ولكن انتبهوا, ما اعرفه لا يبدو انه مفيد للغاية بدليل ما حصل في فرنسا أثناء الهجوم النازي, ولو كانت هذه المعرفة مفيدة جداً لما حصل ما حصل في السنة الماضية. فقالوا ليس لدينا خيار آخر.
كنت بالفعل احتفظ بالكتاب الذي اشاروا اليه كما احتفظ بكتب كثيرة, لكني لم اكن مهيأ لنقل معرفة مفيدة. قلت لهم حسناً وبدأت بتدريبهم على كيفية اطلاق النار, نظرياً بطبيعة الحال. شرحت لهم وضعية إطلاق النار وقوفاً ثم ركوعاً ثم انبطاحاً. كان المشهد جديراً بأن تنقله ريشة مؤلف كوميدي.
كان مشهد التظاهرات والتجمعات في ساحة صيدا الرئيسية لافتاً للنظر. كنت اشاهد من غرفتي المطلة على الساحة حكواتياً يروي قصصاً للناس في طرف الساحة حيث يقع مقهى كبير, وكنت احب بفضول معرفة ما يدور في الساحة, وكيف يتصرف أولئك الرجال الذين يدخنون النارجيلة. خلال الجلسات كان يتوقف الحكواتي احياناً عن الكلام, ويُشَغَّل في المقهى مذياع كبير يرتفع منه صوت يقول: هنا برلين حيّ العرب, فيرد الحضور بالعربية: أهلاً وسهلاً. وهنا يبدأ المذيع بالكلام. اعتقد ان اسمه يونس بحري. كان يتحدث بطلاقة كبيرة, وقد التقيته بعد سنوات في احد مقاهي بولفار سان ميشال.
أهالي صيدا يخضعون كغيرهم لقانون العرض والطلب في السوق, وهذا القانون مهيمن في لبنان عموماً. اذكر انني اشتريت قبل دخول الإنكليز الى المدينة بعض الكتب من صاحب المكتبة الوحيدة في المدينة, وهو من آل الأنصاري. كان يبيع كتباً بلغات شتى من بينها الانكليزية فاشتريت بعضها. وكان اهالي صيدا قد علموا ان الجيش الانكليزي, سيدخل الى مدينتهم واستنتجوا ان دخوله سيحوجهم الى تعلم اللغة الانكليزية وسيرفع اسعار الكتب الانكليزية, لذا بادروا الى شرائها بكثرة.
ذات يوم, وبعد إلحاح الزبائن, قال لهم الأنصاري: إذهبوا الى المدرّس مكسيم في مدرسة المقاصد فهو اشترى بعض الكتب من عندي باللغة الانكليزية, يمكنكم ان تسألوه اذا كان راغباً ببيعها.
لم يتردد الزبائن فجاء منهم 5-6 شبان صيداويين وقالوا إن الانصاري اخبرهم ان لدي كتباً باللغة الانكليزية اود بيعها, فأجبتهم انني غير راغب في ذلك لأنني احب الكتب كثيراً, وأحب الاحتفاظ بها, وبعضها لم انته من قراءته فقالوا لي: استاذ يبدو انك تريد ان تنتظر حتى يرتفع ثمنها كي تبيعها بسعر مرتفع أليس كذلك؟! هذه الواقعة تعكس بعضاً من خصائص المجتمع الصيداوي.
لم اتمكن من زيارة الكثير من البيوت الصيداوية ولم اتعرف تماماً الى مطابخ البيوت, لأنني كنت اعيش حالاً خاصة, فالمقاصد تتحمل نفقات اقامتي وتقدم لي الاكل اليومي, ولم اكن حسن الهندام بسبب ضآلة راتبي. دعيت مرتين من طرف عائلة استاذ لبناني من المدرسة من آل أفتيموس.
بقيت في صيدا من شهر كانون الاول (ديسمبر) 1940 الى شهر حزيران (يونيو) عام 1941 وغادرتها مجبراً بسبب دخول الانكليز اليها. ما زلت اذكر ان التجار هم اول من علم بتحركات الانكليز.
مقطع من كتاب "الجندي المستعرب" لفيصل جلول, منشورات دار الجديد - بيروت 1998.

مكسيم رودنسون - الحياة - 2
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://lorca.ahlablog.com/
kanaan
{{}} مشرف {{}}
{{}} مشرف {{}}
avatar

ذكر عدد الرسائل : 533
البلد : Yiebna
الوظيفة : Critic
تاريخ التسجيل : 12/07/2007

مُساهمةموضوع: رد: ملف مكسيم رودنسون   الأربعاء سبتمبر 19, 2007 3:03 pm

الإنسانية من لمّ الشتات الى عصبيات متناحرة
انقضى أكثر من نصف قرن على نشر مكسيم رودنسون مقالاته الأولى, ثم كتابه الجامع الكبير في سيرة نبي الاسلام. ولم يكن شيء يعدّ الشاب الفرنسي المولود في أسرة يهودية وحرفية متواضعة, ليس بينها وبين "السلالات" الأكاديمية صلة, الى مباشرة الدراسات الشرقية على النحو غير التقليدي الذي باشرها عليه وجدد فيها. فهو دخل هذه الدراسات من أبواب ثلاثة لم تكن الأبواب التي جرى سابقوه, ومن درس عليهم, على الدخول منها. فدخلها من باب انتساب أسرته وطفولته الى ثقافة واجتماع "ساميين", بينهما وبين المجتمع الفرنسي "الأصيل" والغالب بعض الجفوة. وهذه لم تلبث, في ثلاثينات القرن الماضي إبان مسير النازية والحركات الفاشية الى السلطة, أن تحولت الى نفرة, والى اضطهاد صريح في أوقات لاحقة.
فقادت الجفوة, فالنفرة والاضطهاد, الشاب الى الباب الثاني الذي دخل منه الدراسات الشرقية, وهو باب الحركة العمالية. فدخله مسوقاً باختباره حياة أهله وصغار الحرفيين في بيئته الأولى. وجمعت الحركة العمالية, قبل ان تستولي الأحزاب الشيوعية على شطر من سياستها وقيادتها وأفكارها غداة الحرب الثانية بأوروبا, جمعت القيام على علاقات اجتماعية تقسر العمال على عمل قاس ومضن, وتسجنهم بهامش المجتمع وفي "طبقة" دنيا من طبقاته ومراتبه, الى نازع انساني و"كوني" عام.
وانتسب رودنسون الفتى (فالشاب) الى وجهي الحركة العمالية هذين. وهو لم ينفك, قبل تركه الحزب الشيوعي الفرنسي وبعده, يجدد الجمع هذا بين القيام على الظلم والتمييز الاجتماعيين وبين التوق الى انسانية جامعة. ودلف الطالب من الحركة العمالية الى باب الماركسية (الثالث), يوم كانت الأحزاب الشيوعية الأوروبية تزعم حمل لواءي قيام العمال على الظلم الاجتماعي, ونقد الرأسمالية والفاشية العنصرية, معاً.
ولم ينس شيئاً من روافد تراثه الشخصي والعام هذا حين باشر دراسته, وكتابته وتدريسه من بعد. فأدخل مسائل هذه الروافد على أبحاثه. ويومها بدا الأمر إقحاماً وتعسفاً.
فلم تقتصر دراسته نشأة أحد أديان الانسانية الكبرى على محاولة تعليل النشأة في ضوء ملابساتها السياسية والاجتماعية والثقافية البارزة, من صراع امبراطوريات وخريطة طرق المبادلات وسعة هجرات, بل بث في ثنايا تأريخه ما حصله من اختباره الطويل للعلاقات الشخصية والسياسية والشللية في صفوف الأحزاب والجماعات المتنافسة والمتصارعة. والسيرة هذه تعاقب على كتابتها أساطين الدراسات الشرقية, في اللغات الأوروبية "الكبيرة" وفي العربية, واستقر رسمها على مثال معروف يتناول نقد المصادر والمقارنة بينها (وهذا ما برع فيه رودنسون في إحدى المقالات الجامعة).
ولكنها أمست بين يدي رودنسون رواية حوادث كثيرة التعرج والانعطاف, نسيجها من أهواء صانعيها وأصحابها, ومن أحكامهم وأفكارهم ووقائع وقتهم. فلم ينجم عن الانحياز الى التعليل التاريخي, ولو "الماركسي", تحكيم أقدار محتومة "مادية". ووجد رودنسون متسعاً لتناول سياسي, فلماكيافيلي (على معنى الدراية والتدبير التاريخيين), في تقصي سيرة تجاذبها "علماء النفس" واللغويون والمداحون وكتّاب حوادث الزمان وحولياته. وترددت في سياقات الحوادث الكثيرة والبعيدة والغريبة (على قراء رودنسون المباشرين وعلى غيرهم) أصداء المنازعات والانقسامات والانشقاقات المعاصرة. ووقع المؤرخ, واللغوي وصاحب الاجتماعيات والسياسيات, على اجسام العصبيات وعباراتها المتشابكة, في وقت استثنائي.
وسرعان ما ترك الباحث الموضوع التاريخي التقليدي (شكلاً) الى موضوع لم يعتد دارسو الشرقيات والاسلاميات على طرقه, ولا يؤهلهم اعدادهم "الثقافوي" الى تناوله, هو الاسلام والرأسمالية. فأعمل في تاريخ الفقه ومناهجه ومدارسه وأحكامه وأمصاره ابواب التاريخ الاجتماعي والاقتصادي العام ومسائله. وأخرج تاريخ الاسلام, والمسلمين ومجتمعاتهم, من الانماط الثابتة التي حُمل عليها هذا التاريخ, ولا يزال يحمله عليها كثيرون. فتعقب في شعابه مصائر العمل الحر والمأجور, ومراكمة الثروات, وفقه الحيل, وطرائق الصنع, و"إيديولوجيات" السلطة والمراتب, وسيرورات المنازعات والخلافات المحلية والعامة.
فلم يقع على حاجز "طبيعي" أو "ثقافي" متأصل يحول بين المجتمعات التي يدين أهلها اليوم بالاسلام وبين ولوج مسالك الرأسمالية, عملاً وانتاجاً وتبادلاً وتوزيعاً وتخلّقاً (بخلق اجتماعي مناسب). ويوم كتب رودنسون كتابه هذا (في 1966) لم تكن "التنينات" الأسيوية استنت سننها, ولا كانت الأسواق الناشئة برزت وظهرت. وكانت اليابان استثناءً آسيوياً يبحث الباحثون عن علله في ماضٍ اقطاعي مفترض ومشترك مع أوروبا. فلم يُدخل الباحث المجتمعات الاسلامية في نطاق تاريخ اجتماعي وسياسي و"فقهي" مشترك وحسب, وهي جُعلت على حدة منه تسويغاً لدوام تسلط, بل انتزع التاريخ الاجتماعي والسياسي و"الفقهي" المشترك من انطوائه واعتكافه واعتزاله. ولعل رودنسون أراد بفعله المزدوج تحقيق الجامع العام, أو الكلي الانساني الذي كان حادي أعماله الفكرية ومواقفه وآرائه السياسية والظرفية كلها, تحقيقاً عينياً.
وخلّف مع عمليه التاليين, "اسرائيل والرفض العربي" (1968) و"الماركسية والعالم الاسلامي" (1972), الدراسات التاريخية والاجتماعية والثقافية العريضة والمديدة. فتناول مسائل حارة وملتهبة. وسعى, شأنه في عمليه السابقين الكبيرين, في حمل "اللاهوت" - أو الأنماط والأحكام والمنازع التي تزعم الثبات لنفسها, والصدارة لأصحابها, والموت والمرتبة الدنيا لأعدائهم - على السياسة والاجتماع وملابساتهما. ولكنه تنبه على دوام منازع "إنسانية" عصية على "الإقرار بالعالم" (على قول معاصره وزميله المختلف, جاك بيرك), وعلى التغير. وغذى تنبهه هذا, في سياق النزاع العربي - الاسرائيلي وانفجاره غداة استتمام الشعوب المستعمرة استقلالها, عمله المكتوب الأخير, "من فيثاغوروس الى لينين" (1993), في التأريث الإيديولوجي.
وانقلاب معنى "الإنسانية" من قصد تاريخي جامع يعم البشر على مختلف أقوامهم وطبقاتهم ومعتقداتهم, ويؤلف بينهم من غير ان ينكر كثرة روافدهم ومصادرهم, الى "طبائع" يذكي دوامها وثباتها المنازعات الدامية, هذا الانقلاب هو من علامات الزمن الجارحة والباعثة على الغم. والغم من المشاعر التي يصعب على من عرف مكسيم رودنسون ولو لماماً, وقرأه بعناية, تصور نزولها في ساحته التسعينية.

وضاح شرارة - الحياة - 2004
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://lorca.ahlablog.com/
kanaan
{{}} مشرف {{}}
{{}} مشرف {{}}
avatar

ذكر عدد الرسائل : 533
البلد : Yiebna
الوظيفة : Critic
تاريخ التسجيل : 12/07/2007

مُساهمةموضوع: رد: ملف مكسيم رودنسون   الأربعاء سبتمبر 19, 2007 3:04 pm

عروبة مكسيم رودنسون
عندما جاء خبر موت المستعرب الفرنسي الكبير مكسيم رودنسون، تذكرت المركز الثقافي الجامعي في بيروت، حيث استمعت اليه محاضراً للمرة الأولى، في أواخر ستينات القرن المنصرم. كنا مجموعة من الطالبات والطلاب في الجامعة اللبنانية وكلية الآداب العليا الفرنسية، نجتمع في ذلك المركز في البسطا، نطالع الكتب، وندرس، ونشارك في مناقشات صاخبة حول الثورة الطالبية في العالم واليسار الجديد. المركز الذي أسسه كاهن يسوعي يدعى سليم عبو، تحوّل ملتقى لتيارات فكرية وسياسية مختلفة. من شهابية بول طنوّس المستترة، الى ماركسية اليكو بيضا ومجموعة الـ F.F.E. (جبهة القوى الطالبية) التي مهّدت لانشقاقات الحزب الشيوعي اللبناني، الى الازدواج اللغوي اللبناني بحسب سليم عبو. في ذلك المركز الصغير خيضت معارك فكرية، وجرى اكتشاف العلمانية والمقاومة الفلسطينية، وتمت يسرنة جيل من الشباب، أخذته الحياة والحرب الأهلية بعد ذلك، في دروبها المختلفة والمتناقضة.
يومها اجتمعنا حول رودنسون، اليساري، اليهودي، المناضل ضد الكولونيالية، والمدافع عن الحق الفلسطيني. كانت كتاباته عن إسرائيل كظاهرة كولونيالية قد ترجمت الى العربية، وكان وجود هذا المثقف الفرنسي في بيروت، وحوله مجموعة من الشبان والشابات اليساريين، جزءاً من البحث عن قاموس سياسي وفكري جديد، يحاول نفض الغبار الستاليني البكداشي عن العقول، ويعيد اكتشاف القضية العربية، في وصفها رؤية تحررية، وجزءاً من ثورة العالم الثالث.
لم يدهشنا رودنسون بتواضعه ونضاليته فحسب، بل ادهشتنا معرفته التفصيلية والدقيقة بالثقافة العربية والاسلامية. اكتشفنا معه ان طريق المعرفة يحتاج الى الكثير من العمل، وأن الوصفات الجاهزة التي كانت دارجة في تلك الأيام، الشعائرية الماوية والقداسة الغيفارية والبيان الشيوعي، ليست ادوات سحرية للمعرفة والتغيير، بل قد تكون عوائق أمام قدرتنا على اكتشاف مجتمعاتنا بتعقيداتها الثقافية المختلفة. كنا نريد منه أن يبدأ من الاستنتاج السياسي، في حين أن بحثه كان يتركز على تحليل الظواهر في وجوهها المختلفة، نازعاً عنها قشرتها الخارجية من أجل الوصول الى المعرفة.
أردنا التركيز على انتمائه الديني، في وصفه مناضلاً يهودياً ضد الصهيونية. في تلك الأيام لم يكن الانحطاط قد وصل الى ذراه التي تجعل من كل يهودي صهيونياً رغماً عنه، ولم تكن الأقلام الفاشية تجرؤ على اتهام، من يدعو الى بيروت مناضلاً يهودياً ضد الصهيونية، بالعمالة او "التطبيع". بل على العكس، كان الوعي الخارج بجروح الهزيمة الحزيرانية، يحاول ان يعي الأسباب الداخلية لهزيمة العرب الكبرى، وأن يصنع وعياً جديداً عبر الاندراج في الحركة الثورية العالمية المعادية للامبريالية. لكن الهزيمة نجحت في تسليط الفكر الأصولي الذي كان بديلاً - رديفاً للعسكريتاريا القومية المتسلّطة، بحيث تمّ ايصال المشرق العربي عشية نهاية الحرب الباردة الى الحضيض. كانت يهودية رودنسون علامة على بطلان الحجة الصهيونية، ودليلاً على أن حلّ المسألة الفلسطينية ممكن في دولة علمانية ديموقراطية كانت المرتجى في مشرق عربي ديموقراطي جديد، يصنع الشرق الأوسط الكبير، ولكن ضد الهيمنة الاميركية والطغيان الصهيوني. رودنسون الذي كتب كثيراً عن اسرائيل والصهيونية، ورسم أول الأطر النظرية لفهم المشروع الكولونيالي الصهيوني، لم يكن يهودياً إلا بمقدار تصنيف الآخرين له في وصفه كذلك. كان أممياً يحاول أن يضع المعرفة في خدمة رؤيته للحق والعدالة.
البروليتاري الذي بدأ حياته كادحاً، جاء الى لبنان مع الجيش الفرنسي خلال الحرب العالمية الثانية. كان شيوعياً فرنسياً وصديقاً لليساريين اللبنانيين. عمل في صيدا، وتنقل بين مدن البلاد الشامية، وبقي حتى آخر حياته المديدة استاذاً لأجيال من الجامعيين العرب الذين تعلموا منه الوعي النقدي، الذي تجاوز المقولات الاستشراقية الجامدة.
لم يكن رودنسون مستشرقاً. عندما جاء ادوارد سعيد عام 1980 الى بيروت، من أجل صدور ترجمة كمال ابو ديب لكتابه "الاستشراق"، سألته عن رودنسون الغائب عن كتابه، فكان جوابه مقتضباً وحاسماً: انا ابحث في الاستشراق كبنية للهيمنة، وردونسون شيء مختلف. هذا الاختلاف يجب أن يستوقف الباحثين والدارسين اليوم. فإحدى أكبر الاساءات الى كتاب سعيد، الذي أسس لدراسات ما بعد الكولونيالية في الثقافة العالمية، تقديم قراءة أصولية له، أو جعله سلاحاً في حرب الهوية. فالاستشراق بنية توظف المعرفة في خدمة الامبراطورية، وتضع واقعاً متخيلاً يبرر للقوى الكولونيالية مشاريعها التوسعية. لذا فإن المشروع الاستشراقي يجد اليوم تعبيراته الجديدة، في بقايا المستشرقين كبرنارد لويس وتلامذته العرب المتأمركين، أو في جيش الاعلاميين "الخبراء" في شؤون الشرق، الذين أثبوا في العراق أن معرفتهم لا تتجاوز حقلاً مليئاً بالأوهام، وهذا ما قاد الى مزج المتخيّل الاستشراقي - الجنسي بالمتخيل الفاشي - البورنوغرافي، في صور سجن ابو غريب، التي احتلت المشهد العراقي، وكشفت ان مرض الامبراطورية الاميركية القاتل هو القمع والتسلّط.
رودنسون كان منذ البداية خارج هذا الحقل الاستشراقي. انتماؤه الماركسي عصمه من السقوط في الفخ الذي سبق للحزب الشيوعي الفرنسي أن سقط فيه في بداية حرب التحرير الجزائرية، ومعرفته بالثقافة العربية جعلته نقدياً وليس مساوماً. هذا هو الدرس البليغ الذي يقدمه هذا الكاتب الى الثقافة العربية اليوم. كتابه عن سيرة النبي العربي، أو دراساته عن الاسلام والرأسمالية، والماركسية والعالم الاسلامي، لا تزال في حاجة الى قراءة وتقويم نقديين، لأنها كانت مساهمة في اكتشاف طبقات الثقافة العربية، ودراسة واقعها ومشكلياتها. المؤسف ان ترجمة كتابه عن الرسول العربي، لم تجد طريقها الى النشر في العربية، بل اكتفت "دار الطليعة" بنشر مقدمة حسن قبيسي المتميزة لهذه الترجمة.
واحد وتسعون عاماً من الجهد والبحث والتعليم والتأليف. ومع ذلك، ورغم ثقل السنين، لم يغب رودنسون عن فلسطين، أو عن اصدقائه، فكان ان كرمت الثقافة العربية هذا الكاتب الكبير في كتابين سيرتين لفيصل جلول وجيرار خوري. صحيح أن رودنسون الذي لم يداهن نظاماً عربياً، بقي خارج أطر كل تكريم رسمي (وهذا من علامات حسن الحظ ونظافة السيرة)، لكنه وجد في تلامذته واصدقائه العرب الإمكان لكي يطل في أعوامه الأخيرة، على تجربته في بلاد المشرق، وعلى شبابه، وعلى تاريخ التجربة الثقافية في سوريا ولبنان.
السؤال الذي يطرح بعد موت كاتب او مفكر، هو ماذا يبقى منه، وهذا سؤال خاطئ. فالموتى لا ينتظرون الموتى، وبقاء الكاتب مرهون بقدرته على التقمص في كتابات الآخرين الذين يأتون من بعده. وفي العادة، ننسى ان الانجاز العلمي والمعرفي يبقى، حتى حين ننسى اسم المكتشف أو المؤلف. رودنسون دخل تاريخ البقاء هذا من زمان، وتحوّل تحليله لاسرائيل والصهيونية واليهودية، جزءاً من المعرفة التي نستخدمها من دون الاشارة الى اسم كاتبها. ورغم كل هذا الضباب الذي تصنعه النزعة الفاشية المهيمنة على الامبراطورية، فإن اسرائيل سوف تبقى واقعاً استعمارياً، وقراءة التاريخ الصهيوني تنطلق من هذا المعطى الذي أرساه رودنسون، وكان أول من استخلص دروسه.
غير ان ذكرى الرجل، يجب أن تكون حافزاً لخروج الثقافة العربية من درك الانحطاط الذي تقاد اليه، بين ليبيرالية كاذبة صارت مطية للاجتياح الاسرائيلي، وبحث محموم عن أصالة وهمية، صارت رداء للانخراط في حرب الهوية المدمرة.
مع رودنسون وأمثاله، نستعيد الثقة بالثقافة والمعرفة، ونعود تلامذة للمعلمين الذين فتّحوا عيوننا على أن الثقافة جهد وعمل وموقف أخلاقي.

إلياس خوري - ملحق النهار - 2004


الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://lorca.ahlablog.com/
kanaan
{{}} مشرف {{}}
{{}} مشرف {{}}
avatar

ذكر عدد الرسائل : 533
البلد : Yiebna
الوظيفة : Critic
تاريخ التسجيل : 12/07/2007

مُساهمةموضوع: رد: ملف مكسيم رودنسون   الأربعاء سبتمبر 19, 2007 3:05 pm

فاضح الطاعون الطائفي!
لا تمثل وفاة مكسيم رودنسون، في مرسيليا في 23 مايو/ايار عن تسعة وثمانين عاماً، حزناً شديداً لدى أصدقائه، الذين سيحفظون ذكراه، تواضعه، بشاشته فقط، وانما أيضا الخسارة ملحوظة في مجال البحث.
في فضائنا الثقافي، وقف - وقد تحلى بمعرفة صريحة للعالم الاسلامي - على الأرض،
ثم درسها سوسيولوجيا. الى هذا تنضاف حساسيته كيهودي، حساسية غير يهودية، وأبدا لم تدون ضمن منظور طائفي، بالنسبة لهذا الرجل الذي فضح “الطاعون الطائفي”.
حياته، تلك التي قادته الى مدرسة الدراسات العليا في منصب أستاذ الاثيوبيات الكلاسيكية (قسم العلوم الفيلولوجية والتاريخية)، مكسوة بصور التكريم العالمية، كمراسل الأكاديمية البريطانية مثلا. مسيرته الثقافية الانموذجية نسبة الى مجموع الدراسات الجامعية التقليدية.
ابن عامل روسي مهاجر الى باريس، توفي مع امرأته في معتقل أوشفيتز، مكسيم رودنسون فرض نفسه على المؤسسة العلمية، وربح أفرادا من انتلجنسيا العالم الاسلامي، غير بعض المفكرين الذين رأوه مهددا لمساحتهم.
ابن شيوعي، انضم مكسيم رودنسون الى جذ في 1937 ل “حجج وأسباب أخلاقية”. وفي ،1958 أقصي عنه - مع اجازة من موجهي الحزب بامكانية عودته، تحت طلبه. هذا الطلب، لم يقدمه ألبتة. متذكرا عشرين عاما من حياته الحزبية، اندهش، بما أنه سوسيولوجي أديان، من أنه لم يلحظ، بصورة ما، دخوله، هو نفسه، الى الدين، كما كتب متأخرا: “لما ندخل الى صراع خاص أو عام، نستسلم لمنطق الصراع لما نلتحق بتنظيم، نرى حدوث انزلاق يتأتى من منطق التنظيم، وهذا بقدر ما هو مناقض ومتناقض، بقدر ما أي تنظيم مرتبط بايديولوجيا تقدس فيه كافة التعيينات”.
مستقلا عن هذه الاتفاقات الخاصة بالتزاماته، لم يتغير البتة: ارتباطه بأفكار كارل ماركس كمفكر مجتمعات ومحلل للعلاقات القائمة بين البنى الاقتصادية والسياسية والايديولوجية.
مكسيم رودنسون مؤلف نتاج ثري، بقدر ما بواسطة الموضوعات التي أدركها نتاجه عن عدد الأعمال التي اشتمل هذا النتاج عليها. عن الذين تعرضوا لفكره، يسترعي انتباهنا كتابه: “محمد عليه الصلاة والسلام”، الذي ترجم الى العربية وطبع أكثر من مرة. هذه البيوغرافيا تتميز عن الكتب التي كرسها مؤلفون آخرون عن النبي عليه الصلاة والسلام، بحيث أنها أقامت رابطة بين النص المقدس، سياقه الاجتماعي والسياسي والثقافي وأحداث العصر، كمحددات تسمح “بتحليل سوسيولوجيا” حياة النبي محمد عليه الصلاة والسلام من دون أن يصدم العقيدة الإسلامية.
نذكر أيضا، بين كتب أخرى للمؤرخ، “جاذبية الإسلام، الذي درس مكسيم رودنسون فيه ادراك هذا الدين من لدن المسيحيين خلال العصور الوسطى، واستمرار هذه الأصول التاريخية حتى يومنا الحالي. ثم، “الاسلام والرأسمالية”، بحيث أن العنوان لايستدعي رغما ولا اضطرارا كتاب ماكس فيبر عن الأخلاق البروتستانتية والرأسمالية.
أخيرا: “الإسلام: سياسة وأيمان، الذي تتبدى بعض عناوين فصوله ذات دلالة عميقة: “الانقسامات السياسية في الإسلام كخدع ايديولوجية”، ومرتبطة بالراهنية “بزوغ التشدد الاسلامي”، “بصدد الارهاب، الارهاب كذريعة”. نجد ثابتة في كتاباته: عدم اهمال اطروحات صمويل هانتنجتون عن “صدام الحضارات”، تلك الترسيمة المختزلة لأجل تحديد واقعة متعددة وتوليفة كبيرة لاتدرك أي شئ يحتاج الى الادراك.
من التقليص تحديد رودنسون كمؤرخ. نتاجه مدون في النقاشات العامة، ما يعني أنه يوافق مزاجيته واعتقاداته الراسخة. غير أن هذا الالتزام، اذا كان أحيانا جدليا، يستند دوما الى اعترافات مذهلة وحساسية كبيرة تجاه “الآخر”، وهي طريقة لتجنب قبلية الأيديولوجيات.
الملحوظة الأولى: يتكلم رودنسون عن المسلمين وليس عن الاسلام، كوسيلة، بالنسبة له، لاسترجاع مشاغل العوالم الاجتماعية وليس تأويلات النصوص.
في الواقع، لايحمل سؤاله عن تأويل القرآن، وانما عن مراعاة الطريقة التي وصلت وفهمت وفسرت الرسالة بها.
الملحوظة الثانية: وضعه الصراع الفلسطيني - “الإسرائيلي في أوضاع معقدة، هو اليهودي، الماركسي والمنفتح على الثقافة العربية - الإسلامية في آن واحد.
كثرت النصوص مع احتدام الصراع (في ،1967 خلال حرب الأيام الستة مثلا) التي أدت الى أن يؤكد رودنسون حق الفلسطينيين في دولتهم، ضمن حدود تكفل الاستقلال. هكذا، هل حافظ على القيم الجامعية التي بقيت في قلب اعتقاداته الراسخة.
في هذا الشأن، يكفي أن نعيد قراءة: “اليهود والعرب”. واذا كان حاز الظلم والتهديدات، فإنه لم يخف.
مات مكسيم رودنسون، وليس نتاجه. هذا النتاج، ثري ومفتوح حاليا وأبدا في آن معا، لن يغطى بغبار المكتبات ونقد الفئران القارض، نتاجه سيصاحب العصرنة الاسلامية ويبقى جزءا ثابتا في حركية الوطن العربي.

محمد حربي / مؤرخ جزائري - الخليج
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://lorca.ahlablog.com/
kanaan
{{}} مشرف {{}}
{{}} مشرف {{}}
avatar

ذكر عدد الرسائل : 533
البلد : Yiebna
الوظيفة : Critic
تاريخ التسجيل : 12/07/2007

مُساهمةموضوع: رد: ملف مكسيم رودنسون   الأربعاء سبتمبر 19, 2007 3:06 pm

رودنسون والاستشراق الفرنسي
توفي المستشرق الفرنسي المعروف، مكسيم رودنسون عن عُمُرٍ عالٍ، وإنتاج غزير متواصل لأكثر من خمسين عاماً. ورودنسون متميّز داخل تقاليد الاستشراق الفرنسي، مثلما هو متميّز داخل الاستشراق بشكل عام. فللرجل تجربة مشرقية ولبنانية (إذ أقام لفترة قصيرة بصيدا جندياً في الجيش الفرنسي في الحرب العالمية الثانية)، بخلاف أكثر المستشرقين الفرنسيين في القرن العشرين، الذين كانت تجربتهم جزائرية أو مغربية أو تونسية، أو مصرية على الأقل. بيد أن تجربته هذه ما تركت آثاراً ظاهرة في كتاباته. أما الأمر الآخر الذي تميّز فيه، وترك الآثار العميقة في منهجه وكتاباته فهو أنه كان ماركسياً، وقضى عقوداً عدة في الحزب الشيوعي الفرنسي، بخلاف معظم زملائه، الذين كانت لهم مناهج أخرى في التفكير والكتابة مثل ماسينيون وكوربان ولاوست وجاك بيرك.
بدأ رودنسون حياته دارساً لفيلولوجيات اللغات السامية. وله مقالات عدة في الأربعينات من القرن الماضي حول تطورات اللغات الحبشية والعربية الجنوبية القديمة. لكنه اشتهر أول ما اشتهر بكتابه المعروف عن النبي محمد (ص)، ثم كتاباته عن الإسلام والرأسمالية، والإسلام والماركسية.
درس رودنسون حياة النبي وأصول الإسلام بمنهج مادي، منبّهاً الى الأوضاع بالجزيرة العربية في القرنين الخامس والسادس للميلاد. ولفتت انتباهه حركة انتقال السلع، والنشاط التجاري بمكة، والزراعي بيثرب. كما لفتت انتباهه طبائع التكوينات القَبَليّة، وشيوع الاضطراب في القرن السادس الميلادي نتيجة لانهيار الممالك الحاجزة على أطراف الجزيرة وفي قلبها. والى هذه التطورات يعيد الرجل اهتمامات النبي المبكرة بالعدالة، وبالحسّ الأخلاقي العالي المستند الى الزهديات المسيحية والتوحيد اليهودي الإبراهيمي. وقد لقي كتابه هذا ـ الذي يبدو مكتوباً بعجلة ـ انتشاراً واسعاً في الستينات من القرن الماضي، بسبب انتشار الفكر اليساري آنذاك، وللتبسيطية المحبّبة التي بدت فيه.
وفي الوقت نفسه ظهرت دراساته المجموعة عن الإسلام والماركسية، والإسلام والرأسمالية. فقد كانت الأنظمة العربية في الستينات تتجه نحو اشتراكية سمّوها علمية تارة وعربية تارة أخرى. وقامت اجتهادات تحت اسم "اشتراكية الإسلام". وقد درس رودنسون هذا النزوع الإسلامي نحو العدالة والمساواة، كما قرأ تجلياته عبر القرآن والسيرة النبوية، وتحديدات الكسب المشروع في الفقه الإسلامي، ثم التطور التاريخي لموارد الدولة، وللصراع عليها. وعندما أُثير النقاش حول حوائل وموانع التكوين الرأسمالي في العصور الوسطى الإسلامية (قارن بماكس يبر وكتاب تيرنر عن وجهة نظره بالإسلام) كان رودنسون حاضراً لتأمّل مسألة الثروة والحركة التجارية البعيدة المدى، ورؤى هنري بيرين وموريس لومبار عن تجارة الذهب بين الإسلام والغرب. وقد بدت تأويلاته التاريخانية والأيديولوجية التي سندتها الفيلولوجيا أكثر مما ساعدها التاريخ، مُريحة للتقدميين والاشتراكيين العرب، وللتوجهات العالمثالثية في حقبة مصارعة الاستعمار، وصعود الدولة الوطنية المعادية للإمبريالية.
استمعت للمرة الأولى لرودنسون ـ وما كنتُ قد قرأت له شيئاً ـ عام 1968 عندما دعته جريدة الأهرام المصرية للقاهرة للمحاضرة. ومع أنه تحدث بالفرنسية فقد استطعنا نحن الأزهريين متابعته جيداً بسبب ترجمة كامل زُهيري الفورية لمحاضرتيه، اللتين نُشرتا أيضاً بالأهرام. وما عدت أذكر موضوع المحاضرتين؛ لكنني أذكر أنه دعا التقدميين العرب لاستحداث ماركسية عربية وتأصيلها في التراث العربي، لدى ابن خلدون قديماً، ولدى حركات الزنج والقرامطة! وأظن أنّ د. حسن حنفي قال له وقتها ان الشباب لم يقصّروا لهذه الناحية، فأحمد عباس صالح كان قد كتب في الخمسينات روايته: رجل في القاهرة (عن ابن خلدون)، كما كتب اليمين واليسار في الإسلام فبدا عليٌّ يسارياً وعمر يمينياً وأبو بكر اشتراكياً فابياً!
ويؤذن موت رودنسون بعد بيرك وكاهن بانقضاء التقليد التاريخاني في الاستشراق الفرنسي وغير الفرنسي، وسواد المنهجيات الأبستمولوجية والأنتربولوجية من جهة، والبنيويات والتفكيكيات من جهة أخرى. والواقع أن كتابات كيبيل وروا وروسّون، وهم جميعاً من تلامذته، وتلامذة كاهن وسوردل، تُظهر قطيعة شبه كاملة مع السرديات المحببة، وجماليات الفيلولوجيا لدى الأساتذة السالفي الذكر:
ثم انقضت تلك السنون وأهلها فكأنها وكأنهم أحلام.

رضوان السيد - المستقبل


الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://lorca.ahlablog.com/
kanaan
{{}} مشرف {{}}
{{}} مشرف {{}}
avatar

ذكر عدد الرسائل : 533
البلد : Yiebna
الوظيفة : Critic
تاريخ التسجيل : 12/07/2007

مُساهمةموضوع: رد: ملف مكسيم رودنسون   الأربعاء سبتمبر 19, 2007 3:07 pm

سيرة يهودي تبرأت منه الصهيونية
رحيل هذا المستشرق من أصل يهودي الذي درس اللغة العربية وعاش في الشرق فترات طويلة من حياته وكتب سيرة النبي محمد على طريقته وحاول ان يفهم الديانة الإسلامية ويتعمق فيها عبر دراسات مطولة، هذا الرحيل يعني الكثير من هذه الفترة بالذات المحتدمة في صراعات ومواجهات بين شرق وغرب.
ورودنسون في البداية رجل عصامي ولد في باريس من أبوين يهوديين مهاجرين من روسيا، جاءا من تربية غلب عليها الفكر الشيوعي والاشتراكي فمحت بذلك آثار الانتماء اليهودي. لم يتلق رودنسون علومه في الصغر فكان عصامياً وأنهى دراسته وحده من دون مساعدة وبدأ العمل في عمر مبكر، فكان حاجباً يلبي طلبات ويودع رسائل وأوراق بين الشركات، الى أن قرر التقدم لامتحان الدخول الى "معهد اللغات الشرقية" حيث لم يكن مشروطاً دخوله بحيازة شهادة البكالوريا وهناك برع رودنسون في دراسة اللغات: التركية، الغربية الفصحى، الحبشية، كما تعلم اللهجات المغربية والمشرقية.
عام 1937، وما ان تخرج من المعهد اعتبر نفسه جاهزاً للخيارات الصعبة، فقرر أخيراً الانتماء الى الحزب الشيوعي وذلك بعد رفض كلي لاعتناق عقيدة أهله اليهود.
ألسنية
وانطلاقاً من دراسته، اعتبر رودنسون متخصصاً في علم الألسنية لا مثيل له، كان يلم بأكثر من ثلاثين لغة، وكان يعرّف نفسه على أنه ملتزم "الدفاع عن القضية الفلسطينية" الأمر الذي أثار حفيظة المتدينيين اليهود، وغالباً ما تعرض لهم بالانتقادات التي طالت الديانة اليهودية كما العقيدة الدينية التي تحكم سياستهم في العالم. وفي العام 1939، ومع اندلاع الحرب العالمية الثانية التحق المجند من الجيش الفرنسي مكسيم رودنسون بالكتيبة التي ارسلت الى الشرق، فكان لبنان أول مكان أو أول لقاء له بالعالم العربي. وعن هذه الفترة، كتب بعد اعوام "الجندي المستعرب" الذي وصف فيه اقامته في لبنان وهي قد طالت إذ انه بعد تسريحه من الجيش فضل البقاء للاقامة في لبنان فدرّس اللغة الفرنسية في مدرسة تابعة لجمعية المقاصد الإسلامية في مدينة صيدا. وفي لبنان ايضاً، التقى الشيوعيين العرب خاصة في اسفاره بهدف توسيع اتصالاته وكان في حينه يعمل في "دائرة الآثار" فسافر الى مصر وفلسطين للبحث عن الكتب القديمة في بلدان الشرق الأوسط.
المكتبة الوطنية
عاد الى فرنسا عام 1947 وعمل في المكتبة الوطنية ولكن في دائرة المخطوطات العربية المتخصصة، ثم انتقل الى مهنة التعليم في معهد للدراسات العليا في اللغات في باريس. والى جانب عمله التعليمي، بدأ ابحاثه الخاصة التي سوف تترجم بعد حين كتباً ودراسات، كان أهمها "محمد" (1961)، "الإسلام والرأسمالية" (1966)، "الماركسية والعالم الاسلامي" (1972)، "سحر الاسلام" (1980)، "شعب يهودي ام مسألة يهودية" (1981) وهذا الكتاب الأخير آثار جدلاً واسعاً في الأوساط اليهودية.
ومنذ بداياته ورودنسون معروف جداً في لبنان والعالم العربي على أنه من كبار المستشرقين الغربيين وهو قد يتميز بجرأته في مواجهة الأفكار الموروثة حول موضوعات كثيرة أبرزها الأفكار المكتسبة حول الاستشراق بحد ذاته. وهو اعترف أكثر من مرة بأن انجذابه لهذه المهمة لم يكن بسبب نزعة عنصرية معينة لكنه بسبب اكتشافه أن الدول الأوروبية وحكوماتها لم تكتف بالدافع العلمي للمعلومات التي جمعها علماؤها عن بلاد الشرق بل انها استفادت منها للسيطرة على هذه البلاد واستعمارها. وهو صرح في جميع كتبه ومقالاته ما يختصر بالفكرة التالية وهي أن الدول الأوروبية وجدت في المعلومات والدراسات اللغوية والانتروبولوجية والفقهية والفلسفية والأدبية وغيرها "وبالتاريخ الوقائعي" لبلاد الشرق مساعداً قوياً لها في بسط هيمنتها على هذه البلاد لنهب خيراتها طوال أكثر من قرن. وغالباً ما تساءل رودنسون حول الاستعمار وطرح الاسئلة الجريئة مثل: "بَم يمكن ان نصف علماءهم الذين كانوا يأتونها كرحالة، هل كانوا جواسيس يجمعون المعلومات لحكوماتهم من أجل التحضير للإستعمار، أم نعتبرهم علماء، فنجل اعمالهم مثل "بوركهارت" الذي اكتشف مدينة البتراء "وآثار ابي سمبل" أو غيره من العلماء؟..
تعاطى رودنسون مع الاستشراق بأسلوب خاص وكانت له مفاهيم خاصة ايضاً انطلق منها ليحدد مهمته الشخصية في الشرق.
وتعتبر مؤلفات رودنسون موجهة بشكل خاص "الى الجمهور المثقف العريض" وهي غالباً ما أثارت جدلاً في الأوساط العربية والغربية على حد سواء، لكن انحيازه الى القضية الفلسطينية والى الحق الفلسطيني جعل المجتمع الصهيوني ينقلب ضده ويتبرأ منه.
وبعد اربعين عاماً ونيف على صدور كتابه عن "النبي محمد" لا زالت هذه السيرة مرجعاً مهماً مع انها وضعت استناداً الى نظرته الماركسية، كذلك كل قراءته للعالم الاسلامي، لكن ذلك لم يمنع ابرز النقاد من تقدير اعماله التي جمعت الحس التنقيبي بالقدرة على التحليل والاستيعاب.
رودنسون واحد من الخارجين على المألوف الذي اعطوا تجارب مغايرة. فهو مثلاً حاول تفسير النبوءة القرآنية تفسيراً ينسجم مع ظاهر النص القرآني ويتوافق مع الواقع التاريخي وبهذا الطرح وضع امام القارئ رؤية جديدة تستند الى الأرقام، لا سيما فيما يتعلق بنبوءة قرآنية تحتم انكسار اليهود وانتصار المسلمين في معركة عقيدية فاصلة بشر بها القرآن الكريم منذ نزوله، وهو في ابرز كتبه عبر عن اصراره على إزالة وتدمير "الكيان الصهيوني الغاصب".
بقي رودنسون على اصراره حتى آخر رمق حيال كل افكاره ومعتقداته، وهو عرف بموضوعية الباحث على الرغم من تنكره لأصوله. فهو لم يستعمل اساليب حماسية تغيب هنا وتمجد هناك بل بقي على حسه الباحث بأسلوب علمي صرف، فظل ينتقد العرب والعالم العربي حين يلزم الانتقاد ولم يطمح الى اعطاء الإسلام مرتبة مرتفعة على بقية الأديان بل حاول بكل بساطة ان يقارب الإسلام عقلانياً وبنفس الأسلوب الذي قارب فيه جميع الأديان و الأيديولوجيات.

المستقبل - الخميس 27 أيار 2004


الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://lorca.ahlablog.com/
kanaan
{{}} مشرف {{}}
{{}} مشرف {{}}
avatar

ذكر عدد الرسائل : 533
البلد : Yiebna
الوظيفة : Critic
تاريخ التسجيل : 12/07/2007

مُساهمةموضوع: رد: ملف مكسيم رودنسون   الأربعاء سبتمبر 19, 2007 3:08 pm

صديق العرب
فقد العالم العربي المستعرب مكسيم رودسون، والمثير في حياة هذا الباحث العملاق هو أنه وُلد في باريس عام 1915 داخل عائلة يهودية روسية ـ بولونية. لكن أصوله الدينية لم تمنعه من أن يصبح أحد أهم المستشرقين الأكثر اعتدالاً وحكمة. ومنذ صغره، سيولع رودنسون بتاريخ الديانات وباللغات القديمة، وبشكل خاص بالإسلام والنبي محمد. عصامي منذ المراهقة نظراً الى فقر والديه، شغفه الوحيد آنذاك كان القراءة والعلم. فبدون معلّم سيُحضّر امتحان دخول "مدرسة اللغات القديمة" فينال منها بعد مسار جامعي مثالي درجة دكتوراه. وتجدر الإشارة هنا الى إتقانه بعد ذلك عشر لغات سامية، نذكر منها: اللغة الإثيوبية القديمة والعربية والعبرية والفينيقية...
عام 1937، ستوجّه ثلاثة قرارات حياته: زواجه، دخوله الى "المركز الوطني للأبحاث العلمية" وانخراطه في الحزب الشيوعي. لكن الحرب العالمية الثانية لن تلبث أن تقوده كجندي الى الشرق الأوسط، فيمضي في سوريا ولبنان سبع سنوات خلال الانتداب الفرنسي. وبعد فترة عسكرية قصيرة، سينجح رودنسون في دخول السلك التعليمي، فيُعيَّن أستاذ اللغة الفرنسية في إحدى مدارس صيدا التابعة لجمعية المقاصد الإسلامية، قبل أن يعمل بعد الحرب الى جانب عالمَي الآثار الكبيرَين دونان وشلوبرغر اللذين سيستخدمان معرفته العميقة باللغات السامية. وبعد فترة قصيرة، يكلفه قسم الآثار الخاص بسلطة الانتداب بشراء الكتب العلمية التي تعنى بهذا المجال في العراق وفلسطين ومصر، فيستغل فرصة أسفاره للاتصال بالشيوعيين في هذه الدول وإقامة علاقات صداقة مع عدد منهم. لكنه لن يلبث أن يدفع ثمن آرائه السياسية والتزامه في الحزب الشيوعي حين يحاول بعد الحرب البقاء كطالب داخلي في المعهد الفرنسي في دمشق أو الحصول على منصب دبلوماسي. وبكثير من المرارة يُغادر رودنسون الشرق، مما يحول دون رغبته في تحضير أطروحة دكتوراه حول "الإسلام في القرون الوسطى".
لدى رجوعه الى فرنسا، سيعين أمين مكتبة في قسم المخطوطات الشرقية التابع للمكتبة الوطنية، متابعاً في الوقت ذاته قراءاته العلمية والانتقائية. لكن عام 1955، سيتخلى عن هذا المنصب ليبدأ تعليم اللغة الإثيوبية القديمة في "المدرسة التطبيقية للدراسات العليا". وعام 1959، يُعطي الى جانب هذه المادة حصصاً في علم الأنثروبولوجيا الشرق أوسطية. وبموازاة تعليمه، ينخرط الباحث ـ العلامة أكثر فأكثر في النشاطات النضالية داخل الحزب الشيوعي. لكن سلوكه الحر ومضمون مقالاته النقدي يجلبان إليه المتاعب الى أن يتم طرده من الحزب عام 1958.
عام 1961 تصدر سيرته حول النبي محمد التي تعتبر الى حد اليوم المرجع الغربي الأساسي للطلاب والباحثين. كما أنه، باعترافه، الكتاب المفضّل لديه من بين الكتب الكثيرة التي وضعها. وتجدر الإشارة هنا الى إنتاجه الكتابي الهائل: عدد كبير من الأبحاث، أكثر من ألف مقالة علمية وصحفية، بدون أن ننسى كماً من التقارير الموقعة وغير الموقعة التي كان يمنحها الى "النشرة النقدية للكتاب الفرنسي". ولن يتردد رودنسون في استخدام معارفه العلمية لإلقاء الضوء على مواضيع آنية ساخنة تتعلق بالشرق الأوسط وتنصف العرب في مواجهتهم لإسرائيل. ففي هذا الإطار، كتب صديقنا: "الإسلام والرأسمالية" (1966)، "إسرائيل والرفض العربي" (1968)، "الماركسية والعالم الإسلامي" (1968)، "العرب" (1979)، "سحر الإسلام" (1980)، "شعب يهودي أم مشكلة يهودية؟" (1981)، و"الإسلام : سياسة ومعتقد" (1993). ومجموع كتبه يدل على انخراط الباحث والمستعرب (كما كان يُفضّل أن يُسمّى) داخل زمنه. فمع المستعرب العملاق الآخر، جاك برك، سيؤسس عام 1968 "مجموعة البحث والتحرّك من أجل حل المشكلة الفلسطينية".
رجل علم وقلب قل نظيره، حاول رودنسون دائماً مد جسورٍ بين اللغات والثقافات والميادين العلمية. ويشهد على ذلك ولعه الذي سيدفعه الى العمل على تاريخ الكلمات. أما بحثه الدؤوب وعقلانيته فقد فتحا له أبواب المعرفة والنجاح بدون أن ينزعا عنه بساطته المؤثرة والمدهشة.

انطوان جوكي - باريس


الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://lorca.ahlablog.com/
kanaan
{{}} مشرف {{}}
{{}} مشرف {{}}
avatar

ذكر عدد الرسائل : 533
البلد : Yiebna
الوظيفة : Critic
تاريخ التسجيل : 12/07/2007

مُساهمةموضوع: رد: ملف مكسيم رودنسون   الأربعاء سبتمبر 19, 2007 3:09 pm

مكسيم رودنسون أحد كبار "المستعربين"
في العصر الراهن
بين مجموعة المستشرقين المعاصرين، يبرز اسم المفكر وعالم الاجتماع الفرنسي، الروسي الأصل، “مكسيم رودنسون” الذي رحل يوم الاثنين 24 مايو/ أيار، والذي يمكن اعتباره مثلما يعتبر هو نفسه أقرب إلى صيغة “المستعرب” منه إلى صورة المستشرق المألوفة، فقد ركز جل اهتمامه على العالمين العربي والإسلامي، ووجه دراساته صوب الإسلام والمسلمين وتحليل علم الاجتماع الإسلامي على نحو خاص. وكان من أقسى نقاد الاستشراق التقليدي الذي يصور الشرق معادلاً للتخلف. وساند
منذ وقت مبكر مطالب العرب الاستقلالية. والتزم جانب القضية الفلسطينية حيث أسس مع المستشرق الفرنسي المعروف “جاك بيرك” مجموعة العمل من أجل القضية الفلسطينية، ولقي انتقادات واسعة من الكتاب الصهاينة الذين هاجموه بشدة. واعتبره إدوارد سعيد أحد الأعلام الذين جددوا الفهم الاستشراقي، كما استثناه من دائرة المستشرقين. اقترب “رودنسون” من الوطن العربي فتعلم لغته، وتنقل في دول عربية عدة “لبنان وسوريا ومصر خصوصاً” منذ الأربعينات من القرن العشرين.
أكثر ما يشدنا إلى “رودنسون” جانبان، الجانب المتعلق بالقضية الفلسطينية وبرؤيته للصراع العربي الصهيوني، ونظرته إلى الكيان الصهيوني وما يمثله هذا الكيان في المنظومة الدولية، والجانب الثاني يتعلق بفهمه وقراءته للعالمين العربي والإسلامي، وقراءته التحليلية للإسلام من منظور اجتماعي متكئاً على منهج ابن خلدون. ويمكن التوقف أيضاً عند جانب ثالث يتعلق برؤيته إلى الاستشراق الغربي عموماً، ورؤيته الخاصة بما يسمى الصراع الطبقي والصراعات الإثنية والعرقية، وما يستتبع ذلك من نظر في ما يسميه “الإمبرياليات”.
موقفه من الاستشراق
لو وقفنا ، ابتداءً، على المسألة المتعلقة بموقعه من الاستشراق، لوجب علينا أن ننظر إلى “رودنسون” ليس بوصفه العالِم الذي تلقى تدريبَ المفكر الاستشراقي، بل بما هو باحث في الشرق الإسلامي ينطلق من منطلقات لا - استشراقية بحسب مفهوم إدوارد سعيد للاستشراق. فقد كان “رودنسون” باحثاً اجتماعياً بحث في شؤون الشرق، وأثنى كثيراً على ظهور حقل التحليل الاجتماعي للإسلام والعالم الإسلامي في الأكاديميات الغربية، بخاصة بعد عام 1968 هذا الحقل الذي أخذه “رودنسون” نفسه وعدد من المفكرين الغربيين إلى حدود جديدة تجاوزت ما كان عليه هذا العلم.
وفي إطار عمله على نفي توزيع العالم إلى شرق وغرب، كما هو دارج في الفكر الغربي التقليدي، يرى “رودنسون” انه لا يوجد شيء اسمه الشرق، بل هناك جماعات انسانية كبيرة وثقافات بلدان وأقاليم.. ومعظم هذه تتشارك بالقيم نفسها، سواء أكانت القيم مؤقتة أم دائمة. وهو يعتقد أنه لا يزال هناك مستشرقون سجنوا أنفسهم في خلايا الاستشراق أو “غيتو” البحث الاستشراقي، وهذه النزعة ولدت من داخل ضرورة تكريس الباحث نفسه لموضوع خاص، واستفادت من سيادة أوروبا على الآخرين، والنتيجة كما يقول “رودنسون” هي تشويه كبير للأشياء. كما يتوصل الباحث الى نفي فكرة الاستشراق نفسه، حيث يقول انه لا يوجد هناك شيء اسمه الاستشراق او علم الدراسات الصينية، او الايرانية، ولكن هناك دراسات تحددها الموضوعات واتجاه دراستها، سواء أكانت ديموغرافية أم اجتماعية، اقتصاداً سياسياً، لغويات، أم انثروبولوجيا، وهذه المجالات تصلح لدراسة حالات الشعوب، أفكارها وأعراقها ولغاتها وعاداتها وتقاليدها.
كما يرى “رودنسون” أن المعرفة الاستشراقية التي أفرزها العقل الغربي، ليست معرفة علمية موضوعية، وإنما صارت سلطة استطاع الغرب من خلالها أن يكرس حالة التبعية له في ديارنا، حتى في حقل الدراسات والأبحاث التي ما انفكت تتحرك في ضوء المتطلبات الغربية، وأضحى عدد كبير من الباحثين من أبناء هذه الديار في أسر هذه السلطة المعرفية، كما وصف ذلك المفكر المسلم “مالك بن نبي” في قوله “إن الأعمال الأدبية لهؤلاء المستشرقين، قد بلغت في الواقع درجة من الإشعاع لا نكاد نتصورها، وحسبنا دليلاً على ذلك أن يضم مجمع اللغة العربية في مصر بين أعضائه عالماً فرنسياً، وربما أمكننا أن ندرك ذلك إذا لاحظنا أن عدد رسالات الدكتوراه، وطبيعة هذه الرسالات التي يقدمها الطلبة السوريون والمصريون كل عام إلى جامعة باريس وحدها، وفي هذه الرسالات كلها يصرون وهم أساتذة الثقافة العربية في الغد وباعثو نهضة الإسلام يصرون، كما أوجبوا على أنفسهم، على ترديد الأفكار التي زكاها أساتذتهم الغربيون، وعن هذا الطريق أوغل الاستشراق في الحياة العقلية في البلدان الإسلامية، محدداً بذلك اتجاهها التاريخي إلى درجة كبيرة”.
وعي متقدم بالصهيونية
على صعيد رؤيته للقضية الفلسطينية، وللصراع العربي الصهيوني، تكفي الإشارة إلى أن هذه الرؤية قد تمثلت في مجموعة من العناوين، بدءاً من تنكره للصهيونية وما تمثله، وصولاً إلى اهتمامه السياسي المباشر بالصراع وحيثياته. وقد جاءت أولى إسهاماته على هذا الصعيد في دراسة نشرت في العدد الخاص الذي خصصته مجلة “الأزمنة الحديثة”، مجلة جان بول سارتر، للصراع العربي “الاسرائيلي”، عشية حرب حزيران،1967 وحملت هذه المساهمة الطويلة عنوان “إسرائيل.. فعل كولونيالي؟”، وشكلت هذه ولاتزال أحد أهم المراجع حول تشكّل المشروع الصهيوني. وفي العام التالي، أصدر “رودنسون” كتابه “إسرائيل والرفض العربي” الذي كان المحاولة الأولى من كاتب فرنسي لايفاء العرب حقهم في صراعهم مع “إسرائيل” وشرح مواقفهم من الصهيونية منذ ظهورها. ولعل “رودنسون” قد يكون بذلك أكثر من ساعد على التمييز بين اليهودية والصهيونية، ولا سيما انه لم يتراجع يوماً في موقفه النقدي تجاه “إسرائيل”، كما يمكن تبين ذلك من المقالات التي جمعها في كتاب حمل عنواناً مثيراً هو “شعب يهودي أم مشكلة يهودية؟”، كما كان من الذين احتضنوا تجربة “مجلة الدراسات الفلسطينية” الصادرة بالفرنسية عام ،1981 فكتب في عددها الأول وحرص على الاطلالة فيها بشكل شبه منتظم، كما يشير محلل سياسي في صحيفة عربية. وله أيضاً كتاب يبدو من عنوانه مستوى وعي هذا المفكر على الكيان الصهيوني فهو يسمي كتابه “إسرائيل دولة استيطانية استعمارية”.
فهم جديد للإسلام
كتب “رودونسون” كثيراً عن علاقته الطويلة بالاسلام، فقد كرس عدداً من كتبه لهذا الدين الذي فهمته أوروبا على نحو خاطئ جر الكثير من الكوارث. وأول كتبه عن الاسلام كان “محمد” الذي صدر عام ،1961 ثم “الإسلام والرأسمالية” ،1966 و”الماركسية والعالم الإسلامي” ،1972 ثم “عظمة الإسلام” 1980.
وعن علاقته بالإسلام فهي علاقة عاطفية كما يقول في كتابه “أوروبا وسحر الاسلام”، حيث يقول: “كرست سنوات طويلة من عمري لدراسة الاسلام والتاريخ الإسلامي والشعوب الإسلامية، وفي الوقت نفسه كنت شغفاً بالطريقة التي تعامل او فهمت فيها الشعوب الاوروبية خاصة الباحثين منهم - الشعوب الاسلامية”. ويتساءل عن هذا الشغف لماذا؟ ويجيب “ربما لأني لم أكن متيقناً من فهمي للإسلام”.
وكتاب “رودنسون” هذا، كما كتب كاتب عربي في عرضه ومناقشته له، ليس كتاباً عن الصور التي وجدت في المخيلة الغربية عن الإسلام، ولكنه قراءة في تاريخية الصورة، فقارئ الكتاب يعثر على منعطفات أسهمت في تشكيل الصورة أو مرت بها، و”رودنسون” يؤمن بأن الصورة وقولبتها تغيرت بتغير العقلية الأوروبية القديمة والحديثة، فموقف الغربيين من الإسلام والمسلمين تأثر بفهمهم للعالم وموقع الإسلام به.
ويعتقد “رودنسون” أن معرفة الغرب بالإسلام لم تكن نتاج الحروب الصليبية، بل نتاج منظومة الوعي الغربي بالعرب، استقرت على إدراجهم في خانة التهديد قبل أن يتحولوا إلى مشكلة فعلية للعالم الغربي بعد اعتناقهم للإسلام والاندفاع نحو فتوحات عسكرية أقلقت الإمبراطورية الرومانية الشرقية “البيزنطية” ودفعتها للتهاوي. وبعد ذلك تأتي مرحلة الأندلس وموقف الكنيسة التي كانت في العصر الوسيط تمثل السلطة المرجعية للفكر، وأثر الإسلام الحضاري في المفاهيم الغربية، إذ إن كتابات الفلاسفة المسلمين بعد ترجمتها ظلت مدارا للبحث، واختلف الغربيون عليها، حيث ولدت أكثر من مدرسة لفهم الرشدية أو لفهم ابن سينا. فالتلاقي والاختلاف بين عالمي الغرب والإسلام، نبع في النهاية من أسس المرجعية الفكرية للثقافة الأوروبية، وهذه المرجعية هي التي قامت بتوليد عدد من المعايير لفهم الاسلام، فالكتابات الغربية الءولى عن الاسلام ومحمد صلى الله عليه وسلم نظرت إليهما على أنهما نسخة غير حقيقية من المسيحية او انشقاق عن الفكر المسيحي.
وحين يتقصى “رودنسون” تراث صورة المسلمين في المخيلة الغربية، يرى أن هذه الصورة ظلت قابلة للتطوير والتحوير، فمن محاولة تأطيرها بالمفاهيم المسيحية الخالصة، إلى محاولة تطويع عقلانيتها ضمن العقلانية الغربية، حيث يمكن ملاحظة هذا في الطريقة التي تعامل بها “دانتي” في الكوميديا الإلهية مع الشخصيات الفلسفية الإسلامية، التي تركها تراوح بين الجنة والنار، في منزلة بين المنزلتين. الانجذاب للعقلانية الاسلامية، وان تسارع من خلال انشاء كراسي اللغة العربية في الاكاديميات الغربية الناهضة، تحول الى تأكيد النزعة الاغريقية في بناء ثقافة التنوير الاوروبية، ومع ذلك فكتابات الفلاسفة المسلمين وعلمائهم لم تفقد قيمتها في هذه الاكاديميات.
رودنسون في لبنان
كي نقرأ شيئاً من ذكريات “رودنسون” في لبنان، نورد هذا المقطع من كتاب “الجندي المستعرب - سنوات مكسيم “رودنسون” في لبنان وسوريا” الذي يروي فيه جزءاً من ذكرياته حين كان أستاذاً في إحدى مدارس صيدا:
“صادفت مواقف عجيبة في صيدا خلال التدريس في المقاصد. دخلت صباح يوم من شهر مايو/ أيار 1941 الى الصف كبقية الاساتذة، فبادرني الطلاب بالوقوف والهتاف دفعة واحدة: فليسقط الاستعمار. قلت حسناً. فهمنا. فلنبدأ الدرس. قالوا: “لا. لا. انتهى الصف ألم تسمع الأخبار من الإذاعة. هناك انتفاضة تدور الآن في العراق وكلنا مستنفرون هنا ولن ندرس بعد الآن لا اللغة الفرنسية ولا اللغة الانجليزية ولا الرياضيات. لا شيء على الاطلاق. لقد حضرنا أنفسنا للحرب من اجل دعم اخواننا في العراق”.
قلت للطلاب: لا بأس إذا قررتم ألا تتعلموا فهذا الأمر يناسبنا نحن الأساتذة، يمكن أن نمضي الوقت في التنزه.. وبالفعل غادرت الصف متوجهاً الى غرفتي. بعد قليل من الوقت طرقوا باب الغرفة ودخلوا ثم قالوا لي: أستاذ نريد منك ان تساعدنا على التدرب على السلاح والقتال. أدهشني هذا الطلب وقلت لهم: انا لا أعرف شيئاً من ذلك. لقد كنت جندياً بسيطاً في الجيش الفرنسي. قالوا: كنت جندياً وهذا يكفي. أنت تقول ذلك عن نفسك ولكن ليس صحيحاً فقد رأينا على طاولتك كتاباً بعنوان “دليل ضابط المشاة”، إذاً يجب ان تساعدنا لأننا حاولنا ايجاد مدرب آخر من دون جدوى. وشددوا عليّ كثيراً وأتعبوني بإلحاحهم فقلت لهم: حسناً سأعلمكم ما أعرف ولكن انتبهوا، ما أعرفه لا يبدو انه مفيد للغاية بدليل ما حصل في فرنسا في أثناء الهجوم النازي، ولو كانت هذه المعرفة مفيدة جداً لما حصل ما حصل في السنة الماضية. فقالوا ليس لدينا خيار آخر.
كنت بالفعل أحتفظ بالكتاب الذي أشاروا اليه كما أحتفظ بكتب كثيرة، لكني لم أكن مهيأ لنقل معرفة مفيدة. قلت لهم حسناً وبدأت بتدريبهم على كيفية اطلاق النار، نظرياً بطبيعة الحال. شرحت لهم وضعية إطلاق النار وقوفاً ثم ركوعاً ثم انبطاحاً. كان المشهد جديراً بأن تنقله ريشة مؤلف كوميدي.
كان مشهد التظاهرات والتجمعات في ساحة صيدا الرئيسية لافتاً للنظر. كنت أشاهد من غرفتي المطلة على الساحة “حكواتيا” يروي قصصاً للناس في طرف الساحة حيث يقع مقهى كبير، وكنت أحب بفضول معرفة ما يدور في الساحة.

إعداد: عمر شبانة


الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://lorca.ahlablog.com/
kanaan
{{}} مشرف {{}}
{{}} مشرف {{}}
avatar

ذكر عدد الرسائل : 533
البلد : Yiebna
الوظيفة : Critic
تاريخ التسجيل : 12/07/2007

مُساهمةموضوع: رد: ملف مكسيم رودنسون   الأربعاء سبتمبر 19, 2007 3:11 pm

نصف الحقيقة
أطفأت سيجارتي علي عجل حين جلست إلي المستشرق الكبير مكسيم رودنسون في بيته بالحي اللاتيني بباريس.
فقد توجست أن يشب الحريق فجأة في البيت من كثرة الأوراق والكتب حولنا، فقد كانت أكوام الكتب بيننا ونحن جالسين وفوقنا وحولنا بل وفي كل مكان حتي المطبخ.
وكان رودنسون يقيم في شقتين متواجهتين، خصص واحدة للعائلة والثانية لحياته بين الكتب والأوراق، وكانت الكتب تغطي الجدران، من الأرض إلي السقف، عدا المنافذ والنوافذ، وكلها باللغات الخمس التي يجيدها وأغلبها عن الحضارات والأديان والإسلام والعالم العربي، ولاحظت أن كثيرا من كتبه متورم من داخله، وأدركت أن مكسيم رودنسون قارئ محترف، لأنه يلخص كل كتاب يقرأه ويضع فيه الملخص حتي يعود إليه.
ولهذا أصبح مكسيم رودنسون عالما اجتماعيا موسوعيا شارك في عديد من الموسوعات وهو في مكانة كبار المستشرقين مثل عالم الاجتماع في السوربون جورج جورفش، والمؤرخ أندريه ريمون عاشق القاهرة.
وليفي بروفنسال عاشق المغرب والأندلس وجاك بيرك مؤرخ النهضة العربية الحديثة، ورودنسون أقام سبع سنوات في صيدا وبيروت، كما أقام في القاهرة ودمشق، باحثا ودارسا، وكان جنديا في الحرب العالمية الثانية في لبنان ثم مدرسا في صيدا ثم مسئولا عن الحفريات والآثار، ولكنه تميز باهتمامه باللغة الحميرية، وكان موقفه شريفا أثناء عدوان 56 وخلال حرب الجزائر، وكتابه «إسرائيل والرفض العربي»، وكتابه «العرب»، يشهد علي مواقفه التي تستند إلي البحث بنزاهة دون تعصب أو انحياز.
ومنذ نحو نصف قرن زار رودنسون القاهرة، واكتشفت فيه شغفه بالبحث في الواقع الاجتماعي، بعيدا عن النظريات وفاجأني بطلب غريب وهو أنه يريد أن يحضر حفلة زار! وقلت له إن الظاهرة اختفت تقريبا من القاهرة، وليس أمامك سوي ذكريات قوت القلوب الدمرداشية لأنها كتبت بالفرنسية عن الزار عام 1937 فقال إنه يريد أن يكتب بحثا ويحتاج إلي مشاهدة الزار عينا بعين وقلت له إن آخر ذكرياتي عن الزار أيام الخديوية الثانوية وكان الشيخ مهنا يسكن في بيت الشيخ حمزة فتح الله أحد علماء العربية وقد شارك في مؤتمر المستشرقين عام 1907، وإزاء حماسه عثرت له علي مكان بشارع الإمام محمد عبده جوار الأزهر الشريف وبات رودنسون يومين وهو يلبس الجلباب الأبيض، ويضع يديه في دماء الذبيحة كما روي.
وأدركت بعدها أنه المستشرق الوحيد الذي نشر بحثه العلمي من ظاهرة الزار وطقوسه، ومن يقرأ رودنسون يكتشف عنايته بالتفاصيل والدقائق، ووصف الحياة اليومية والاجتماعية والطبقية...
وظل مخلصا للتفسير الماركسي للتاريخ دون أن يجد تطور التاريخ في الاقتصاد وحده ودون أن يقع في تهاويل الشعارات منذ استقال من الحزب الشيوعي الفرنسي عام 1958 وعكف علي آرائه وأوراقه وكتبه العديدة.

كامل زهيري - القاهرة


الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://lorca.ahlablog.com/
 
ملف مكسيم رودنسون
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
موقع يوتيوب :: 

¤©§][§©¤][ الاقسام العامة ][¤©§][§©¤

 :: الملتقى الثقافي والادبي
-
انتقل الى: