موقع يوتيوب

يوتيوب - YouTube - مقاطع يوتيوب - موقع يوتيوب - فيديو يوتيوب
 
الرئيسيةالبوابةس .و .جبحـثالتسجيلالأعضاءالمجموعاتدخوليوتيوب

شاطر | 
 

 ملف آرثور رامبو

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
kanaan
{{}} مشرف {{}}
{{}} مشرف {{}}
avatar

ذكر عدد الرسائل : 533
البلد : Yiebna
الوظيفة : Critic
تاريخ التسجيل : 12/07/2007

مُساهمةموضوع: ملف آرثور رامبو   الأربعاء سبتمبر 19, 2007 6:09 pm

مدارات الشاعر وكواكب نحسه
لا أحد يصدق بالنجوم، لا أحد يؤمن بكواكب النحس، لا أحد يعترف بخوفه ورعبه من المجهول، والغامض، والمصير الملغز، غير أن أيرا دوفيل المنجمة الأدبية الشهيرة درست حياة الشعراء والأدباء طبقا إلى خطوط الكواكب ومدارات النجوم وعلم الفلك، فتوصلت إلى أثر مدار بلوتو في حياة آرثور رامبو، تقول أيرا دوفيل أن الفنان المتسامي يرتبط بعمليات التحويل السايكولوجي المعمّقة: البحث عن طرق جديدة في التعبير أمام انقراض الأشكال الباطلة من الوجود والعاطلة عن التجديد أو الانبعاث، بلوتو يرتبط أيضا بأولئك المتمردين، وأولئك الذين يمتلكون الوعي العميق بتعديل الاتّجاه جوهريا، ويبيّن بلوتو القدرة الكاملة على إعادة صنع النفس، وإبراز الموت بشكل رمزي، وتطهير الماضي، وتحويل الفن إلى شكل متجدد دائما، وهي الخصائص الأساسية في شعر رامبو.
الزهرة حاكمة الفنون، إلهام الإلهام المبدع، رمز الجمال والانسجام والتناسق، الكوكب الذي عدّل إسهامات رامبو الملهمة في الفن، وفي تقاليد الشعر الحديث إلى الأبد، القدرة على جمع تشكيلة واسعة من تأثيره على الفنون، جاذبيته من صنّاع مختلفين، وبعد أن درست حياته الشعرية حددت ولادة الشاعر الطفل تحت شعاع القمر بالتعامد مع الزهرة، موقع خطّ بلوتو الأساسي، رامبو أعظم الشعراء هكذا تقول خطوط المذنب في السماء، ولد في تشارلفيل في العام 1845، لأب هو فريدريك رامبو يعمل ضابطا في الجيش وأم برجوازية هي ماري كاترين فيتالي، ولد تحت خط النحس مباشرة، بين الزهرة وبلوتو، كانت قصيدته الأولى قد أحدثت صدمة كبيرة لأستاذه إيزمبار، تسلم هدية سنة الأيتام الجديدة فكانت إنذارا بوجوده، خطوط السماء تنبأت بهروبه إلى باريس واعتقاله لعدم امتلاكه تذكرة قطار، وإجباره على العودة إلى البيت، خطوط بلوتو تنبئ عن هروب متغطرس آخر، تكشف عن مراهق ناطق بالبذاءات، متشرد في الشوارع، مجدف بالكنيسة، شاتم للنساء، متوافق مع الشروط القذرة للحياة، عن قارئ للفلسفة الغامضة ومحب لبودلير.
حياة الشاعر ترتفع من موقع الزهرة فوق الزاوية الشمالية الغربية، أرض محلية تحت كوكب الزهرة، من منتصف بلوتو، إذن فهو أحد شعراء العالم الأكثر تأثيرا، أكمل مجموعته الشعرية الأولى بعمر ستّة عشر عاما فقط، هرب إلى باريس، شعره يكشف الأكاذيب الكبيرة، فيتحرك من موقع الزهرة إلى الخط الأخير من كوكب بلوتو، الطيش الأول في باريس، تحرك كوكبي سريع ثم عودة إلى تشارليفيل، صعود بلوتو هو كتابة المركب السكران، نشرت بعد عدّة أشهر قبل عيد ميلاده السابع عشر، العمل الهائل، الإبداع الكبير، الخط الحار من خط الاستواء، صعود الشمس بالتعامد مع كواكب أخرى، هبوط آخر لخطوط الحظ، غير أن العمل الشعري الرمزي الكبير يهز تاريخ الأدب برمته، فالهذيان الذي يشدد عليه الشاعر ينتقل من اللغة إلى الحياة ليخلق "انسجامه" الشعري مع الكوكب الذي أخذ يتحرك نحو موقع القمر.
قدّم رامبو عدّة قصائد بعد ذلك ومن ضمنها السوناتة، "فويليس، "إلى الشاعر الباريسي الأكبر سنّا بول فيرلين، أعجب الأخير بهذا العمل الخلاق ودعاه إلى باريس، سافر رامبو لاحقا مع فيرلين إلى لندن، انتقل موقع رامبو مرة أخرى من خطين متقاطعين بين بلوتو والزهرة، سافرا بعد ذلك إلى بروكسل. عاشا سوية، هدّد رامبو فيرلين بتركه؛ ردّ الشاعر السكران بإطلاق النار فجرح رامبو في الرسغ، بينما أودع فيرلين السجن، خطوط النحس تتحدد مرة أخرى بعودة رامبو إلى تشارليفيل لكتابة فصل في الجحيم 1873، اعتراف نثري مدوّن بنوع من الهذيان "الجهنمي" الذي يصور حياته السابقة وقضيته، رفض النقّاد العمل، وعاملوه ببرود ثلجي؛ في التاسعة عشرة من عمره، في الخط الساخن من بلوتو وتعامده: توقف رامبو عن كتابة الشعر. لقد رفضه الأدباء الباريسيون لأنه سكير متغطرس وفظّ. ترك الكتابة في العشرين. تعلم العربية والروسية والهندية والألمانية. مغامر عبر الألب مشيا على الأقدام. انضم إلى الجيش الهولندي. هرب وانضم إلى سيرك ألماني في اسكندنافيا. سافر إلى مصر وعمل في قبرص. عانى نكسات المرض والمشقّة. اشترك في معارك. أصيب بحمّى التيفوئيد، في 1879.
بلوتو يقترب من الزهرة ويبتعد من مدار القمر، فتبدأ سلسلة السفر المغامر، حاول تجميع الثروة التي حلم بها بالعمل: تحول إلى تاجر أوربي في أفريقيا، مستورد قهوة, مهرب أسلحة gunrunner، جندي، ومستكشف، في فترة اختفائه بالضبط نشر فيرلين الإشراقات، في العام 1886، فأحدثت صدمة للأوساط الأدبية، رامبو لا يكترث، وتقوده حمى البحث عن الذهب الى مواقع مختلفة: ألمانيا، السويد، وشمال أفريقيا، اقترب أكثر فأكثر من كوكب المريخ فتحرك نحو: شمال شرق أفريقيا، الشرق الأوسط، وعلى طول الساحل الشرقي لأفريقيا. مدارات الكواكب الحارة قادته إلى المعاناة، والسقوط المأساوي، التطلع للنجاح التجاري، غير أن الشاعر الفرنسي الساذج استُّغلّ كليّا من قبل التجار الأحباش، ثم تحسنت أوضاعه التجارية شيئا فشيئا، لكن الخط الساخن للكواكب الحارة اقترب منه، فبدأت معاناته: اجتياز المسافات العظيمة في شروط غير صحية هدمت ساقيه.
طرق التجارة التي سلكها رامبو انضوت في حقل الكوكب الرئيسي (اورانوس)، الكوكب الذي تقوّس على شرق ووسط أفريقيا، تقدم واستقر على مصر؛ تحرك نبتون، ووصل إلى موقع منتصف الليل، وأصبح عموديا على طول ساحل إثيوبيا، بالضبط على رأس أقصى شرق أفريقيا، قرب مقر تجارة رامبو في هرر، زحل يشترك في هذا الحقل، ويصل منتصف المدار، يرتكز على طول الساحل الشرقي لأفريقيا، أشكاله تقوده لأن يصبح ضحيّة للمكر، الصفقات المحترفة كثيرة، ما يوقفها هو نضوبه الطبيعي والروحي، معاكسات غير متوقّعة في خطوط المصير والثروة، إعياء، اندفاع، نبتون يميز المرحلة النهائية من حياته كتاجر.
هكذا لخصت إيرا دوفيل حياة آرثور رامبو، فالشاعر يدرس في كل شيء، لا بالنقد فقط إنما بالتنجيم أيضا، ونحن أي شاعر من شعرائنا سندرسه ولو بالنقد فقط.

علي بدر / كاتب من العراق


الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://lorca.ahlablog.com/
kanaan
{{}} مشرف {{}}
{{}} مشرف {{}}
avatar

ذكر عدد الرسائل : 533
البلد : Yiebna
الوظيفة : Critic
تاريخ التسجيل : 12/07/2007

مُساهمةموضوع: رد: ملف آرثور رامبو   الأربعاء سبتمبر 19, 2007 6:10 pm

الأيام الهشة لفيليب بيسون:
رواية الأشهر الستة الأخيرة من حياة رامبو
بتاريخ 23 تموز (يوليو) 1891 عاد آرثر رامبو الي بيت أمه في مدينة شارل فيل الفرنسية، مبتور الساق، يحتضر،أخته ايزابيل هي التي تقوم بتدوين انطباعاته في يوميات متخيلة من قبل الكاتب الفرنسي فيليب بيسون في شكل رواية. رامبو يعود الي المكان الذي كان يهرب منه دائما، أولا ليكتب بعيدا عنه، وثانيا لكي يصنع له ثروة في أفريقيا.
ايزابيل تعتني بشقيقها المريض، وفي نفس الوقت، تتعذب من جراء الأهوال التي لا ينفك رامبو عن قصها عليها. ان عفة وحشمة أذنيّ اخته التي يطلق عليها تسمية الفتاة العجوز لمجرد حفاظها علي عذريتها، كان بأمكانها أن لا تستمع اليه لو لم يكن محكوما عليه بالموت ويعاني سكرات الموت الأخيرة. أم رامبو حاضرة في البيت، لكنها غير مبالية به، قلبها قاس، لا يتمزق أو ينبض لشقاء ابنها الذي يتعذب، علي الرغم من كونها تعتبر واحدة من المفاتيح الأساسية التي أحالت حياته الي جحيم. بعد ثلاثين يوما، في بيت امه، رامبو يسافر الي مدينة مارسي علي أمل العودة ثانية الي أفريقيا للعثور علي حياته من جديد وملاقاة أخر حب لشاب تركه هناك يدعي جامي. ولكنه قبل أن يسافر بيوم واحد، يموت بعد نوبات ألم شديدة.
في هذه اليوميات السرية بين اخ وأخت لا يستطيعان التفاهم بسبب مجري حياتهما غير المتلائمة وغير المنسجمة، يكتب فيليب بيسون روايته، بكيفية تتأسس في شكلها ومضمونها علي الاختلاف بين شخصية الاثنين: فرامبو الشاعر انسان ملحد، شاذ جنسيا، يتعاطي المخدرات، في حين ان أخته ايزابيل متدينة، عذراء، شغولة، ولكن علي الرغم من هذه الاختلافات فان التيار بينهما يمر وبشكل جيد، والسبب يعود بكل تأكيد الي مرض رامبو، والي احساس ايزابيل بأن أخاها عبقري، ولكن في نفس الوقت، لا يمكن أن يدخل التاريخ الا ملوثا. ورامبو من ناحيته يعرف جيدا بأنه سيموت حتي لو كان في قرارة نفسه يقاوم الي آخر لحظة من أجل أن يهرب من جديد ويعود من حيثما أتي. ان فيليب بيسون يرتدي في هذه الرواية جلد ايزابيل الأخت لكي يجابه رامبو من خلال يومياتها الحميمية وليس شعره. أنه لا يتحدث عن شعره الا قليلا ربما لان ايزابيل لم تكن تعرف الشيء الكثير عن شعر اخيها، ولكن مع ذلك، ان ما كتبه فيليب بيسون كاف لأن يحيي ويعيد الي الأذهان عبقرية رامبو.
بهذه الطريقة ذاتها التي تضيء حياة رامبو، لا يتحدث فيليب بيسون في روايته هذه، الا علي الأشهر الستة الأخيرة التي عاشها الشاعر، متناسيا حياته التي هي بمثابة أسطورة غامضة، ولكن مع ذلك تكشف لنا الرواية عن الوصف الدقيق لبعض منعطفات حياة الشاعر. ولقد نجح فيليب بيسون من خلال بعض اللمسات الصغيرة، وابراز غير المحكي، والمسكوت عنه، وغير المرئي والأفتراضات والحدس، أن يكتب رواية جميلة بلغة بسيطة اقرب الي الشعر منها الي السرد.
نفهم من قراءتنا للرواية بأن مؤلفها اسير عاش لرامبو، ولكن الاعجاب لم يعد كافيا بالنسبة له لهذا أراد أن يفهمه، ومن أجل أن يحقق ذلك قرر أن يكتب عنه. ولكن لماذا اختار الأيام الحساسة من حياة رامبو، أي فترة احتضاره؟ ومن أجل الأجابة علي مثل هذا السؤال لابد لنا من أن نلجأ الي اسلوب الكاتب نفسه، أي الي الأفتراض والحدس واستنطاق ما هو مخفي بين السطور.
نلحظ من قراءتنا للرواية، أن رامبو الشاعر كان يلازم تفكير الكاتب بشكل دائم، فأراد أن يفهم غموضه، لا سيما أن حياة رامبو نفسها عبارة عن رواية غير مكتوبة، ومن المنطقي جدا أن الروائي الذي يريد أن يكتب عن شاعر لا بد أن يتناوله في قالب روائي، فهو الأقرب اليه من بين جميع الألوان الأدبية. وقد اختار الكتابة عن رامبو المُحتَضَرْ، لأنها الفترة التي فيها حياة الشاعر اكثر عرضة للانجراح ومن ثم أن الأشهر الستة الأخيرة من حياته هي الأكثر غموضا وتكاد أن تكون غير معروفة. ولكن هل استطاع المؤلف التوصل الي فهم شخصة رامبو كاملة؟ والجواب، (لا) و(نعم). لا، لأنه اعتمد علي الحدس والأفتراض، ونعم، لأن بمحاولته الروائية هذه استطاع أن يقترب كثيرا من المشابهة، وليس الفهم الكلي لشخصية رامبو المعقدة. ان اختيار الكاتب للحديث عن موت رامبو حجة من الحجج التي اراد من خلالها الحديث عن الألم، الموضوع الأكثر هيمنة علي روايات فيليب بيسون قاطبة. ثم أن الموت سواء أتي أو سيأتي فيما بعد، فأنه يسمح بطرح أسئلة حول من أنت وأين كنت. وفي حالة رامبو، أن مداهمة الموت له حتي وان كان لم يشعر بقربه منه بشكل واضح، كان سببا رئيسيا في عودته الي مكان ولادته. ولو لم يشعر بدنو الموت منه لكان ما عاد الي فرنسا والي بيت عائلته حتي وأن بقيت من حياته ثلاثون يوما حاول خلالها العودة ثانية الي أفريقيا. ان الألم هو الموضوع الأكثر أهمية بالنسبة للكاتب فيليب بيسون، لأنه فقد جده وهو صغير في سن السادسة عشرة في نفس الظروف التي غادر فيها رامبو العالم، لهذا ظل الكاتب يحتفظ بصور واحاسيس تلك الفترة، وما هذه الرواية الا حجة لكي يحيي فيها ومن خلالها جده.
ان اختيار المؤلف اخت رامبو ايزابيل ويومياتها الحميمة، وسيلة وغاية وفي نفس الوقت، لعبة أدبية استطاع من خلالها أن يكتب رواية علي لسان حال فتاة لا نعرف عنها الشيء الكثير، وهذا وحده كاف لأن يسمح له بأختلاق احداث كثيرة ليست بالضرورة كان لها وجود، لا سيما انه كتب رواية وليس سيرة ذاتية. لقد لبس الكاتب جلد ايزابيل لكي يتأرجح ما بين أنا الكاتب و واللعبة الأدبية التي اعتمدها في استخدامه اليوميات الحميمية لايزابيل، وهذا بحد ذاته ما منحه امكانية الرؤية العميقة للكثير من التفاصيل. هنا تكمن إمكانية وبراعة الكاتب علي التخيل، أنه اراد من وراء مشاهد غاية في الحميمية أن يصل الي حساسية لا يستطيع أن يعرفها، لأنه بكل بساطة، رجل وليس امرأة، ولكن مع ذلك يتحدث عنها وبنجاح فائق وكأنه قد عرفها من قبل، وهذا ما يذكرنا بما فعله في روايته ولد من إيطاليا ـ الصادرة عن دار نشر جوليار أيضا ـ عندما وضع نفسه في مكان جثة ميته تراقب وتعلق علي كل شيء من خلال التابوت الموجودة فيه.
بلا شك، إننا أمام رواية غريبة تبوح بما هو جيد وسيئ من الأحاسيس بين أخ، أخت وأم تعتبر نصبا تذكاريا لبرودة وجفاف الأحاسيس. ان هذه الأم لم تذهب لزيارة ابنها ولا مرة واحدة عندما كان يعاني من ويلات المرض في المستشفي بمرسي، علي الرغم من الرسائل الدامعة الكثيرة التي وجهتها لها ايزابيل راجية اياها المجيء. والأسوأ من هذا كله، عندما تسمع بموت ابنها، تذهب الي المقبرة وتحفر حفرة وتتمدد فيها وكأنها تريد أن تجربها قبل مراسم الدفن.
ان رواية الأيام الحساسة بمثابة صورة صريحة لشاعر فقد بهاءه، واخت تحاول أن تحلل حياتهما، ولكن الضياع، الصمت والموت يقترب. رامبو محكوم عليه بالموت وايزابيل تكتب في يومياتها عن الأيام الأخيرة لحياته.
في رواية فيليب بيسون هذه، هناك الكثير من الحب ولكنه مؤلم، حزين، قاس وقدري. نجد فيها أيضا شخصين في حالة مواجهة، يتساءلان عن طبيعة العلاقة التي تربط بينهما. أهو الموت اذن؟ نعم .. الموت ينتظر، والأيام تمر مثل حبات رمل في ساعة رملية، ان شبح الموت في هذه الرواية شاخص منذ البداية حتي النهاية، وكأنه آلة تستعجل عقارب الزمن.

محمد سيف


الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://lorca.ahlablog.com/
kanaan
{{}} مشرف {{}}
{{}} مشرف {{}}
avatar

ذكر عدد الرسائل : 533
البلد : Yiebna
الوظيفة : Critic
تاريخ التسجيل : 12/07/2007

مُساهمةموضوع: رد: ملف آرثور رامبو   الأربعاء سبتمبر 19, 2007 6:13 pm

سيرته وشعره ورسائله وهجراته بعين أميركية
لماذا ارتكب رامبو الهجرتين:
الشعر وبلاده؟
بعد انقضاء نحو 112 سنة على وفاته، لا يزال المؤرخون الأدبيون، ليس في فرنسا فقط، بل في كثير من الدول الغربية الأخرى، وخاصة في الولايات المتحدة يبذلون من الجهد وينفقون من الوقت الكثير في كتابة سيرة ذاتية قد تلقي شيئاً من الضوء على كثير من البقع السود التي خلّفها كتّاب سيرة حياة الشاعر آرثر رامبو السابقون.
وقد شهدت الولايات المتحدة وحدها خلال السنوات الأخيرة عدداً من التراجم الذاتية والترجمات التي تُوّجت بكتاب "رامبو"، تأليف غراهام روب والذي أجمع النقاد الأميركيون على أنه ربما كان أفضل سيرة ذاتية وضعت عن الشاعر، بما فيها مئات الكتب الصادرة في بلده فرنسا.
ومع هذا الفيض من التراجم الذاتية لا يزال السؤال الكلاسيكي القديم يتجنب الرد عليه، ألا وهو: لماذا هجر ـ شاعر كتب في سن 16 سنة ما يعد قصيدة غنائية فرنسية في القرن التاسع عشر، وهجر الشعر في سن العشرين، والمقصود بطبيعة الحال هو قصيدة "الزورق السكران" تلك القصيدة التي حملها ذلك الفتى الهارب من البيت، مبكر النضوج إلى باريس ليقدّم نفسه بها لبول يرلين، تلك الاستعارة العظيمة التي يقول غراهام روب أن رامبو كتبها في "غرفة انتظار شبابه" والتي جعلت ارتحالات الزورق مألوفة لمعظم أطفال المدارس الفرنسيين، برغم أن كثيراً من رحلات الشاعر الريادية مجهولة تماماً.
فما هي تلك الحياة التي ولدت هذه الشخصية؟
ولد رامبو في عائلة بورجوازية فرنسية في 1854 (هجر أبوه الضابط بسلاح المشاة زوجته وأولاده الأربعة)، وقد أوقف رامبو سنواته المبكرة لممارسة تدريبات أدبية في تحد لأمه التقليدية، وتخللت تلك السنوات عدة محاولات هروب من البيت وعدة عودات، بعضها في صحبة الشرطة. وعندما غزا الغلام الجامح الحياة الأدبية في باريس بعد الحرب الفرانكو ـ بروسية، ارتبط بيرلين حيث الزواج، وفي النهاية أطلق يرلين رصاصة في رسغ الصبي لمحاولة هجره في بروكسل.
وفي 1874 نبذ رامبو الأدب وعبر مرة أخرى بحر المانش ليدرس اللغة الإنكليزية ليصبح رحالة وتاجراً. وبعد السفر في ألمانيا وهولندا، فر من الجيش الاستعماري الهولندي الذي كان قد التحق به بعد وصوله إلى باتافيا (جالاتا اليوم) بثلاثة أسابيع وعاد إلى فرنسا. ولم يمض وقت طويل على عودته حتى رحل من جديد إلى الشرق، وعمل في شركة بناء في قبرص، وفي 1880 كان يعمل لشركة بن في عدن، وقد استكشف الصومال وشمال شرقي افريقيا وبحلول 1886، كان يعمل في تهريب السلاح لحساب ملك شلوا (اثيوبيا الوسطى). وفي سنتيه الأخيرتين، اشتغل في منصب تجاري نادر في هارار، شرقي أديس أبابا، حيث كان يصدر البن والجلود والمسك ويستورد البنادق. وفي 1891، أصيب بورم بركبته اليمنى وعاد إلى فرنسا حيث بترت ساقه. وانتشر المرض، الزهري فيما يعتقد، في جسده، وتوفي رامبو في 1891 في سن 37 عاماً.
هذه هي حياة رامبو في سطور. ومن المنطقي ألا يتوقع القارئ أن يجد فيها الرد على السؤال... لماذا ترك رامبو كتابة الشعر فقط. بل كل ما يمت بصلة بعالم الأدب الذي اقتحمه كالعاصفة في سن 16 سنة ولم يكد يتجاوز العشرين. ولكن كتاب غراهام روب "رامبو" نفسه الذي يقع في 552 صفحة لم يجب عن هذا السؤال.
تقول روث فرانكلين ان أعمال الشاعر تفيد في العادة كترياق الميل إلى الأسطورة، أو خلق الأساطير، لكن المادة التي خلفها رامبو محدودة وغامضة معاً. فأعماله الكاملة... أقل من مائة قصيدة قصيرة، ونص "فصل في الجحيم" المؤلف من سبعة آلاف كلمة نثرية وقصائده النثرية المعروفة باسم "إشراقات"، إلى جانب مائتين وخمسين رسالة تقريباً وحفنة من النصوص الأخرى ـ لا تكاد تملأ جزءين. والشعر، الذي خلّفه، يتراوح بين الشعر الملهم والشعر الصبياني، وكثير من الرسائل تتضمن أكاذيب صريحة، بينما هناك رسائل أخرى متشظية أو مشكوك في نسبتها وأصالتها. بينما تقدم المصادر الثانوية مشاكل إضافية: مذكرات أقارب رامبو، وأصدقائه، وأصدقائه السابقين تشكل نشازاً من المشاجرات، وهي في الغالب مشكوك في صحتها فيما يميل النقاد إلى استخدامه كمرآة لانشغالاتهم الخاصة، ويقول كاتب سيرته الذاتية غراهام روب أنه قد بعث "كشاعر رمزي وسوريالي وBeat، وثائر طلابي، وكاتب أغاني روك، ورائد للحركة المثلية ومدمن مخدرات ـ ملهم"، وأنه قد أثر على فنانين، من بينهم بابلو بيكاسو. ومع ذلك، لا تزال الأسئلة الحاسمة عن حياة رامبو وشعره تنتظر الاجابة: كيف أمكنه أن يكتب شعراً مثل شعره في مثل سنه؟ ولماذا هجر كتابة الشعر إلى الأبد؟
وإلى جانب كتاب غراهام روب، الذي يعتبر أشمل دراسة عن الشاعر تنشر باللغة الانكليزية خلال خمسين عاماً، أصدرت المكتبة الحديثة "رامبو كاملاً" ترجمة وتحرير وايت ماسون. ويتضمن المجلد الذي صدر في العام الماضي جميع أعمال رامبو الشعرية باللغتين الفرنسية والانكليزية إلى جانب كتاباته غير الكاملة التي تتراوح بين موضوعات إنشاء مدرسي باللغة اللاتينية إلى شذرات شعرية أعاد معارفه بناءها. وأخيراً صدر كتاب "أعد بأن أكون شخصاً صالحاً: رسائل آرثر رامبو". ويضم أضخم مختارات من مراسلات الشاعر تنشر باللغة الانكليزية.
وفي مقدمته لهذا المجلد الثاني يحتاج وايت ماسون بأن رسائل رامبو كفيلة بأن تميط اللثام عن الرجل المتزن وان تشوش الأسطورة. فالرسائل لا تبيّن فقط أن رامبو يمكن في الغالب أن يكون شخصاً كريهاً وثقيل الوطء، بل تبيّن أيضاً أنه بعد أن توقف عن كتابة الشعر لم يعاود التفكير في قراره على الاطلاق. وقد كتب ألبير كامي ذات مرة يقول... لكي تظل الأسطورة ينبغي ألا يطلع المرء على هذه الرسائل الحاسمة.
الأسطورة
وتبدأ الأسطورة في لحظة مولد رامبو، في 20 تشرين الأول 1855 في بلدة صغيرة تدعى شاريل. ويقول البعض انه ولد بعينين مفتوحتين، كعلامة للكاشف الذي سوف يصبحه، ويدعي آخرون أن الرحالة المستقبلي قد فاجأ القابلة بالزحف نحو الباب. وفي خطواته لم يظهر رامبو أي اهتمام يذكر بتطلعات الصبا، لكن كتاباته المدرسية جلبت له الشهرة بالعبقرية. وعندما اشترك في أمسية شعرية اقليمية في سن الخامسة عشرة، نام خلال الساعات الثلاث في الأمسية ثم تناول طعام الافطار الذي طلبه، وسلم قصيدته في نهاية الوقت ثم فاز في المسابقة.
وترجع بضع الرسائل المتبقية إلى هذه الحقبة تقريباً. وهي تبيّن من البداية مزيجاً غريباً من الحسم والمداهنة وهو ما يمكن أن يسم علاقاته على مدى حياته. وحتى في مذكرة مخطوطة لمدرسه جورج إيزامبارد، يتجلى ولع رامبو بالدرامي في طريقة كتابته. وفي رسالة كتبها بعد بضعة أشهر إلى الشاعر تيودور دي برانيل، محرر انتولوجيا "البارناس المعاصر" يعكس إحساسه بإنكار الذات من ناحية وافتتانه بوجوده الخاص من ناحية أخرى. "عزيزي الأستاذ، حاول أن تتحلى بالصرامة أثناء قراءة قصائدي: سوف تجعلني سعيداً أيما سعادة ومفعماً بالأمل إذا وجدت مكاناً صغيراً لها بين البارناسيين... طموح! يا له من جنون!".
تجد طيه ثلاثة نماذج من أحدث أعمال الشاعر البالغ من العمر 15 سنة، من بينها "إثارة":
عبر ليالي الصيف الزرقاء سوف أعبر
على امتداد الممرات
يوخزني القمح. داهساً العشب القصير:
حالماً، سوف أشعر ببرودة تحت القدم،
وأدع النسائم تحمم رأسي العاري.
لا كلمة، لا فكرة
سوف يشب الحب غير المحدود عبر روحي،
وسوف أهيم بعيداً، متشرداً
في الطبيعة ـ سعيداً سعادتي مع امرأة.
ومثل لوحة مونيه "انطباع: شروق الشمس، التي أطلقت الحركة الانطباعية بعد بضع سنوات فقط، يعلق روت فرانكلين في دراسة تحليلية لرسائل رامبو، تقطر هذه القصيدة الغنائية المنمنمة أعمال أسلافها بطريقة أصيلة كلية. إن استعمال "الأزرق" لوصفه ليالي الصيف (استخدم في مسودة مبكرة كلمة "الجميلة" الأكثر تقليدية) يتطلع إلى رامبو السوريالي في السنوات القليلة القادمة، بتأكيدها على ما يشعر به المتحدث وليس ما يراه، تغمس السطور التالية لذلك شعر الطبيعة البارناسي في نشوة الحسية.
وفي أيار 1871، كتب رامبو الرسالتين اللتين أصبحتا تعرفان بـ"رسائل الكاشف"، البيانان الوحيدان الصريحان عن عقيدته الشعرية. وتبدأ الرسالة الأولى الموجهة الي إيزامبارد بإهانة شعر المدرس الموضوعي الجاف مثل الغبار، وتتضمن أغنية قصيرة تصف بطريقة فجة جماعاً شاذاً. ثم يتساءل "لماذا؟ أريد أن أكون شاعراً، وانني أعمل لتحويل نفسي إلى كاشف (أو عراف)... وهذا يتطلب أن تشق طريقك نحو المجهول عن طريق تعطيل كل الحواس.... إنني شخص ما آخر... والرسالة الثانية، أرسلت إلى صديق إيزامبارد بول ديميني، تكرر وتتوسع في إعلانه الذي سرعان ما سوف يصبح شهيراً. "ان المهمة الأولى لأي رجل سيكون شاعراً هي أن يعرف نفسه تماماً، أن يسعى إلى روحه، ويتفقدها، ويختبرها، ويعرفها". "إن الشاعر يحوّل نفسه إلى عراف عن طريق عملية طويلة منطقية ومنخرطة طويلة لتعطيل جميع الأحاسيس. كل ضرب من الحب، والمعاناة، والجنون، إنه يفتش في نفسه، ويستنزف كل سم محتمل حتى لا يبقى إلا الجوهر". وقد قيل الكثير عن حقيقة أن رامبو قد أضاف إلى دعوته العملية تعطيل جميع الحواس القيود...
"منطقية ومنخرطة وطويلة"، طارقاً أبواب الادراك الحسي بدلاً من اسقاطها. لكن الاحساس هو نفس الشيء إلى حد كبير، وتقول روث فرانكلين: يعتزم رامبو أن يحوّل روحه من الداخل إلى الخارج، وأن يخضع نفسه لأية تجارب روحية، وعاطفية وفيزيقية يمكنه أن يصممها. "أنا" تصبح "آخر" عن طريق ما الذي يعنيه أن تكون "أنا".
يرلين
لكن رامبو لم يستطع أن يحقق ذلك بمفرده. وفي أيلول 1871، سعى من جديد إلى راع، فكتب إلى بول يرلين الذي كان يعرف ويعجب بشعره، مرفقاً برسالته نموذجاً من أحدث قصائده. ورد عليه يرلين "تعال، أيتها الروح العظيمة العزيزة. نحن نفتقدك ونشتهيك". وأرفق هو الآخر ثمن تذكرة القطار إلى باريس برسالته.
كان يرلين، ذو السبعة والعشرين عاماً، سكيراً، وشاذاً جنسياً وذواقة للفنون، ورجلاً عنيفاً لا يتردد في ضرب عروسه الحامل من وقت إلى آخر. وقد عمّق وجود رامبو في بيت يرلين توتر علاقته بزوجته فاضطر إلى إيجاد مكان يقيم فيه بين أصدقائه. إلا أن سلوك رامبو الشاذ (وجدته إحدى مضيفاته عارياً على سطح البيت، بينما راح يقذف ثيابه في الشارع) وعاداته أصبحت نموذجاً للشعراء الذين أطلقوا على أنفسهم "الشعراء الأشرار"، قاطع رامبو قراءة شاعر في نهاية كل بيت من الشعر بصياغة Merde! وطعن شاعراً آخر بخنجر. ولكن، حتى بينما كان أصدقاء يرلين تروعهم هذه المزحات، كانت نسخ من قصيدة رامبو غير العادية "الزورق السكران"، التي أصبحت فيما بعد أشهر قصائده، يجري توزيعها بينهم. وقد علق أحد الشعراء الأشرار على ظهور رامبو بينهم في باريس بقوله "ما لم يكن هذا إحدى حيل القدر الخبيثة، نحن نشهد مولد عبقرية".
فرار
وفي صيف 1872، فر يرلين ورامبو معاً للمرة الأولى، بادئين سلسلة من علاقات التلاقي الحميمة والهجر العنيف وقد استمر شهر عسلهما الأول بضعة أسابيع فقط قبل أن يعود يرلين إلى زوجته. وبحلول شهر أيلول، التأم شملهما من جديد في لندن. والمعتقد أن رامبو كتب جزءاً كبيراً من "الاشراقات" هناك، وبدأ أثناء زيارة لفرنسا كتابه "فصل في الجحيم" وبينما كُتب العملان نثراً، فلا يشتركان في شيء آخر. وبينما تروى قصيدة "فصل في الجحيم" بصوت شديد الدرامية متعدد الشخصيات، تتألف "الاشراقات" من نحو أربعين قصيدة نثرية تتناول موضوعات تتراوح بين عرض جانبي لفرقة سيرك إلى الحياة في المدينة. وقد كتب كلا العملين فيما بين 1872 و1874 تقريباً.
وتنتهي العلاقة بين الشاعرين نهاية فوضوية. وتكشف إحدى رسائل رامبو إلى يرلين القليلة المتبقية (أتلفت ماتيلد زوجة يرلين معظمها) وتحمل تاريخ 4 تموز 1873، عن صورة غير عادية لرامبو البائس الوحيد في لندن. وكان يرلين قد عاد مرة أخرى إلى زوجته. عد إليّ، يا صديقي العزيز، يا صديقي الوحيد. عد إليّ. إنني أعدك بأن أكون انساناً صالحاً". ويرد يرلين ببرقية يقول فيها "إن حياتي هي حياتك" ويستدعيه للقاء في بروكسل حيث تشاجرا بعد بضعة أيام فخرج يرلين وابتاع مسدساً وعاد ثملاً. وعندما قال رامبو أنه يعتزم أن يعود إلى باريس أطلق يرلين عليه النار فأصاب ذراعه. وألقي القبض عليه وعومل معاملة مهينة على أيدي أطباء الشرطة. وحكم عليه بالسجن لمدة عامين. وقد رآه رامبو مرة واحدة أخرى في بداية 1875، بعد تحول يرلين إلى المسيحية. وكتب رامبو في رسالة إلى صديق يقول "جاء يرلين منذ يومين إلى هنا، وفي يده مسبحة. وبعد ثلاث ساعات نبذ ربه ونكأ من جديد جراح مخلصنا الـ98".
وفي 1878 عمل رامبو في قبرص كملاحظ عمال في أحد المحاجر. وقد عكس في رسالته الأولى من قبرص العزلة التي سوف تسم بقية حياته "تقع أقرب قرية على بعد ساعة من المشي على الأقدام. لا شيء هناك غير خليط من الصخور، ونهر والبحر. ليس هناك بيوت. لا تربة لا حدائق، لا أشجار. وبطبيعة الحال لا شعر. وفي أيار 1880، انتقل إلى عمل جديد كملاحظ بناء لقصر الحاكم ـ العام، لكنه أبلغ أسرته بعد بضعة أشهر بأنه قد غادر قبرص... بعد خلافات مع المحاسبة ولكن الحقيقة كما رواها صديق له في افريقيا، أوتو رينو روزا، هي أنه حاول إلقاء حجارة على صدغ أحد العمال المحليين فأرداه قتيلاً في الحال. وقد أشار روزا إلى أن الحادث قد وقع عرضاً، ولكن فرار رامبو السريع من قبرص أثار حوله الشكوك.
وصل رامبو إلى عدن في آب 1880، ووجد في الحال عملاً في مكتب الفريد باردي، تاجر بن "إنني أتمتع بثقة صاحب العمل الكاملة". وخلال الاحدى عشرة سنة القادمة تنقل رواحاً ومجيئاً بين شمال وشرقي افريقيا، مؤسساً قاعدة للشركة في هارار، في الحبشة.
هناك كان يقود عربات تجرها الثيران متوغلاً في افريقيا، وقد أرسلت معظم خطابات هذه السنوات التي تزيد عن مائة وخمسين إلى أمه وشقيقته إيزابيل، اللتين كان يخاطبهما رسمياً بعبارة "صديقتي العزيزتين". وتشكل طلبات إرسال كتب، وأدوات علمية، أو أية خدمات أخرى تيمة دائمة. وكانت طلباته لا نهاية لها: وفي إحدى المرات طلب بندقية لصيد الأفيال وبعد حين أنفقت أمه ثروة صغيرة لشراء معدات فوتوغرافية. ولا تخلو رسالة تقريباً من تعليمات محددة لكيفية إرسال هذه المواد مما يبيّن مدى صعوبة تلبية طلباته المتناقضة في أغلب الأحيان ولا غرابة إذن، أن ترفض أمه في مرحلة ما أن تلبي طلبه. "ليست هذه هي الطريقة لمساعدة رجل على بعد آلاف الفراسخ من الوطن، مسافراً بين أقوام متوحشين، وبدون مثيل واحد حيث يقيم" وقد أجاب رامبو غاضباً "إذا كنت لا أستطيع أن أطلب خدمات من أسرتي، فمن، بحق الجحيم، يفترض أن ألجأ إليه؟" ثم طلب بضعة كتب أخرى!
لكن حياة رامبو في افريقيا لم تكن بالقتامة التي يوحي بها رثاؤه لحاله هذا. فقد أكد عدد من أصدقاء هذه الحقبة، استناداً إلى (شخص ما آخر: آرثر رامبو في افريقيا، 1880 ـ 1891) تأكيد تشارلس نيلول، انه كان متحدثاً جذاباً ورجل أعمال شديد الأصالة غمس نفسه في ثقافة المنطقة. وخلال إقامته في هارار عاش رامبو مع امرأة حبشية لمدة عام ونصف عام. وكان لديه أيضاً خادم بلغ ولعه حداً جعله يوصي له وحده بكل ما يملك. وهناك شهادات عديدة عن مناقشاته القائمة علي معرفة للقرآن الكريم واهتمامه العميق بالثقافات الاسلامية. وقد كان رامبو يحمل خاتماً يحمل اسم عبده رينبو Abdoh Rinboo، وكان يعني هذا الاسم "رامبو عبد الله".

أحمد مرسي


الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://lorca.ahlablog.com/
kanaan
{{}} مشرف {{}}
{{}} مشرف {{}}
avatar

ذكر عدد الرسائل : 533
البلد : Yiebna
الوظيفة : Critic
تاريخ التسجيل : 12/07/2007

مُساهمةموضوع: رد: ملف آرثور رامبو   الأربعاء سبتمبر 19, 2007 6:14 pm





آرثور رامبو
بعد الطوفان حالما همدتْ فكرةُ الطوفان،
وقفَ أرنب بّري وسط
البرسيم والأزهار ذات التويجات
الجرسية المتأرجحة،
وصلّى القوس القُزحِ
من خلال شبكة العنكبوت.


يا لَلأحجار الكريمة التي كانت تتخفّى -

والأزهار التي رنَتْ لتوّها.

في الشارع الرئيسي القذر،

أقيمت الأكشاك وأُجريت القوارب

الى البحر، ذي التدرجات العالية

كما في الرواشم القديمة.

عند "اللحية الزرقاء"

جرى الدم، - عبرَ المسالخ،

في السيركات، حيث امتقعتِ

النوافذ بخَتْم الله.

جرى الدم والحليب.

القنادسُ بَنَتْ.

دخانُ "المازاغرانيين"

تصاعدَ في المقاهي.

في البيت الزجاجي الكبير

الذي ما زال يرشحُ، نظر الى

الصور الساحرة أطفالٌ في حداد.

اصطفق بابٌ ما؛ وفي ساحة

الدسكرة، طوّح الصبيّ الصغير بذراعيه؛

دوّارات الريح والديوك على

الأبراج في كل مكان، تحت وابل

ساطعٍ من بَرَد المطر، فهَمتْهُ. مدام X نصبت بيانو في جبال الألب.
على مذابح الكاتدرائية المائة
ألف، احتُفِلَ بالقدّاس
وتناولات القربان الأولى.
القوافلُ أقلعتْ.
وشُيّد "أوتيل سبلنديد"
في فوضى الجليد وليل القطب.


طويلاً بعد ذلك سمع القمرُ

بنات آوى تتشاكى عبر صحارى

الصعتر، وأناشيد الرعي في

قباقيبها تُهَمْدِرُ في

البستان. ثمّ، في

الدوحة البنفسجية، المتبرعمة،

أخبرتني يوخاريس بحلول الربيع.

انبجسي، أيتها البِرْكة -

أزبدي، انحدري على الجسر وانسكبي

فوق الغابات؛ أيتها الملاءات

السود والأراغن، البروق

والرعد، شُبّي وتدحرجي؛ ارتفعي

أيتها المياه والأحزان وأطلقي

الطوفانات من جديد.

فمنذُ انحسارها -

يا لَلأحجار الكريمة التي

دُفنت والأزهار المتفتحة!

- أيُّ مَلالٍ -

والملكة، الساحرةُ

التي تُشغل جمرَها في

آنيّة الفخّار، لن تقبل

أبداً أن تحكي لنا ما تعرفهُ،

ذاك الذي لا ندريه.



ترجمة: سركون بولص

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://lorca.ahlablog.com/
kanaan
{{}} مشرف {{}}
{{}} مشرف {{}}
avatar

ذكر عدد الرسائل : 533
البلد : Yiebna
الوظيفة : Critic
تاريخ التسجيل : 12/07/2007

مُساهمةموضوع: رد: ملف آرثور رامبو   الأربعاء سبتمبر 19, 2007 6:14 pm



تشيئات السلطة
في معاودة إكتشاف آرثـر رامبــو لآرثر رامبو ذاته، متأخرا، وذلك حين أشار شاعر فرنسا الرقيق والمهاتك، إلى أن فوضاه إنما هي شيء من وجوده الإنساني النبيل، وهو معنًى يكاد يلتمع في تعريجة الشاعر العربي محمود درويش عند قوله: حريـّـتي فوضاي إني أعترف.
إن تشاكل وتداخل بنى النمو المعرفي إنسانيا، هو من المحظور الأرضي، وذلك لما قد يؤدي إليه من معانٍ تكشف عن حقيقة مغالطات التأريخ، والسلطة وأرباب العروش والتي يرجّح أغلب مفكري العصور المتقدمة على أنه إضطراب إيجابي وهــوسٌ متكرّر ينتج بغايات عليا، تختزلها الذات اللاوعية، وذلك إثر تقمّصها لأفانين المسرح الحياتي العارم والضاجِّ بتناقضات الوجود اللا أخلاقي، وهنا يعاد التشكيل إنسانيا، ففي الجسد المنحّى عن بوصلة التأريخ، الجسد العقل، أو العقل المجسّد وبالتالي هو الإنسان الآخر، يكون محظور هذا الكيان المادي والعقلي (الإنسان آنفا) لغزا عقليا محيرا، وهو ما دفع بـ (سوبرفيل) إلى المناجاة حزنا:
كيف يمكنني الدخول
وأنا جبل.
إلى هنا تبدو تشاكلات الوعي، أي تمظهراته كما يعبر الألماني هوسرل وكذلك نعوم تشومسكي المتأخر عنه، عن ذلك، وهي تشاكلات إنما تتخذ من الكيان المادي الإنساني، والعقل الإنساني بشموليته، ومن ثم وجوده الإنساني برمته كأداة للتعبير ومثل الصيرورة الإنسانية وتمثلاته المتجسدة في الحضارات والآثار الإنسانية الأخرى، وهي ملاذا لها وللسلطة الأخري ـ السلطة التي هي الإنسان الآخر، ولكنه المجسد هنا بـ (مملكة - دولة ـ علم ـ نشيد ـ تأريخ ـ رجالات ـ نفوذ ـ حكومة ـ تشريع ـ أحداث ـ أمجاد... وربما رجل واحد أوحد تماما.... الخ)، إنه الملاذ الآمن، البناء الأكثر إتضاحا ووفقا لرولان بارت فإن قراءة السلطة ستكون النحو التالي، وكما في نصه الغرائبي المحنك السبك:
النص هو الاستدلال على انعدام السلطة
إن وعي الآخر مجسّدا في النص، قضية كبرى، حين تتطلع الجماهير ـ الضد هنا ـ إلى نخبوية السلطة وعطائها القادم هناك، وعلى أنها الغياب الطافح بالأنين المعرفي من جهة، وهناك على المفترق مرارة البون الشاسع بيني وبينك أنا الشعب (الثبات) وأنت السلطة (التحرك) أنا (الشعب المراقـَـب – بفتح القاف) وأنت (السلطة المراقِبة – بكسر القاف)، وعبر غائيات ودوغما امتلاكك لي بذرائعيات (أمن، سيادة، تنظيم.... إلخ)، وليقف النص ـ الإنسان المتقدم في الوعي التأريخي ـ ليدل بوضوح تام على أنه الدليل على الانعدام الصريح للسلطة، وبمطلق ما يذهب إليه التحليل في شفرة السلطة المتقدم هذا، وللتنويه فإن التشاكلات المتقدمة إنما تمثل في جوهرها السلطة وبكل استدلالاتها ضمن قراءات مراتبية الحضور المادي النخبوي اللا متعادل، السلطة النفوذ ـ Power السلطة الامتلاك والتحكم Authority السلطة الألم الجمعي، النقد Criticisms السلطة القارئ، السلطة التأريخ Histories السلطة الجماهير مظللة، السلطة الخطاب محظورا، السلطة التفكير الصامت، السلطة الأنبياء، الحكماء، المدرسيون... إلخ..
إن السلطة هي موضوعة للإنعدام المقصود في نصّ الناقد الفرنسي النابه رولان بارت، وهو المولود في خضم يسارٍ رديكالي الانبثاق والتوجّه، ويمينٍ واجم الروح والجذور، مركزا تكوينه المعرفي الإنساني، على حقيقة جوهر التغييب التام لقدرة الحدث النبيل (الإنسان مفكرا) أو (الإنسان مصدر خطاب) والذي وعى وسيعــي دومـا حضوره القلق بين فكي نهج السلطة وفلسفتها الضارب بقسوة في العمق، وبما هو عليه من الاصطـلاح في اللغة العربية حيث يحمل الكثير من معاني الإدراك على أن الانعدام مأخوذ من العدم، والعدم هو نقيض الوجود، إن تم ذلك ضمن معادلة بارت فإن العدم سيحتمل التأريخ القادم أي الإلغاء من لحظة التواجد السلطوي وإلى ما سيأتي من النصاب الزمني وبموشورات الاستقراء الرياضي المطلق.
غير أن الروائي والشاعر ميلان كونديرا، وهو اللاتيني الشفاف، يقف بموضوعة وعي آخر، أخطر وأكثر شاعرية وديناميكية تجاه ضدّي (الإنسان ـ السلطة)
وبقوله:
صراع الإنسان ضد السلطة، هو على الأصحّ، صراعُ الذاكرة ضدّ النسيان
إن ميلان كونديرا وبصورة مغايرة، يحاول الإبقاء على ضدي التواجد الكوني، الذاكرة ـ النسيان، الذاكرة تلك الخصوبة المطلقة، والحضور المتعدد الرؤى والهواجس، والابتهاج بما هو مقدس ونبيل على المقربة من الحواس والوعي المبسط، غير أن النسيان وهو كناية عن الاقتراف اللا إنساني ـ إنه وبكل بساطة، الهدف والعمل على إلغاء الآخر، تغيب للزهرة والمرأة والأمة والقصيدة والكلمة الأولي للطفل والشيخ والتي تروم القدوم إلى وعيها ووجودها الحر، كذلك جوهر الكلمة (مفردة الكلام) التي وجدت لكي تقال، لا لكي تدجن أو تخبأ، إنها اللغة التي ابتدرت لتنمو على تربة المعاني، وهو معنى معقـّد وبلا شك، ونحن نكاد نلمحه عند الشاعر ت. س. إليــوت، وهو يتندر حزنه الإنساني شعراً
ـ إنَّ الكلمة
في داخلها كلمة،
لا تستطيع أن تقولَ:
كلـــمة.
انه الحبس الانفرادي لآلة التفكير النطقي والصراع الخفي في الحواس الرافضة، وهو الأشد خطورة هنا، حيث يبدأ من الرغبة الجامحة للسلطة ـ على تشتيت دور الموروث اللغوي، لكـي لا تقول شيئا بالمرّة، إنه الزحف المصحوب بألم خفــي مثل حمى ذكية في جسد مسجى، إنه القطع الدوغمائي لموتور شفرة التفكير الحق، أن يقف الإنسان متطلّعاً فقط، مشاهداً وحسب، خارج المشهد الذي هو فيه أصلا، وهو يطوق بنسيانه المرِّ الذي منحته !! ـ مع الوقوف مليا عند موضوعة ـ المنح، السلطة إياه، لكي لا يمنح شيئا البته، ولتكون بعد حين سلطته الممثلة، ما يعود إليه من الجذور التي ترفضها مرشحّـاته الإنسانية،
إنه القرار الأعم، إنسان مغيب، ذاكرة معطلة، وجود مغيب الدور، خوار مجمّلٌ بهيئةٍ عنقوديةٍ سادرة، تأريخ ما لشيء ما غير مسمى ولا يمكن استعادته بأية هوية، تراث من الحزن والإنكسار والإنكفاء، عالم أشبه بمستشفى للمجانين والمدانين عقليا ووجودويا، وهو ما أقتبسته مكابدات الخلق الدرامي السيمي، عبر سينوغرافيا المعني، تعبيرات فضاء المعاني التي تكشف عن سبب صمت النص أزاء السلطة، قبالة السلطة، ومَقدَم رمزية الفن في جيناته المحدثة ـ الإنسان بتشيـيئاته المحظورة، والتشيّئ Thing can be true إصطلاح يعزى إلى الفيلسوف الألماني هيغل في حثّ الأشياء على التشيّئ كونيا، لأن الأشياء وجدت لكي تسمّي، وكذلك الإنسان، أي المبتكر الفذ، وهو الديالكتيك الماركسي آنفا، حيث تمظهرات epresentatives ومعاودة روح هوسرل، في أن الوجوم عن النطق تغييب، إنه القدرة على الإلغاء، القدرة على البقاء حيا، وكما يذهب الساحر الكولومبي غابريل غارسيا ماركيز في مبتدأ روايته الذائعة الصيت مئة عام من العزلة، وهو يصف قرية ماكندو ـ مكان دراما الوجود قائلاً:
كانت الأشياء بــلا أسماء، تشيرُ إليها الأيدي، لكي تتعرّف عليها.
وفي الشارع الإسلامي، نلمح جذورا ترتبط هي الأخري بذات المعترك ومنها قوله تعالي:
"إنَّ الملوكَ إذا دخلوا قريةَ، أفسَدوها، وجعلوا أعـزّة أهلِها أذلـّـهْ"
وقوله: "عبادي ليس لك عليهم سلطان"
وقوله: "فذكر إنما أنت مذكر، لست عليهم بمسيطر"
فالملوك، ودونما مواربة، هم كناية عن السلطة، والفساد، هو التغييب المعرفي والأخلاقي بلا شك وعبر الإحالة إلى ألم الإذلال، إنه الإنسان ملغيا هنا، وبسلطة أخيه الإنسان، وبذرائعية الحفاظ على الإنسان ذاته أخوه، رفيقه، جاره، مواطنه، زميل عمله ومن ثم وائده أي قاتله......
والذي هو الملك، بما امتلك، والرئيس بما ترأس وقرين الوعي والاعتقاد بما اعتقد به ومنها معرفة الإرهاب الإتيان على الإنسان بسم الله خالقه (معرفة الحزب، مجموعة افراد ومنظر ضمن زمنية مقيدة الوعي والمديات، (وإن جدوى السلطة هنا، هي الضدية، كما عبّر القرآن الكريم عن مكــة، بصفتها الدولة، كل الدولة بتشريعاتها السلطوية ذات النماذج الأولية في صياغة قرار السلطة، فالقرية في القرآن، وكما تذهب جمهرة من المفسرين، هي كناية عن الدولة أو التنظيم السلطوي، ومنها قوله تعالي: " لتنذر أم القرى "
وهي بمعني العاصمة الروحية، أو مدينة الأقرب من كل المدن، وباستدراك لفظة الملوك تقع علة السلطة في محظور عليتها، كما يذهب إجماع الفقهاء إلى ذلك، أي سببّيتها، وهو تشيّئ (تأويل بلغة أهل الفقه) آخر، لطالما نشأ على الضدِّ من وجودية الآخر، الفاضل، النبيل، العضو والداخل في ضمن الجنينية الأفلاطونية، والمنفي والخارج عن قرار حملة القرار في خارجية كولن ويلسون وبحثه الفلسفي الخفي في اللا منتمــي (Outsider).

عباس الحسيني / أمريكا - أفق - abbasalhusainy@yahoo.com


الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://lorca.ahlablog.com/
kanaan
{{}} مشرف {{}}
{{}} مشرف {{}}
avatar

ذكر عدد الرسائل : 533
البلد : Yiebna
الوظيفة : Critic
تاريخ التسجيل : 12/07/2007

مُساهمةموضوع: رد: ملف آرثور رامبو   الأربعاء سبتمبر 19, 2007 6:16 pm



الشعرية تشهد على كل عصر
طاقة اللغة محفوظة غير مبددة عكس طاقة اللغة في الحقول الاخري فانها تؤدي الي المنفعة والتداول والفهم.. اما طاقة اللغة الشعرية فمحفوظة داخل الشكل الشعري لاتتبدل ولا تستهلك.
هل يمكننا اذن وفق هذا الفهم ان نعيد تعريف الشعر لغويا فنقول بانه اللغة عندما تحتفظ بطاقتها وهل يمكننا ان نعرف النثر لغويا فنقول بانه اللغة عندما تتبدد طاقتها او تستعمل طاقتها او تستفيد من اجل شيء معين.
يمكننا ان نمضي في هذا الاستنتاج ونقول ان اللغة في الشعر طاقة غير متحولة في حين تكون اللغة في النثر طاقة متحولة الي نوع اخر فمثلا النثر الخارجي (الموضوعي والعلمي) يحول اللغة الي العمل والاخبار والتحريض والوصف والنثر التعليمي يحول الي معارف ومعلومات وهكذا، اما طاقة الشعر اللغوية فلا تتحول بل تبقي متوهجة داخل ذاتها ولذلك يندرج النثر في التاريخ ويستعصي الشعر علي التاريخ لانه لا يتعاقب ولا يتحول ولا يستنفذ بل يبقي شيئا وسط الاحداث والخطابات المنوعة التي حوله.
فمثلا تقف قصائد المتنبي واقفة في القرن الرابع الهجري في حين ان سلطات واعلام واخبار وقوانين وعادات القرن الرابع الهجري اندرجت في التاريخ.
وتقف قصائد رامبو في القرن التاسع عشر المليء بالاحداث والاخبار تقف نضرة مشعة يتأملها انسان في نهاية القرن فيجدها طازجة قوية مليئة بالحيوية.
هل يعني هذا ان اية رسالة يكون موضوعها الرسالة نفسها (لاتأخذ موضوعها مما حولها ولا تدل عليه).. هل يعني انها يجب ان تكون رسالة شعرية بالمعني المتعارف عليه أو لنقل نصوصا شعرية؟
بالتأكيد كلا.. لاننا عندما نتحدث عن وظائف اللغة ونجد ان احدي وظائفها هي الشعرية (لان مضمون الرسالة او اللغة هو اللغة نفسه وليس ما تدل عليه) فهذا امر مختلف تماما عن حديثنا عن فن الشعر الذي هو الاجراء الفني وليس غايتها فقط.
ولنقل بصورة ادق ان الشعرية هدف لايتحقق الا بالفن اما الوظيفة الشعرية فامر يمكن ان نضعه في الغايات او النوايا الشعرية التي قد تنجح او لا تنجح في تحقيق ما تذهب اليه.
هذه المقولة تنسف كليا تهم (الذاتية واللغوية والغموض) للشعر وتحلها حلا معقولا لان من طبيعة الرسالة التي تعالج فيها موضوع الرسالة نفسها ان تكون ذاتية لغوية غامضة بعض الشيء.
لابد من اثارة هذا المفهوم لان خلطا كبيرا يحصل دائما بين الوظيفة الشعرية والوظائف الاخري (الاجتماعية، السياسية، التعليمية، الانفعالية، النفعية.. الخ) التي تندرج ضمن الوظائف الموضوعية الاستهلاكية للغة.
لااقصد هنا مطلقا عدم انفتاح الغاية الشعرية للغة وهي في طريقها الي التحقيق علي هذه الوظائف ولكننا يجب ان نطالب الشعر بأن يخضع لهذه الوظائف فتنحرف الغاية الشعرية وتصبح تابعه لوظيفة اخري.
لانستطيع هنا ان نحسم امرا ونقول بأن ما يكتب من شعر يجري في هذا المجري ولكن الشاعر وهو يصنع من نفسه شاعرا حارسا لعظمة الشعر ولنقائه وقوته يزداد وعيه الي درجة من هذا النوع لاتسمح له ان يكون تحت مطرقة الغايات الاخري ثم تابعا ذليلا لها.
ان الشاعر وهو يتقدم الي الغاية الشعرية يحتاج الي بطولة وعي شعري تتماسك وتزداد وتشمخ مع الوقت ويجب قطع الطريق دائما علي تراجعها ومجاملاتها وتهافتها.
غسل الكلمات
المفردة في الشعر القديم مغيبة الهوية تركض باتجاه المعني الذي اقترح لها اعتباطا ذات يوم، تكرس ما خلقت من اجله ولذلك فهي اداة استعمال واداة توصيل لا اكثر ولا اقل.. المفردة في الشعر القديم لاشخصية لها.. حيث المعني سيد الموقف.
واذا افترضنا ان اللغة تناظر الحياة في تكوينها وعفويتها وقوانينها الداخلية لانها تنشأ من نمو الحياة وتطويرها فلماذا لانعد المفردات (الكلمات) هي الكائنات الحية في هذه الحياة وان لكل منها استقلاله وشخصيته فهي مثل انواع النباتات وانواع الحيوانات وانواع الاحياء المجهرية التي نعيشها لها حياة خاصة وخفية لانري منها في احيان كثيرة الا ظاهرها وان لها علاقات ببعضها هي علاقات تعايش وتجارب ونقض وبقاء.
في الحياة اليومية الاستهلاكية يمكن ان تعمل اللغة اداة توصيل وتفاهم حيث تضحي الكلمات (الكائنات الحية) بحياتها وشخصيتها ونبضها من اجل ان يتفاهم الانسان مع الانسان وان يتواصل هذا التفاهم فهي اي المفردات لا تقبل بمثل هذه التضحية طواعية بل يرغمها الاستهلاك علي ان تكون هكذا لكن الادب هو الذي ينصف هذه الكائنات وعلاقتها ويعيد لها الاعتبار والشعر هو اكثر اجناس الادب حرصا علي عدم التبديد بالكلمات (المفردات) وبعلاقتها فهو يغسلها من الاستخدام اليومي الروتيني الذي مسخ شخصيتها ودمرها ويعيد لها الاعتبار والقوة.. يضعها في استخدام جديد يوحي ان الحياة (الحياة اللغوية) كلها مجسدة في هذه المفردة ويضعها في علاقة غير عادية.. غير متوقعة يتخذ لها مكانا ويجلسها فيه ولهذا يصبح النص الشعري مدهشا لانه:
1. اعطي معني جديدا للمفردة.
2. وضعها في علاقة جديدة. وهكذا تتجدد اللغة مما يسبب في تجدد حياة الانسان وانعاشها وتوترها وتطورها.
العلاقات اللغوية القديمة في الشعر والنثر علاقات محددة او مصنفة بلاغيا حيث لاخروج ولا تدافع ولا تسلح ضد البلاغية بل اجادة وسبك لها، ووضعها في قوالب جامدة.
ويأتي كساد المفردات وعلاقتها في الشعر القديم من صرامة النظام اللغوي والعقلي الذي سجن داخله الروح الانساني وكبلها وهكذا تأتي الرؤية ضرورة جذرية لتحرير الشعر والعقل من قواهما السلبية هذه الرؤية تتضمن شيئا لاتفصح عنه الحياة العادية الاستهلاكية شيئا خارقا للعادة شيئا استثنائيا ومفاجئا يتضمن بالضرورة وضع المفردات والعلاقات في صيغ جديدة.
لقد تبنت البنيوية دراسة العلاقات بين المفردات بكونها حقيقة اللغة وجوهرها فاللغة في نظرها علاقات وليست مفردات وهكذا اهتمت الدراسات الالسنية الحديثة بالعلاقات اللغوية (الصوتية والصرفية والبلاغية والاسلوبية) وتوصلت الي نتائج في غاية الاهمية في هذا المجال لكنها بالمقابل اهلت وجود الاشياء اللغوية اي المفردات وعدتها مجرد قطع شطرنج يمكن ان تكون خشبا او حديدا او عجينا او طينا لافرق المهم في ذلك هو ان لعبة الشطرنج وبالتالي لعبة اللغة تخوض وفق قوانين داخلية معروفة وقد كشفت عنها حقاً في نظريات متعددة كان اهمها نظرية شومسكي التوليدية التي اعطت تصورا مقنعا عن قوانين اللغة التوليدية والتحويلية.
لكن المفردات ظلت بمنأي عن البحث اللغوي الشامل ثم تخصص به فرع اسمه علم الدلالة.. ولم تتضافر علوم اللغة مع علوم الدلالة لاظهار تصورات مقنعة عن اللغة بصورة عامة واللغة الشعرية بصورة خاصة.
لكن الشاعر وهو يخوض في دراسته كل هذه العلوم لايمكن له ان يتقيد بها بل عليه دائما ان يفهمها ويهضمها ثم يخرج ويجعل من قوانينها الصارمة في حرج دائم.
ان عدم انصياع الشاعر لعلوم اللغة لايعني عدم دراسته وفهمه بل العكس هو الصحيح فالخروج الواعي يتم بعد الدراسة والتقصي الكثير من الشعراء لهم سليقة فطرية للخروج علي القانون وهذا شيء اساسي ومهم ويجب ادامته حتي وهو يخترق ويفهم طبقات المعارف التي تخص اللغة بمعني ان العفوية وعادة الخروج علي السياق يجب ان تنشط اكثر عندما ينتقل الشاعر من مرحلة الامية الثقافية الي مرحلة التسلح بالمعرفة.. وهذا يفتح امامنا باب النقاش واسعا وكبيرا.
فاذا كان الشاعر كبير الموهبة قليل الثقافة يحتاج الي قدر معين من العفوية والفطرية .. فان الشاعر كبير الموهبة كبير الثقافة يحتاج الي اضعاف هذا القدر من العفوية والفطرية لانه مضطر دائما الي تذويب هذه الكتل المعرفية بالكثير من العفوية والخروج الدائم عليها.
وهنا يمكننا ان نحل الاشكال السابق ونقول:
ان الشاعر الجيد المثقف هو اكثر عفوية وفطرة من الشاعر الجيد غير المثقف لانه تسلح وهو يخترق الثقافة بالكثير من العفوية والفطرية حتي يكون جيدا او حتي يحافظ علي طراوة موهبته.
وهذا يعني ان الكثير من الشعراء الجيدين غير المثقفين يخافون من المزيد من الثقافة لانهم يشعرون بان ذلك سيتطلب منهم فطرة اعمق واخصب مماهم عليه الان.
وهذا التحليل نفسه يلقي الضوء علي ان الشعراء الجيدين الذين ضعفت مواهبهم الشعرية بعد المزيد من الثقافة هم شعراء يحملون قدرا محدودا من العفوية والفطرة لايتحمل هذا القدر من الثقافة والمعرفة ولذلك تحطمت مواهبهم تحت هذا الثقل.. انهم لم يقدروا حجم موهبتهم فخسروها ولا اقول كسبوا المعرفة والثقافة لانها ليست بديلا عن موهبة الشعر التي هي اعظم كنز يعثر عليه الانسان في حياته ومن المؤسف حقا ان يبددها بهذه الطريقة او بطرائق اخري كثيرة.
وعودة الي سياق الموضوع نري ان الشاعر الحقيقي هو الذي ينظر الي اللغة (مفردات وعلاقات) بطريقة اخري ولا يهادن في ذلك اذ ان عليه دائما ان يقول كلاما مدهشا جديدا غريبا لم نسمعه من قبل.
الشعر والكلام
اذ عدنا الي تفريق (دي سوسير) الشهير بين اللغة باعتبارها نظاما اجتماعيا والكلام باعتباره اجراء فرديا داخل هذا النظام الاجتماعي فسنجد ان اللغة تسكن وتنطوي علي نفسها في الكتب والقواميس والقواعد اللغوية اما الكلام فيتحرك في الشارع والمعمل والبيت قويا نشطا.
اما الشعر وهو اجراء فردي خاص داخل الكلام (الكلام هنا لايعني اللهجة) فمشكلته تكمن في انه كان جزءا خاصا او ذاتيا داخل الكلام وهكذا كان الشعر القديم اما الشعر الحديث فقد ظهر بعد ان ظهرت الطباعة التي اشاعت الكتاب والكتابة بين الناس واصبح بالامكان قراءة الشعر في كتاب وعدم سماعه وهكذا ظهرت الكتابة التي هيأت لظهور الشعر الحديث وبدأت تفصل الوظيفة السماعية للشعر عن نظامه.
اننا هنا امام مفارقة جديدة.. الشعر القديم يرتبط بالكلام المحكي او المسموع ولذلك ينتشر وفق تطابقه مع ذائقة الكلام المحكي في ذلك العصر ويحتجب عندما تختفي هذه الذائقة.. والشعر الحديث يرتبط بالكلام المكتوب الذي يقلل عادة من اهمية تطابقة مع ذائقة الكلام الشائع في عصر معين، انه يحفر في مفصل الكتابة نفسها (اللغة وهي مكتوبة).
ويعد التحول في اعتماد الشعر علي الكتابة اهم التحولات التي ادت فيما بعد الي قلب وظيفة الشعر بكاملها والي تغير ستراتيجي في اهداف الشعر حتي ان الشعر الشعبي هو الذي حافظ علي اتصاله بالكلام للتداول ولم يتصل بالكتابة (من حيث الجوهر) وبذلك اصبح هناك، دون قصد، نوعان من الشعر احدهما يبتكر نفسه ويجددها وينفعل بها من خلال الكتابة والاخر يعوم علي سطوح اللغة او الكلام بوصفه احد اشكال تمفصلها مع المجتمع.
ان الوظيفة السماعية (الاثارية) الجماعية للشعر القديم او الشعر الشعبي تختلف كثيرا عن الوظيفة البصرية (العميقة) الفردية للشعر الحديث وبذلك نجد انفسنا امام تجنيس جديد يقضي باعتبار احد النمطين شعرا والاخر لاشعر وهنا تكمن خطورة جديدة تشيع اشكال تذوق وتبدل قد يطرح خارج المفهوم الادبي نفسه في منطقة الصيرورة الانسانية كلها.. اي من الادب الي الوجود الانساني ذاته.
لم ينجز الادب القديم نمطا جذريا ساخنا من الادب بل عجل في تحولات اسلوبية كثيرة ناتجة في حقيقة الامر عن الوعي الشقي للكتاب امام عصور لا تستجيب لتفتح ذواتهم الفائرة العميقة القلقة.. ولم يكن نتاجهم ناتجا عن تبديل البنية الذهنية لهم بحيث تنتج بني ادب جديد.
اللغة افقية مشتركة بين الناس والاسلوب الكتابي عمودي يمثل داخل الكاتب واعماقة فاللغة اذن تاريخ علم نازح من الماضي اما الاسلوب الكتابي، الشعري الحديث فقفزة فردية داخل هذا التاريخ العام ومحاولة او محاولات لزحزحة بنيانه وانعاش تواتره الرتيب.
التاريخ الادبي القديم علي هذا الاساس تاريخ بطئ مضجر تتقافز فيه تغيرات غير منهجية في المضامين والاشكال وفي الاجناس الادبية اما التاريخ الادبي الحديث فهو متسارع وهو ليس تاريخا تطوريا بل هو تاريخ خلقي ابتكاري لايتناسل وفق السلالة ولذلك تبدو محاولات خلق اباء واجداد واصول في الادب الحديث عملية اسقاط من الادب القديم.. فالمبتكر في الادب الحديث فرد لا اب له ولا ابن .. انه صانع وحسب اما منطق السلالات الذي اشاعه الادب القديم فيبدو انه واحد من معوقات قوة ونهوض وجمال الادب الحديث.
تنشيط اللغة عن طريق الشعر
بعد ان يجهد البيريس (الناقد الفرنسي) نفسه كثيرا في ايجاد تعريف دقيق للشعر في ضوء خروجه الدائم عبر سياقات وبعد ان يقيم تعارضا حادا بين الشعر الذي هو المخاطرة دائما والنثر الذي هو ما يخاطر ضده دائما..
بعد كل هذا ينتهي الي القول بما يلي (انما الشعري هو ما لاتستطيع اللغة التعبير عنه، وبذلك يصبح الشعر مخاتلة تمردا، نضالا ضد اللغة).
كيف اذن يمكن التوفيق بين الجملتين التاليتين (الشعر يعبر عنه باللغة) (الشعر هو التمرد ضد اللغة)؟ قد يكون مفهوم الانزياح الذي اقترحه كوهن نوعا من الحل ولكن حله هذا يفترض لغة قياسية (غير موجودة) يتم الانزياح عنها ليتكون الشعر ولان الكلام اليومي الذي نتداوله انزياح عن اللغة القياسية لذلك يمكن القول ان الانزياح يتداخل مع الانزياح الكلامي اليومي الاستهلاكي مما يشوش الصورة نوعا او يفتح تلاقيا مخصبا بين الشعر كونه صبوة لغوية عالية وكلاما يوميا عاديا.. ولذلك يتراجع حل كوهن لاعتماده المطلق علي الانساق البلاغية (في القياس والانزياح) وتتقدم امامنا اقتراحات جديدة لتعريف او لمحاولة القبض علي تعريف الشعر.
ان المشكلة القديمة البائسة التي تدور حول العلاقة بين الشكل والمضمون لا تشكل سوي محطة صغيرة يمكن ان نقف عندها لنغادر بعيدا فلقد دأبت الدراسات التقليدية للشعر علي ترديد جملة (فقيرة وباهته) تقول بانه لا يمكن فصل الشكل عن المضمون ثم ان الشعر هو ما يتعادل او يتوازن فيه الشكل والمضمون وهو حل توفيقي سهل وبارد ولا يحتاج الي عناء والحقيقة هي ان عناصر الشكل معروفة ويمكن ان نحددها ونحدد وظائفها وكذلك يمكن ان نحدد عناصر المضمون ودراستها ولكن النثر والنثر الادبي علي وجه التحديد هو الذي يفترض توازنا بين الشكل والمضمون اما النثر العلمي فيغلب المضمون علي الشكل لان الشكل اداة لتوصيل المضمون الدقيق لكن الشعر وحده هو الذي يتفرد بارجحية الشكل علي المضمون فالشكل يتقدم المضمون اهمية وبالشكل اولا يمكننا ان نقيس مدي تقدم او تراجع القصيدة فنيا.ان الشكل هو الذي يحدد المسارات المضمونة للقصيدة وهو سيد الحركة والغاية التي تسعي لها القصيدة فكلها عتلات تجرها حركة الشكل القوية.
ان خلع الطابع الشيئي للشكل الملموس للشكل يحدده او يقيده بمضمون محدد اما حقيقة الامر فهي ان الشكل يمثل منهجا نستطيع من خلاله القيام بعملية تمثيل لاي مضمون مهما كان.
تتكون اللغة من عناصر ترتبط بنسق معين يجعل من اللغة شكلا لا جوهرا ولذلك يكون الشعر عملا او شغلا في هذا النسق اي انه عمل في الصورة لافي الجوهر وهو لذلك شكل في الشكل او ميتاشكل، وهو غير الشكل اللغوي ولذلك يحق لنا ان نسأل اين ذهب الجوهر اذن اذن اين هو جوهر الشعر وكيف يتحقق؟ ان الجوهر موجود في العناصر لا بعدها لغة بل بوصفها موجودات خارج اللغة (اشياء مدركات ..الخ) وهذا يتطابق مع الجوهر الفيزيائي المعروف فأين الجوهر الشعري لا الجوهر الفيزيائي ؟ اعتقد انه في تحقق الموجودات بصورتها الشعرية، ولان هذا يتحقق باحتمال ضعيف وينتمي الي المستحيلات في عمومه لذلك يختبئ الجوهر الشعري في نفوسنا اشبه بالوهم الكامن الجميل الغريب المدهش وهكذا بعد هذه الملاحقة يمكننا ان نقول بان الجوهر الشعري يكمن في الشاعر لا في الواقع ولا في القصيدة وجوهر الشعر هذا بندول يترنح بين الشاعر وبين ما يكتبه اما متي يهدأ فهذا ما يستطيع عليه الموت وحده وأعني موت الشاعر.
لقد قامت الكتابة باختزال اللغة وبقص ترهلاتها واستفاضاتها الشفاهية المعقدة ثم قام الادب (داخل الكتابة) باختزال النمو السريع والمركب لانسجة الكتابة وقام الشعر علي وجه التحديد بالدور الاخير وهكذا يبدو لنا الامر مثل هرم تفرز قاعدته العريضة اتجاها مستدقا نحو القمة والقاعدة العريضة هي اللغة اما القمة فهي الشعر ان الشكل الشعري يتوهج هناك باعتباره كتلة من الرموز والاشارات ويحاول ان يكون (ميتاشكل متعالي) للغة ان تنقية اللغة بهذه الطريقة واحالتها الي نسيج موسيقي اشاراتي هي محاولة تطهيرية لعقل الانسان ايضا وضرب من التفتيت الدائم لكل الثوابت البلاغية وغير البلاغية التي تعتمدها اللغة.
ان المحاولات المتكررة من الشعراء الكبار لانجاز مستويات جديدة من الكتابة هي بالتاكيد المحاولات الوحيدة التي تنقذ الشعر من سقوطه المحتمل اذا ما نمط او ظل محصورا بمستوي واحد لذلك فان القفز بالكتابة من مستوي الي مستوي اعلي لايعني فقط الرقي العقلي والروحي بل هو تشذيب للغة وهكذا يحول الشعر اللغة الي نص مفتوح بل تتحول الآليات الشعرية الي معاول لفتح الثغرات في جدار اللغة لكي تتنفس وتستمر في الحياة.
ان نحت اللغة (عن طريق الشعر) لايعني تقليل المفردات المستعملة في الشعر بل يعني غسيلا دائما للمفردات الثابته المنهكة الاستعمال ثم يعني نقلا للمفردات المتكررة الي سبل استعمال جديدة وحفزا للمفردات الجديدة للتداخل في اللغة السائدة وهكذا تنفتح اللغة واذا ما انفتحت فان العقل سيتفتح ايضا وتفتح الحياة كلها، لقد زاد الشعر سعة الحياة مثلما زاد سعة العقل وسعة اللغة وهذه هي وظيفته الاولي بامتياز.
اذا كناقد استبعدنا الواقع او ذات الشاعر بوصفها مقر تحقيق جوهر الشعر فلابد لنا ان نقول بان القصيدة هي شكل تحقيق هذا الجوهر، هي ظهوره وهكذا تلعب اللغة دورا غير عادي في الشعر فهي ليست مقابلات لفظية لامور واقعية او نفسية او مشاعرية داخل وخارج الشاعر وان اللغة في الشعر ليست دالات لمدلولات نجدها في القاموس او نجدها في انفعال ومشاعر الشاعر.. انها هنا بالضبط كيان اخر مستقل، يقول جاكوبسن (ولكن كيف تتجلي الشاعرية؟ انها تتجلي في كون الكلمة تدرك بوصفها كلمة وليست مجرد بديل عن الشيء المسمي ولا كأنبثاق للانفعال وتتجلي في كون الكلمات وتركيبها ودلالتها وشكلها الخارجي والداخلي ليست مجرد امارات مختلفة عن الواقع بل لها وزنها الخاص وقيمتها الخاصة) ان اللغة اساسا عالم مستقل عن الواقع ولكن اللغة تقيم مع الواقع علاقة نفعية برغماتية كبيرة، اما الشعر فهو لغة مستقلة داخل اللغة ينفصل بخطوة واحدة عن اللغة وبخطوتين عن الواقع ولذلك فان علاقته باللغة والواقع علاقة تضاد وجمال وعدم خضوع.
ان الشعر هو انفراط اللغة والواقع من خيوطهما واشتباك خرزهما من جديد واقتراح انتظام اخر لهما.. لقد اندرج الشعر ضمن معطيات اللغة واصبح عاديا لانه لم يضع بينه وبينها مسافة وقد اندرج الشعر ضمن معطيات اللغة لانه اراد ان ينسخ الواقع فكان جزءاً ميتا منه.
ان الشعر بوصفه منطقة الخطر في الوعي ومنطقة الشرارة في اللغة والواقع يستعيد قوته الآن بطريقة فهم جديد قد تبعده عن ماكنا نسميه شعرا في الماضي حيث الوقت لا يسمح باعطاء مثل هذه الوظيفة للشعر انذاك.
ان ما طرحناه هنا لايمثل محاولة عزل الشعر عن الجمالية الواقع او عن اللغة بل يؤكد علي استقلالية الوظيفة للشعر من ناحية ويحاول ان يقدم خدمة كبيرة للغة والواقع معا لان (تلوثهما) بالشعر سيتيح لهما امكانية رائعة لنشاط جديد. لحركة مغايرة.. لهزة في خلاياهما ولانبثاقة جديدة لهما يسعي الشعر اذن، في النتيجة، الي تنشيط اللغة والواقع لا الي الانعزال عنهما.

خزعل الماجدي


الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://lorca.ahlablog.com/
kanaan
{{}} مشرف {{}}
{{}} مشرف {{}}
avatar

ذكر عدد الرسائل : 533
البلد : Yiebna
الوظيفة : Critic
تاريخ التسجيل : 12/07/2007

مُساهمةموضوع: رد: ملف آرثور رامبو   الأربعاء سبتمبر 19, 2007 6:17 pm





رامـــبـــو
الشاعر الفرنسي المتعطش للضياع ولد الشاعر الفرنسي رامبو وسط عائلة برجوازية وكان طالبا ممتازا ومتمردا بعض الشيء، وفي السادسة عشر من عمره كتب أجمل شعر في عالم القوافي، ومع نجاحه هذا، قرر التوقف عن كل عمل أدبي فجأة قبل أن يبلغ العشرين من عمره.
وفي عام 1875، فكر رامبو جديا في الفرار من أحزان مدينته ساعيا نحو الثروة في البلاد البعيدة، ويبدأ فعلا ترحاله ويعبر ألمانيا، وإيطاليا والنمسا وهولندا، ويتطوع في الجيش الهندي، ثم يتابع رحلاته فيصل إلى يافا في فلسطين، وفي عام 1878 ينطلق نحو الإسكندرية،
ثم يصل إلى قبرص، ثم يمتد به الرحيل ليصل إلى حوض البحر الأحمر، ويصبح صاحب محل تجاري في عدن قبل أن .يصبح شريكا تجاريا. وهكذا كرس رامبو عشرة أعوام من حياته للكشف عن عوالم جديدة في رحلة تعكس تعطشه للضياع.
ورامبو شاعر رحالة ووحيد، متوحش ومتعطش للضياع والاغتراب، وكذلك للمال حيث يعمل في تجارة الجلود، والقطن والسلاح، يحفر بيديه رمال الصحراء، ويستلقي تحت شمسها الحارقة يغطيه الغبار من كل جانب، ويتابع طريقه، متوجها نحو الحبشة، ويصاب بالمرض من جراء شدة الحرارة، والحبشة بالنسبة للشاعر تمثل تماما ما كان يتخيله في قصائده الشعرية قبل أن يبدأ الرحيل.
وقد قدم التلفزيون الفرنسي مؤخرا فيلما تلفزيونيا يعبر عن هذه المرحلة من حياة التعطش للضياع. وقد قرأ المشرفون على البرنامج التلفزيوني مراسلات الشاعر وشهادات بعض المعاصرين من أجل تكوين صورة واضحة لشخصيته قبل عرضها على الشاشة الصغيرة.
كتب رامبو عام 1884 رسالة إلى أحد أقاربه يصف حاله في مدينة عدن ويقول فيها أنه يعاني من جهل الآخرين له، تماما كما كان يعاني منه في الماضي، وقد أطبق عليه النسيان الكامل، وأن الشيء الوحيد الذي يفكر فيه في هذه المرحلة هو جمع ما أمكنه من .المال للعودة إلى فرنسا لكي يتزوج ويستقر.
وقال المشرف على البرنامج: "لقد أردت أن تظهر في شخصية رامبو التلفزيونية قوة الشخصية التجارية، وعنف المراهق الشاعر، وقرفه من الواقع، ورغبته في الانطلاق بعيدا، بعيدا، وانعكافه على ذاته".
وقد درس معد آخر من معدي البرنامج كل وقائع وحياة الشاعر، حتى أوراقه وحساباته المصرفية، وجمع كذلك وثائق حول منطقة هور، والحياة الاقتصادية والسياسية فيها، كل ذلك تم وضعه تحت تصرف الممثل الذي قام بدور الشاعر في الفيلم التلفزيوني.
ويقول مخرج الفيلم التلفزيوني بأنه طوال عشرين عاما كان يرغب في إظهار شخصية رامبو على الشاشة الصغيرة، كشخصية حية لها جانبها الملحمي والروائي الخيالي لكي يؤلف عناصرها التي تتألف من: الذهب والتجوال والصحراء.

المصدر: المغرب اليوم


الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://lorca.ahlablog.com/
kanaan
{{}} مشرف {{}}
{{}} مشرف {{}}
avatar

ذكر عدد الرسائل : 533
البلد : Yiebna
الوظيفة : Critic
تاريخ التسجيل : 12/07/2007

مُساهمةموضوع: رد: ملف آرثور رامبو   الأربعاء سبتمبر 19, 2007 6:18 pm



قرن ونصف القرن على ميلاد الذئب الوحيد
ليس هناك قصة حياة اقرب الى الأسطورة من قصة حياة الشاعر آرتور رامبو (1854-1891)‚ عندما كان في السادسة عشرة من العمر كتب واحدة من اشهر قصائد الشعر الفرنسي ثم سرعان ما صدم باريس البوهيمية بتعاطيه للمخدرات واقامة علاقة شاذة مع الشاعر يول فيرلين (1844-1896)‚ كتب رائعته «فصل في الجحيم» في أشهر قليلة (وهي المجموعة الشعرية الوحيدة التي نشرها وهو على قيد الحياة) ويقال انه احرق النسخ المطبوعة منها (وعندما اكتشفت بعض النسخ بعد وفاته في أرشيفه الخاص طلب الوصي على تركته الأدبية اعدامها لكي تأخذ الأسطورة مظهرا حقيقيا)‚ بعد ذلك راح يجوب المعمورة ويمارس اعمالا غريبة‚‚ اغرب ما تكون عن الشعر‚ ولم يكتب كلمة اخرى‚
في العادة يعتبر ابداع الشاعر وما يقدمه من اعمال بمثابة ترياق مفيد للميل نحو الأسطرة ولكن الاعمال التي تركها رامبو محدودة وملتبسة‚ شعره كله أقل من مائة قصيدة قصيرة‚ والنص النثري (فصل في الجحيم) لا يزيد على سبعة آلاف كلمة وقصائده النثرية المعروفة بـ «اشراقات» (آخر ما كتب من شعر) الى جانب 250 رسالة وبضعة نصوص اخرى‚‚ كل ذلك يكون مجلدين بالكاد‚ شعره يتراوح بين قصائد ملهمة وخربشات صبيانية معظم رسائله أكاذيب واضحة وبعض كتاباته الاخرى مشكوك في صحتها‚ هذا بالنسبة للأعمال التي تركها‚ اما المصادر الاخرى فحافلة بمشكلات والتباسات اضافية‚ مذكرات اقاربه واصدقائه السابقين عبارة عن منازعات متضاربة ومشكوك في صحتها كذلك وبالرغم من ذلك كله حاول كثير من النقاد «استخدام» رامبو وأعماله كمرآة تعكس اهتماماتهم الخاصة‚ وبكلمات الناقد «غراهام روب» ‚‚ تم احياء رامبو باعتباره شاعرا رمزيا وسيرياليا وشاعرا حديثا ومتمردا طلابيا وشاعرا غنائيا ورائد شذوذ ومدمنا للمخدرات كما كان يستشهد به ويتوسله فنانون كبار مثل بيكاسو وجيم موريسون وعلى الرغم من ذلك كله تظل الاسئلة الاساسية عن حياته دون اجابة شافية كيف استطاع ان يكتب شعرا كهذا في مثل تلك السن الباكرة؟ ولماذا هجره؟ وهل هجره أم أن ما كان يريده لم يأته؟ وهل كان يريده حقا؟
السنوات الأخيرة شهدت اصدارات كثيرة حاولت كلها ان تتناول هذا الشاعر تناولا شاملا فالى جانب سيرة الحياة التي كتبها روب ــ وهي اكثر الاعمال المكتوبة بالانجليزية شمولا على مدى نصف القرن ــ هناك الآن «رامبو‚‚ كاملا» الصادر عن مودرن ليبراري بترجمة وتحرير «يات ماسون»‚ كان المجلد الاول الصادر بالانجليزية عام 2002 يضم كل اشعار رامبو بالاضافة الى كتابات لم يسبق نشرها تتنوع بين موضوعات التعبير في المدرسة ونثار قصائد تم تجميعها عن طريق المعارف والاصدقاء وقبل اشهر صدر المجلد الثاني‚
يقول ماسون ان الرسائل تحاول ان تصحح الصورة وتوضح الجانب الرصين منها ــ الا انها ــ ولا نعرف ان كان ذلك قد تم بقصد أو دون قصد من المحرر ــ قد اوضحت كل شيء فلم تكشف عن ان الشاعر كان ذميما وبغيضا ولحوحا وكثير المطالب فحسب بل لعلها فعلت ما هو اكثر من ذلك كشفت الرسائل انه بعد ان ترك الشعر لم يفكر فيه على الاطلاق وهنا يقفز الى الذاكرة قول «كامو» «للابقاء على الاسطورية لا بد من تجاهل هذه الرسائل» كان «كامو» يرى انها يمكن ان تكون «مدنسة» شأن الحقيقة احيانا‚
بدأت اسطورة رامبو منذ لحظة مولده في العشرين من اكتوبر عام 1854 في مدينة شارلفيل الصغيرة (في مقاطعة الاردين شمال شرقي فرنسا) البعض يقول انه ولد وعيناه مفتوحتان دلالة على «الرائي» الذي سيكونه في قادم السنوات ويقول آخرون ان المولود فاجأ القابلة عندما وقفت مدهوشة مشدوهة وهي تراه يحبو في اتجاه الباب وهكذا ــ في نظرهم ــ يكون رامبو «مشاء» المستقبل او «العابر بنعال من ريح»‚ في طفولته كان رامبو قليل الاهتمام باللعب مثل سائر الاطفال ولكن موضوعات التعبير التي كان يكتبها في المدرسة اكسبته شهرة العبقرية‚ شارك في مسابقة لكتابة الشعر وهو في الخامسة عشرة‚ نام الساعات الثلاث الاولى من زمن المسابقة ثم تناول افطاره وقبل انتهاء الوقت المحدد سلم قصيدته وفاز بالمسابقة‚
رسائل رامبو التي بقيت تبدأ تقريبا من تلك المرحلة في حياته وللوهلة الاولى يتضح فيها ذلك المزيج الغريب من المداهنة والعناد والاصرار على تلبية مطالبه وهي صفات سوف تظل ملازمة له طوال حياته‚ في رسالة عجلى لاستاذه جورج ايزمبار يتبدى ميله للاثارة وعندما كتب للشاعر «تيودور بانفيل» محرر انطولوجيا «البرناسي المعاصر» نجده يقلل من شأن نفسه رغم فتنته بوعده الخاص: استاذي العزيز حاول ان تحتفظ بهدوئك وانت تقرأ قصائدي لا تضحك‚ لا تبتسم‚ بوسعك ان تدخل السعادة على قلبي وأن تزرع الأمل في نفسي لو انك وجدت لها مكانا ولو صغيرا بين البرناسيين‚‚ طموح؟ جنون؟! كان آنذاك في الخامسة عشرة وأرفق برسالته ثلاثة نماذج من اشعاره كان من بينها قصيدته «احساس»: في اماسي الصيف الزرق‚ سأمضي عبر الدروب‚ ينقر القمح أقدامي‚ ادوس العشب النابت حالما‚ سأحس بندواته‚ وأدع الريح تضمد رأسي الحاسر‚ لن اتكلم لن افكر في شيء‚ لكن الحب اللامتناهي سيتصاعد في نفسي وسأمضي بعيدا‚ بعيدا جدا مثل بوهيمي عبر الطبيعة سعيدا كما لو مع امرأة‚
وهي غنائية تقوم بعملية تقطير لأعمال الأسلاف على نحو اصيل كما حدث بالنسبة للوحة «مونيه» الانطباعية الشهيرة «شروق الشمس» تلك اللوحة التي ستبدأ الحركة الانطباعية في التصوير بعد ذلك‚ باستخدام رامبو للزرقة لوصف ليالي الصيف لعله كان يتطلع الى «السيريالي» الذي سيكونه ايضا بعد سنوات قليلة من ذلك اما تركيزه على ما يشعر به اكثر منه على ما يرى فهي عملية مزج بين افكار شعر الطبيعة عند البرناسيين والانجذاب الشديد نحو الحسية‚
وفي مايو 1871 كتب رامبو الرسالتين اللتين ستعرفان بـ «خطابات الرائي» وفيهما نجد تعبيرا واضحا عن عقيدته او بيانه الشعري‚ الاولى موجهة الى «ايزمبار» وتبدأ باهانة الشعر الذاتي الجاف وتتضمن اغنية قصيرة رتيبة: «اهبط الآن الى اسفل الدرجات‚ لماذا؟ اريد ان اكون شاعرا وأحاول ان اصبح رائيا‚
لن تفهم كل شيء وربما لا استطيع ان اشرح لك يجب ان تصل الى المجهول باجراء خلل لكل المعاني‚ العذاب كبير‚ ولكن ينبغي ان تكون قويا وأن تكون قد ولدت شاعرا‚ ولقد اكتشفت انني شاعر وهذا ليس ذنبي‚ من الخطأ ان تقول انني افكر يجب ان تقول انهم «يتفكرونني»‚ انا آخر ! معذرة لهذا اللغو واللعب بالكلمات»‚ الرسالة الثانية الى صديق ايزمبار‚ بول ديميني (وهو شاعر شاب كان قد تعرف عليه قبل عام في دوية) وفيها تكرار وتفصيل لقراراته التي ستجيء سريعا: «اول مهمة لمن يريد ان يصبح شاعرا هي ان يعرف نفسه تماما‚ ان يبحث عن روحه يفتش فيها‚ يختبرها‚ يفهمها‚ الشاعر يجعل نفسه رائيا عن طريق تعطيل وتلويث كل الحواس يمارس كل أنواع الحب والمعاناة والجنون‚ يبحث عن ذاته‚ ينهك كل ما يمكن بحيث لا يبقى سوى الجوهر ولكن رامبو لم يستطع ان يحقق ذلك بمفرده‚
ولكن حياته في افريقيا لم تكن غامضة كما يوحي اسلوبه في استدراء العطف‚ ما كتبه تشارل نيكولز عن تلك السنوات بعنوان: شخص آخر‚‚ آرتور رامبو في افريقيا يكشف ان اصدقاءه كانوا يتذكرونه باستمرار باعتباره محدثا جميلا ورجل اعمال بارعا استطاع ان يغوص في ثقافة المنطقة‚ اثناء وجوده في هرر‚ عاش مع امرأة محلية عاما ونصف العام وكان لديه خادم يحبه لدرجة انه جعله المستفيد الوحيد من وصيته وهناك شهادات كثيرة وأدلة على اهتمامه بالثقافة العربية وبالاسلام وأنه كان يحتفظ بخاتم محفور عليه الاسم الذي اختاره لنفسه وهو عبده رامبو وليس صحيحا انه لم يكن هناك من يكاتبه فقد اختار ماسون ان يستبعد من هذه الطبعة من الكتاب اكثر من ثلاثين رسالة منه الى «ألفرد الج» ــ تاجر سويسري ــ بزعم انها لا تتضمن سوى معلومات عن اعمال تجارية بيد ان الاقتباسات التي نشرها آخرون من هذه الرسائل توحي بأن الاتـــصالات التي جرت بين الرجلين (33 رسالة) خلقت بينهما علاقة حميمة وأن الرسائل وان كانت مراسلات عمل الا انها تكشف عن شخصية رامبو المرحة وقدرته الفذة على الوصف‚
الحدث الأهم في مرحلة عمل رامبو في افريقيا هي تجارة السلاح التي مارسها لحساب «منليك» ملك «شوا» في قلب اثيوبيا ويقال انه تاجر بالعبيد وان كان ذلك ليس مؤكدا‚
في 1888 كتب الى امه وشقيقته «‚‚‚ ضجر طوال الوقت‚ لا أجد شيئا مهما للقول‚ صحارى يسكنها زنوج اغبياء‚ لا طرقات‚ لا بريد‚ لا مسافرين‚ عم تريدوننا ان نكتب من هنا؟ عن اننا نضجر ونمل ونصبح اغبياء؟ وكما ان الامر لا يسلي احدا فالسكوت افضل!»‚ كانت امه تحاول ان تقنعه بالزواج وكان يرد عليها بأنه ليس لديه الوقت للبحث عن زوجة ولكن رأيه تغير في أغسطس 1890 عندما سأل امه في احدى رسائله: «هل يمكن ان اجيء للزواج عندكم في الربيع المقبل؟ الا انني لا يمكنني ان اقبل بالاقامة بينكم ولا بالتخلي عن اعمالي التجارية هنا‚ هل تظنين انني يمكن ان أجد من تقبل ان ترافقني في اسفاري؟»‚
يبدو ان رامبو كان يستشعر اقتراب نهاية الرحلة اذ عندما عاد الى «هرر» في فبراير 1891 زادت آلام ركبته اليمنى حيث نقرأ في رسالة الى امه: «حالتي تسوء في الوقت الحاضر‚ تؤلمني وتوجعني على الاقل الدوالي في ساقي اليمنى‚ هذا ما نفوز به من عملنا في هذه البلاد التعيسة (‚‚‚‚‚) اشترى لي الجوارب المخصصة لمرض الدوالي‚‚ لساق طويلة ومتيبسة بانتظار ذلك احتفظي بقدمي مربوطة»‚ ولكن عندما وصلت الجوارب كانت ساقه قد تورمت وكان لا بد من العودة الى عدن للعلاج لكنه لا يستطيع السير أو ركوب دابة كتب في 30 أبريل 1891:
تلقيت رسالتك والجوارب في ظروف بائسة بعد انتفاخ ساقي وتورم ركبتي وتفاقم آلام المفاصل‚ قررت العودة الى عدن‚ اعيش وحدي في «هرر» بين الزنوج‚‚ لا دواء ولا نصيحة‚‚ اقتضى ذلك مني ان اتخلى عن اعمالي التجارية ولم يكن الامر سهلا‚ توصلت الى تصفية كل شيء تقريبا‚ الألم شديد والنوم لا يعرف طريقه الي عيني‚ استأجرت 16 حمالا زنجيا وطلبت صنع نقالة ليحملوني عليها‚ توصلت الى اجتياز ثلاثمائة كيلومتر في الصحراء بين جبال «هرر» وميناء «زيلع» في 12 يوما‚ بعد وصوله ادخل المستشفى الاوروبي ثم سافر الى مرسيليا بالبحر وفي الثاني والعشرين من مايو ابرق الى امه «تعالي انت أو ايزابيل الى مرسيليا اليوم بالقطار السريع‚ سيتم بتر ساقي صباح الاثنين‚‚ خطر الموت !»‚ ومات بالفعل في مرسيليا في العاشر من نوفمبر 1891 ودفن في مدافن العائلة في مسقط رأسه شارلفيل‚ لم يمش احد وراءه الى القبر سوى امه وشقيقته‚ ووضعت شاهدة تشير الى قبر التاجر جان آرتور رامبو اما شاهدة قبر الشاعر فلم تظهر الا في عام 1946 أي بعد سبع وخمسين سنة من موته عن طريق جماعة مرسيليا الأدبية‚
هل رسائل رامبو الافريقية مدنسة بالفعل للمقدسات ومنتهكة لحرمة الاسطورة كما كان يقول «كامو»؟ المؤكد انها لا ترسم صورة ايجابية أو مرضية للشاعر فهي لا تكشف الا عن رجل «عادي»‚«نثري»‚«مبتذل»‚«تاجر»‚ من جانبهم‚ حاول النقاد تجاهل المرحلة الثانية من حياته ليزعموا ان رامبو في افريقيا كان «شخصا آخر»‚ بالمعنى الحرفي للكلمة اذ ليس هناك شاعر حقيقي يمكن ان يتخلى عن فنه كلية دون نظرة واحدة ــ خاطفة ــ الى ماضيه‚ ولكن السؤال الاكثر صعوبة الذي تثيره حياة رامبو هو: ماذا نقول عن فنان ينتهي عمله قبل ان يصل الى مرحلة النضج؟ كيف يهجر الشاعر الواعد الشعر تماما بعد اعمال مثل المركب السكري وما فيها من رؤى مدهشة‚ واشعاره المرئية وما فيها من سيريالية واشراقاته وما فيها من تصوير رائع؟ رامبو كان يمضي ــ كما يقول في قصيدته بوهيميتي ــ وقبضتاه في جيبيه المثقوبين!.

طلعت الشايب


الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://lorca.ahlablog.com/
kanaan
{{}} مشرف {{}}
{{}} مشرف {{}}
avatar

ذكر عدد الرسائل : 533
البلد : Yiebna
الوظيفة : Critic
تاريخ التسجيل : 12/07/2007

مُساهمةموضوع: رد: ملف آرثور رامبو   الأربعاء سبتمبر 19, 2007 6:20 pm



رامبو: الشعر والجنون
"لم أعد شاعراً لأني لم أعد مجنوناً"
يمكن لهذه العبارة ان تلخص تجربة رامبو في الشعر والحياة على السواء. من هنا السحر او الجاذبية التي تمارسها تجربته على الاجيال المتلاحقة من الادباء حتى الآن. فاسطورة رامبو لم تنطفىء على الرغم من سيل الكتب والمقالات التي أُلِّفت عنها. لقد ظل فيها شيء ما يستعصي على التفسير. ولعل البراءة الأصلية، او البراءة المطلقة التي يتحلى بها شعره هي السبب في ذلك. لكن ليت رامبو ظل مجنونا لعدة سنوات اضافية فقط. فعمره الشعري لا يتجاوز الاربع او الخمس سنوات. من يصدق ذلك؟ ومع ذلك فقد ملأ الدنيا وشغل الناس منذ أواخر القرن التاسع عشر وحتى اليوم. ما الذي كان سيحصل لو انه ظل مجنونا لمدة اربع او خمس سنوات اخرى؟ اما كان سيضيف الى الشعر قصائد جديدة قلّ ان يجود بها الزمان؟ ليته لم يعقل، رامبو. او ليته لم يعقل بمثل هذه السرعة...
فهو بمجرد ان استيقظ على نفسه ورأى حجم المغامرة الجنونية التي انخرط فيها مع فيرلي والانعكاسات المدمرة لهذه المغامرة على حياته الشخصية راح يستيقظ ويستشعر الوضع. راح يشعر بالمسؤولية ويصبح ناضجا. وبدءا من تلك اللحظة انتهت البراءات الاصلية، وانتهى الشعر. ثم ابتدأت حياة جديدة قائمة على الحسابات المادية والتفكير بالمستقبل الشخصي وتأمين العيش، بل وتكديس المال والذهب اذا امكن. وهكذا انتهى الشعر لكي تبتدىء الحياة، او انتهى الجنون لكي تبتدىء الحسابات العقلانية.. ولكن أليست حياته الثانية التي سكت فيها صوت الشعر هي مغامرة جنونية ايضا؟ أليست بحثا عن الذات والمجهول من خلال المغامرة في اصقاع الارض المختلفة، من اندونيسيا الى عدن وبلاد العرب؟ بمعنى آخر: ألم يعش رامبو حياته شعريا حتى بعد ان تخلى عن كتابة الشعر؟. وفي كل مرة كان يكتشف منطقة جغرافية معينة ألم يكن يحلم فورا في اكتشاف ما وراءها؟...
وهكذا ظل رامبو يركض وراء المجهول، وراء الافق الذي لا ينجلي الا عن أفق، حتى سقط صريعا وخانته قدماه. كان رامبو يبحث عن الدهشة، عن المفاجأة، عن البراءة في هذا العالم. ولم يكن يشبع في البحث. كان مهووسا بالمطلق: مطلق الحياة والوجود. والهوس بالمطلق له نتيجة محتومة في نهاية المطاف: معانقة الموت. فالموت هو المطلق الذي لا مطلق بعده، وهو نهاية المشوار والطريق. الموت هو المجهول الوحيد والاكبر الذي ينتظر كل انسان. والشعر بمعنى ما هو ايقاف، او تأخير للحظة الموت. الفن ـ او الابداع بشكل عام ـ هو وحده القادر على مصارعة فناء الموت، على تحديد، على منازلته وجهاً لوجه. ذلك ان الشعر يبقى بعد الموت، وبخاصة اذا كان في حجم شعر رامبو او بودلير، وهولدرلين، الخ... في كتابه الجميل والرائع عنه يقول "إيف بونفوا" بما معناه: لم يقبل أبداً بان يبيع روحه، رامبو. وعلى الرغم من الظروف الصعبة وضيق العيش والفقر فانه ظل مصرا على الحرية الحرة. ظل مهووسا بالحرية كمطلق او كأفق للوجود: افق تبدو الحياة بدونه لا معنى.
ومصطلح "الحرية الحرة" هو من اختراع رامبو، ينبغي الا ننسى ذلك. فهو يقول في احدى رسائله الى استاذه ايزامبار: لا ازال مصرا على اختيار الحرية الحرة، على التعلق بها، على معانقتها. ثم يضيف ايف بونفوا قائلا: "ان عظمة رامبو تكمن في انه رفض ذلك القليل من الحرية الذي كان متوافرا في عصره وبيئته، وذلك لكي يشهد على استلاب الانسان في الوجود، ولكي يدعوه الى الانتقال من بؤسه المعنوي، الى المجابهة التراجيدية للمطلق. وهذا القرار الذي اتخذه بالاضافة الى صلابته واصراره عليه هما اللذان يجعلان من شعره الشعر الاكثر تحريرا في كل تاريخ اللغة الفرنسية، وبالتالي واحدا من اجمل ما شهدته هذه اللغة.". لقد رفض رامبو ان يكتفي بالحرية المحدودة او الضيقة التي كانت ممكنة في مدينة "شارفيل" حيث ولد. رفض ان يعيش كما عاش ابناء قريته او مدينته. وراح يغامر في مساحات العالم الشاسع بحثا عن الحرية الحرة: اي عن الحرية المطلقة في الواقع. ولكننا نعلم ان الحرية المطلقة شيء خطر، ونهايتها الموت. لقد كان رامبو يبحث عن حتفه دون ان يشعره كان مستعدا لان يغامر بالحياة كلها من اجل لحظة انعتاق، او لحظة حرية، او لحظة ابداع شعري. كان يريد ان يرى ما لا يُرى. وكان مستعدا لان يدفع الثمن. وقد دفعه باهظا. ولكن النتيجة كانت هذه القصائد الخالدة التي تبقى على الدهر.
لقد خسر رامبو الحياة، ولكنه ربح الشعر. وفي اثناء ذلك رأى ما لا يُرى، سرق النار، واحترق كما تحترق الفراشات الجميلة في فصل الربيع. ما معنى الشعر بدون براءة مطلقة، بدون صدق مطلق؟ ولماذا يستمر بعضهم في كتابة الشعر حتى بعد ان فقدوا الحد الادنى من البراءة ان لم نقل اكثر من ذلك؟ شكرا لك، آرثر رامبو. فقد اعطيتنا درسا بليغا في الامساك عن الشعر: اي في احترام الشعر. وصمتك كان ابلغ من كل شعر..
فيما يخص نظرية "الرائي" الشهيرة يقول ايف بونفوا: ما الذي يقصده رامبو بذلك المجهول الذي يريد ان يكتشفه، ان يراه؟ وهو مجهول يبني عليه كل نظريته الشعرية. فهو يقول حرفيا "بان على الشاعر، ان يكون رائيا، ان يجعل من نفسه رائيا. والشاعر لا يتوصل الى الرؤيا الا بعد ان يمارس خلخلة لكل حواسه: خلخلة طويلة، هائلة، ومتعقلة في آن معا. وينبغي على الشاعر ان يجرب كل انواع الحب والعذاب والجنون..." ولهذا السبب انخرط رامبو بمجرد وصوله الى باريس في انواع شتى من التجارب الحسية والجسدية: كالشراب، والجنس، والكحول، وحتى المخدرات. وعاش بالتالي تجارب حدّية، او تجارب قصوى متطرفة لكي يعرف الى اي مدى يمكنه ان يذهب مع نفسه، ولكي يرى اشياء جديدة من خلال هذه الخلخلة الشمولية. ولكنه دفع ثمن هذه الحياة الصاخبة (التي اتنهت باطلاق النار عليه من قبل فيرلين) غاليا كما نعلم. وسجل ذلك في ديوانه الشهير: فصل في الجحيم. وبعدئذ تاب عن الحياة المخلخلة والشعر، بل وتنكر للمرحلة نهائىا وراح يحتقر حتى شعره ويعتبره سخافات صبيانية لا تستحق الذكر.. كان ذلك فيما بعد عندما "عقل" واصبح تاجرا في عدن لا هم له الا جمع المال والذهب وارضاء امه وعائلته او اقناعها على الاقل بانه قادر على النجاح في الحياة وتأمين المستقبل. ولكن ما هو هذا المجهول الذي كان يريد ان يراه؟ هل يعني به استكشاف اجزاء جديدة في العالم لم يكتشفها بعد؟ هل كان يؤمن بوجود عالم آخر غير العالم الطبيعي الذي نراه ويريد ان يتوصل اليه عن طريق اللغة الشعرية الجديدة، او عن طريق الخلخلة الجنونية للحواس؟ لا ريب في انه ككل المبدعين الكبار كان عرضة للهلوسات واحلام اليقظة والاشياء الخارقة للعادة. ولولا ذلك لما استطاع ان يتوصل الى هذه الابيات الشعرية التي تمارس تأثيرها المغناطيسي او السحري على جميع القراء. ولكنه كان دهريا اكثر مما نظن، ولم يكن يؤمن بوجود كائنات اخرى او عالم آخر غير عالمنا هذا. كان فقط يكتشف علاقات جديدة لا تستطيع العين المجردة ان تكتشفها او ان تراها. وكان يتوصل اليها عن طريق الخلخلة الجنونية، او اللغة الشعرية الجديدة التي تفكك العلاقات المنطقية بين الاشياء. يقول مثلا: "لقد عوَّدت نفسي على الهلوسات البسيطة: كنت ارى بكل بساطة مسجدا محل مصنع، مدرسة طبول مصنوعة من قبل، عربات خيول تجري على دروب السماء، صالوناً في نهاية بحيرة..."
هنا تكمن الحداثة الشعرية التي دشنها رامبو واخذها عنه جميع الشعراء فيما بعد (بمن فيهم الشعراء العرب بالطبع). فهو لم يخلخل حواسه، ولم يغامر بتركيبته النفسية، او حتى بصحته العقلية، إلا لكي يكتشف أشياء جديدة، لكي يرى ما لا يرى في الحالات الطبيعية للذهن. لكي يعيد تركيب الامور بطريقة اخرى. ولكن العملية خطرة: فقد تؤدي الى الجنون الكامل في بعض الاحيان. وعندما غامر رامبو الى اقصى حد ممكن وشعر بالخطر تراجع وسكت. ولكنه في اثناء ذلك كان قد كتب بعضا من اجمل قصائد الشعر الفرنسي، بل والعالمي. هكذا نجد ان عملية الخلخلة ليست مجانية، او ليست مقصودة لذاتها، وانما تهدف الى شيء آخر يتجاوزها. وقد جربها قبله بودلير وعرف الى اي مدى يمكنه ان يذهب، وكيف ينبغي ان يتوقف عند حد معين والا صعقته الرؤيا فاحترق او اختل نهائىا.. لنستمع الى هذه الابيات الاخيرة من "فصل في الجحيم":
وداعـاً
ها هو الخريف يخيم! ما اسرع ما ينقضي الوقت! ـ ولكن لماذا نتحسّر على الشمس الأبدية، اذا كنا منخرطين من اجل اكتشاف الوضوح ـ بعيدا عن الناس الذين يموتون على الفصول.
الخريف. قاربنا المرتفع في الضبابات الجامدة ينحرف باتجاه ميناء الفقر المدقع، والشمس الهائلة في السماء مبقعة بالنار والوحل. آه! يا للاثواب الرثة الفاسدة، والخبز المبلل بالمطر....! واذن فلن تنتهي هذه الغولة الملكة على ملايين النفوس والاجساد الميتة التي ستحاكم! لا ازال اتذكر عندما كان جلدي منهوشا بالوحل والطاعون، والدود يملأ شعري وتحت الإبط واكثر من ذلك دودة كبيرة في القلب، مستلقية وسط مجهولين بلا عمر، بلا عاطفة... كدت اموت بذلك... يا لها من ذكرى شنيعة! اني امقت الفقر المدقع.
واخشى الشتاء لانه فصل الراحة!
ـ احيانا ارى في السماء شواطىء لا نهاية لها، مغطاة بأمم بيضاء في حالة فرح. قارب ذهب كبير يقف فوقي، يلوّح براياته المتعددة الالوان تحت نسمات الصباح. خلقت كل الاعياد، كل الانتصارات، كل الفواجع. حاولت اختراع ازهار جديدة، كواكب جديدة، غرائز جديدة، لغات جديدة. وتوهمت امتلاك قدرات خارقة للطبيعة. ولكن! ينبغي علي الآن ان ادفن خيالي وذكرياتي! وهكذا تبخًّر مجدٌ جميل لفنان وحكواتي!
انا، انا الذي اعتقدت باني ساحر او ملاك، معفّي من كل التزام اخلاقي، عدت الآن الى الارض الصلبة، مع واجب ينبغي ان ابحث عنه، وواقع مر ينبغي ان اعانقه! يا لي من فلاح! آه من سذاجتي!.. هل خدعت؟ وهل الرحمة اخت الموت بالنسبة لي؟
اخيرا فاني اطلب المغفرة لاني تغذيت من الكذب. ولننس كل شيء. ولكن لايد صديقة تمتد نحوي...

هشام صالح - (منتدى الكّتاب)


الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://lorca.ahlablog.com/
kanaan
{{}} مشرف {{}}
{{}} مشرف {{}}
avatar

ذكر عدد الرسائل : 533
البلد : Yiebna
الوظيفة : Critic
تاريخ التسجيل : 12/07/2007

مُساهمةموضوع: رد: ملف آرثور رامبو   الأربعاء سبتمبر 19, 2007 6:21 pm





رامبو وزمن القتلة

في عام 1969 صدر عن "دار الهلال" بمصر كتاب رامبو / قصة شاعر متشرّد، كتبه حينها الأديب السوري المرحوم "صدقي اسماعيل"، وكان فاتحة اطّلاعنا على سيرة وأشعار الشاعر الفرنسي "جان آرثر رامبو" الذي انطلقت أشعاره مع نور الشمس لتعمّ الأصقاع المختلفة من العالم لشاعر يحمل رؤية وفلسفة في الحياة. واليوم نقرأ ترجمة جميلة للشاعر "سعدي يوسف" لكتاب "رامبو وزمن القتلة" للروائي الأمريكي المشهور "هنري ميللر" والذي كان كتبه في العام 1955 بمناسبة الذكرى المئوية لميلاد رامبو، حيث احتفلت الأوساط الفرنسية بشاعرها المغامر، والذي بات اسمه على كلّ شفة ولسان.. "ولا يمكن القول إن شاعراً من العصر الحديث قد لقي نفس هذا الانتباه والاهتمام"، ولما كان رامبو مازال مجهولاً في أمريكا فإن الروائي المشاكس "هنري ميللر" أراد أن يعرف القارئ الأمريكي به عبر دراسة حميمية ووجدانية لأدبه، تدفعه إلى ذلك رغبة متّقدة في إحياء الشعر في بلاد لا تكترث به.
إن كتاب "رامبو وزمن القتلة" يضيء لنا في البدء اكتشاف "هنري ميللر" لرامبو في العام 1927 عن طريق امرأة كانت تسكن معه، ثم ازدادت معرفته به بعد أن سافر إلى باريس، ولكن ذلك أخذ ثمانية عشر عاماً بين بدء تعرفه على كتاباته في بروكلن، وبين باريس، "الآن فقط وبعد ثمانية عشر عاماً من سماعي اسمه للمرة الأولى، أستطيع أن أراه بوضوح، وان أقرأه قراءة المتبصّر. الآن أفهم كم عظيمة كانت مأثرته، كم رهيبة كانت محنه.."، والمأثرة التي يتحدث عنها هنري ميللر هنا هي قدرة الشاعر على التكيف مع حالة التشرد الكبرى، بعد مغادرته مدينته ولم يتجاوز من العمر سبعة عشر عاماً، نحو عوالم جديدة سعى إليها برغبة متّقدة في تحقيق وهم الحرية الذي اعتراه وهو في هذه السن المبكّرة، حيث تجلّت أزمته العظمى في لحظة الاصطدام الكبير بين الشاعر الذاهب إلى التعري من أخلاق المجتمع البورجوازي الفاسدة، ومن وحشيته المدمرة وهو يستعد للانقضاض على العالم، فيحيله إلى مستعمرات، ويجعل من سكانه عبيداً يرسفون في الأغلال، وهي حالة لا يمكن لشاعر حسّاس مثل رامبو أن يقبلها، فتتعدد سفراته، وتتعدد مغامراته في بلدان العالم المختلفة بدءاً من بلجيكا ولندن وانتهاء بعدن، ليعيش الحياة التي أرادها، ومن رسالة لأمه بعثها من عدن يقول: "لا تستطيعين أن تتخيلي المكان، فلا شجرة حتى ولو كانت ذاوية، ولا تربة. إن عدن فوهة بركان خامد مليئة برمل البحر. إنك لا ترين إلا الحمم والرمل في كل مكان، هذه التي لاتنبت أضأل نبت، وهي محاطة برمال الصحراء. وهنا تصدّ فوهة بركاننا الخامد، الهواء. وإننا لنشوى كما لو كنا في فرن جيريّ." وهنا يتساءل ميللر قائلاً: كيف رضي إنسان عبقري، مفعم بالطاقات العظيمة، أن يسجن نفسه، مشوياً متلوياً، في غار تعس كهذا؟ نحن نعلم، بالطبع، أنه كان يصارع الأغلال، ويدبر تدابير لا تحصى، ومشاريع من أجل أن يعتق نفسه، ليس من عدن فقط، ولكن من كل عالم الكدح والعرق. إن رامبو وهو المغامر، كان مسكوناً بفكرة الانعتاق التي ترجمها بصيغ الأمان المالي، لكي يغدو مستقلاً، في أي مكان كان.. كانت لديه الجرأة على المغامرة في أراض لم تطأها قدما رجل أبيض، وكانت حصيلة ما جمعه بعد مغامراته كلها في عدن وهرر لاتزيد عن أربعين ألف فرنك، ولكن السرطان هاجم رجله فكانت تلك نهاية أحلامه: "هذه الفرنكات الأربعون ألفاً ‍! أي زمن مفزع بائس قضاه، وهو يحمل خميرته معه ! لقد كانت هذه الفرنكات دماره عملياً، عندما حملوه من هرر إلى الساحل على محفة.." ويعزو ميللر هذا الإصرار على جمع الأموال من قبل رامبو إلى أنه "الخوف الذي يعرفه كلّ فنان مبدع؛ أنه غير مرغوب فيه، ولا يفيد العالم بشيء.." أنه أمل موهوم بإمكانية شراء الحرية وفي ذلك بالضبط تتحد معالم شخصيته، وأسباب إصراره على التشرد فوق أرصفة العالم المختلفة هرباً من هذه القوة العمياء المسماة حضارة، وفي رسالة له كتبها في العام 1888 من عدن يقول: "كلّ الحكومات جاءت لتبتلع الملايين (وحتى المليارات) على هذه السواحل اللعينة الحزينة ،حيث يظلّ أهل البلاد شهوراً بلا غذاء ولا ماء، تحت أقسى مناخ في الأرض.وكلّ هذه الملايين الملقاة في أحشاء البدو، لم تحمل إلاّ الحروب، والكوارث" وتعليقاً على رسالة رامبو هذه يقول ميللر: "أي صورة أمينة هذه.. لحكوماتنا العزيزة ! هذه الباحثة أبداً عن مكان ما تعس، مضطهدة أو مبيدة السكان المحليين، مدافعة عن ممتلكاتها ومستعمراتها، بالجيش والبحرية، لأولئك الذين يرفعون الهراوة الاقتصادية.. أي مسخرة في أن على الشاعر المتوحد الهارب إلى نهاية العالم من أجل تدبير معيشة بائسة.. أن يجلس مبسوط الذراعين، وهو ينظر إلى الدول الكبرى تفسد حديقته." فهو في الوقت الذي كان يجلس إلى فتية وفتيات هرر ليعلّمهم القرآن بلغتهم، ستأتي الحكومات لتبيع هؤلاء في سوق النخاسة..


وتعظيماً لسعيه للخلاص من وطأة القوّة يقول ميللر: هكذا هو أبداً لقد جاء إلى العالم مثل عربي مقاتل، إن له قواعد وسلوك أخرى.. إنه بدائي مسربل بكلّ نبل السلالة القديمة، بينما الناس اليوم في عجلة من أمرهم نحو عالم جديد كلّ الجدة، عالماً من الرعب والمنع يدقّ علينا الأبواب، "سوف نستيقظ يوماً، لنرى مشهداً عصياً على الفهم، لقد ظلّ الشعراء والمتنبئون ينذرون بهذا العالم منذ أجيال، لكننا رفضنا أن نصدّقهم.. إن نموذجاً أعلى تطوراً من باقي الأنواع ـ وأنا هنا أقصد ب "الشاعر" كل أولئك الذين يسكنون في الروح والمخيلة ـ لم يمنح إلاّ فترة الحمل نفسها، مثل سائر الناس، وعليه أن يتمّ هذه الفترة بعد الولادة.."

يعتبر ميللر أن موت رامبو المبكّر دفن عبقرية كان من الممكن لها أن تقول أشياء كثيرة، هذا على الرغم من أنه سكت عن قول الشعر قرابة العشرين عاماً (كان آخر عمل له "فصل الجحيم" كتبه في الثامنة عشرة) ، وإن حمّى نشاطه المبكّر هذا ربما ينمّ عن الشعور بحياة قصيرة مثله في ذلك مثل د.هـ . لورنس فهما حققا الكثير "إلاّ أنهما لم يؤديا الدورة كاملة. وإذا أردنا أن نكون عادلين إزاءهما فعلينا أن نأخذ بعين الاعتبار، ذلك المستقبل الذي لم يحيوه.. إن أياً منهما، لو عاش ثلاثين عاماً أخرى، فلسوف يغني أغنية مختلفة النغم، تماماً كانا دوماً متّحدين مع قدرهما. قدرهما هو الذي خانهما.." وإلى ذلك فإن ميللر يعتبر النصف الثاني من القرن التاسع عشر كان أكثر فترة حلّت عليها اللعنة في التاريخ، فإلى جانب رامبو عانى كلّ من نيتشه، وسترندبرغ، ودستويفسكي مرّ العذاب، ومن بين هؤلاء الشهداء المفعمين جميعاً بشارات المستقبل، نجد أن فان غوخ هو الأقرب مأساة إلى رامبو: التشرّد، تبدّل المهن، التقلبات، الإحباطات، والمهانات، وغيوم الجهل التي أحاطت بهما.. كلّ هذه الوقائع التي كانت مشتركة في حياتهما، جعلتهما ينتصبان أمامنا مثل توأمين منكودين. إن حياتيهما من بين أشد الحيوات التي سجّلت في العصر الحديث حزناً.

الشاعر الرائي:

الأدب الفرنسي في النصف الثاني من القرن التاسع عشر كان يعيش حالة صراعية بين ثلاثة اتّجاهات: الواقعية والطبيعية، الرومانسية، والبرناسية، وكان كلّ اتّجاه يسعى جاهداً إلى فرض رؤيته على الآخرين، ثمّ جاء بودلير بموهبته الفذّة ليجمع بين هذه التيارات في جدول واحد كان يسميه "عفوية الشاعر" وإن الشعر هو الشاعر، هو هذه الفعّالية المبدعة التي تصهر العالم الخارجي والشاعر في خيال مبدع أشبه ما يكون بالسحر... وقد استفاد رامبو من هذا المفهوم الحي العميق للشعر فوضع فلسفته الجديدة التي أسماها "فلسفة الرائي" وملخّصها أن الشاعر هو الذي يستشفّ بكلّ حواسه وكيانه ما وراء الأشياء.. هو الذي يضع يده على الجوهر المقدّس في كلّ مظهر من مظاهر الوجود، وينضح من أعماق نفسه موسيقى الشعر، ولا يتاح له ذلك إلاّ إذا صار رائياً، إذا كان وجهاً لوجه أمام المطلق، أمام اللانهاية.. عندئذ يصبح إحساسه موسيقى وانفعالاته صوراً، وكلماته غناء، وتكون جميع حواسه في اتصال وتآلف، كما لو أنه عاد إلى ينبوع واحد لها جميعاً...

وبعد إعلان مذهبه هذا يعلن بملء إرادته أن كلّ ما كتبه من قبل يعتبر باطلاً، وقد كتب إلى أحد أصدقائه قائلاً: "أحرقها، تلك إرادتي، واعتقد أنك تحترم إرادتي كما تحترم وصية لميت، أحرق جميع الأشعار التي كان من الحماقة أن أرسلها إليك خلال إقامتي في دوى.." وإثر ذلك سيكتب رامبو قصيدتين هما أروع ما كتب، الأولى: "ما يقال للشاعر عن الأزهار" والثانية "المركب النشوان"، وبهاتين القصيدتين يرقى رامبو، وهو لم يتجاوز السابعة عشرة مرتبة أعظم شعراء فرنسا.

إن قصيدته "المركب النشوان" هي صورة رمزية لمركب يتحدث عن رحلة سحرية ينقذف فيها دون بحارة عبر أنهار منيعة، مزبدة الأمواج، عجيبة الآفاق، متوجّهاً صوب البحر تباركه العاصفة، وتهدهده الزرقة السكرى:

"ثمّ غسلتني قصيدة البحر

وابتللت بلمعان النجوم

وانطلقت متلألئاً ناصعاً

لكي أفترس الآفاق الخضراء"

ويرى ميللر أن الإشارات والرموز التي يستخدمها الشاعر هي أوثق البراهين على أن اللغة وسائل تعامل مع العَصي المُلغز، وأن الرموز إن أصبحت قابلة للإيصال على كلّ مستوى، ستفقد حتماً صحتها وفاعليتها. "وطلبك من الشاعر أن يتحدث بلغة رجل الشارع، يماثل انتظارك من النبي أن يوضّح نبوءاته، والمسألة هنا ليست مسألة تربية لفظية، وإنما التطور الروحي.."

وعن الطيور الذهبية التي تحفل بها قصائده، يذهب ميللر إلى أنها ليست حمائم ولا جوارح، إنها تسكن الأنواء، رسلاً تحضنها الظلمة، وتنطلق في نور الإشراق.. إنها طيور الروح العابرة المتنقّلة من شمس إلى شمس، وهي ليست سجينة القصائد، وإنما هي حرة، متحررة، لن يتقبلها مجتمع الثقافة في باريس وقد هزّ كيانه هذا الشاب المقبل من الريف، وسينسحب الشاب من هذا المجتمع ومن الأدب غير آسف: "رامبو كان ذئباً وحيداً. وهو لم ينسلّ خفية من الباب الخلفي وذيله بين رجليه. لم يفعل شيئاً كهذا، البتة، فقد وضع إبهامه على أنفه، وبسط أصابعه بوجه جبل "بارناس"، وبوجوه القضاة والقساوسة والمعلمّين والنقاد والنخّاسين والأغنياء والمشعوذين الذين يتألف منهم مجتمعنا الثقافي الشهير. (لا تخدع نفسك فتظنّ ان عصره كان أسوأ من عصرنا! لاتظنّ لحظة أن هؤلاء التافهين، والحمقى، والضباع، والفارغين على كلّ مستوى قد اختفوا) ـ وما بين القوسين المعترضين لميللر الذي يتابع قائلاً: لا.. لم يكن قلقاً من أنه لن يُتقبل.. لقد احتقر الحاجات التافهة التي يتوق إليها أكثرنا. كان يرى فيها كومة نتنة، ويرى أن كونه صفراً تاريخياً آخر لن يؤدّي به إلى مكان. كان يريد أن يحيا، يريد فضاء أوسع وحرية أكثر.

الكتاب: رامبو وزمن القتلة

المؤلف: هنري ميللر

المترجم: سعدي يوسف الناشر: دار المدى. دمشق 1998


الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://lorca.ahlablog.com/
kanaan
{{}} مشرف {{}}
{{}} مشرف {{}}
avatar

ذكر عدد الرسائل : 533
البلد : Yiebna
الوظيفة : Critic
تاريخ التسجيل : 12/07/2007

مُساهمةموضوع: رد: ملف آرثور رامبو   الأربعاء سبتمبر 19, 2007 6:22 pm

الشاعر والعذاب
قراءة في إحدى رسائل رامبو الأخيرة
مدخل: كتب رامبو، الشاعر الفرنسي، هذه الرسالة إلى أخته إيزابيل عندما كان طريح الفراش في إحدى مشافي مرسيليا يوم 15 يوليو عام 1891. وفيها يتحدث عن مرضه العضال الذي توفي فيه، وكيف أصيب به، وتطورت إصابته، كما يتعرض إلى ذكر ظروف عمله وتنقلاته في بلاد الحبشة عندما كان مقيماً هناك: عزيزتي إيزابيل،،، أنني تمر علي الأيام والليالي وأنا أعذب نفسي، محاولاً التفكير لإيجاد طريقة أتخلص فيها من هذا الكساح الذي أقعدني. إنني أريد أن أقوم بما يقوم به الآخرون، أريد أن أعيش، أريد أن أخرج من هذا المكان، ولكن هذا من المستحيل، على الأقل لمدة شهور، إن لم يكن للأبد.
كل ما أستطيع التفكير فيه الآن هو هذان العكازان اللعينان: فبدونها لا أستطيع التقدم خطوة، كما لا أستطيع الخروج. و لا يمكنني ارتداء ملابسي إلا بشق الأنفس. صحيح أنني يمكنني الجري بهما الآن؛ لكني لا أستطيع الصعود أو النـزول من الدرج، وإذا كانت الأرض غير مستوية فإن انتقال العبء من جانب إلى آخر يرهقني للغاية. إنني لا أزال أعاني من آلام عصبية في ذراعي وكتفي اليمنى، كما أن إبطيّ قد تقرحا من أثر العكازين. ورجلي اليسرى تؤلمني جداً كذلك. وأشد ما في الأمر أني علي أن أتحرك مثل لاعب السيرك طوال يومي لكي أمارس شيئاً من وجودي.
أختي العزيزة، لقد كنت أفكر في الأسباب التي أدت بالفعل إلى إصابتي بهذا المرض. الجو في (هرر) بارد من نوفمبر إلى مارس. وأنا لم أعتد أن ارتدي كثيراً من اللباس، فقط بنطلون من قماش القِنّب مع قميص قطني. كما أني اعتدت أن أمشي من 15 إلى 40 كيلومتراً في اليوم، في مسيرات متهورة عبر بلاد جبلية وعرة. أعتقد أنني أصبت بشيء من التهاب المفاصل من جراء الإجهاد والحرارة والبرودة.
وقد بدأت معي تلك الآلام بوجع كأنه دق مطرقة اعتدت أن أحسه تحت صابونة الركبة في أوقات كثيرة. لقد كان المفصل جافاً جداً وأصبحت فخذي منقبضة يابسة. وتلا ذلك تضخم نشأ في الأوردة التي حول الركبة، مما جعلني أظن بأنها دوالي. واستمررت على حالي المعتادة من مواصلة المشي والعمل أكثر من ذي قبل. ظننت أن المشكلة لا تعدو كونها برداً أصبت به. لكن لم يلبث الوجع في ركبتي أن ازداد شدة وإيلاما، ففي كل خطوة أخطوها أحس وكأن هناك مسماراً يُدق في ركبتي. كنت لا أزال أواصل المشي، لكنه أصبح أصعب جداً من ذي قبل. لذا فقد لجأت إلى الركوب، بيد أني كلما نزلت من مركبي أجد نفسي عاجزاً عن المشي. ثم بعدها تورم باطن ركبتي، مع تضخم في الصابونة وكذلك في مقدمة الساق. لم تكن الدورة الدموية على ما يرام في تلك الأعضاء، وكنت أحس بأعصاب جسمي تخفق من كاحل قدمي صعوداً إلى الظهر. لم أستطع المشي دونما أن أعرج عرجة شديدة. وازدادت هذه الحالة سوءاً معي.
وبالرغم من ذلك كان أمامي عدد من الأعمال يتحتم قيامي بها. شرعت في ربط كامل ساقي بضمادة، مع إجراء تدليك وتحميم بالماء، ولكن لم يحصل جدوى من كل ذلك. لقد افتقدت شهيتي. وكنت أعاني من أرق طويل لا يجعلني أهنأ بنوم. وتدهورت قواي الجسمية وتناقص كثير من وزني. وفي حوالي 15 مارس قررت أن أبقى طريح الفراش في غرفتي جوار طاولتي وأوراقي بحذاء النافذة، وهكذا يمكنني مراقبة أعمالي في الفناء المجاور من خلال تلك النافذة، وقد أجّرت أناساً استخدمتهم لتسيير أعمالي، بينما أنا منطرح على سريري ماداً رجلي. ومع مرور الأيام كان الورم في ركبتي يزداد حجماً حتى أصبحت ككرة كبيرة. وقد لاحظت أن أعلى عظم الساق من الخلف كان أكبر بكثير من مثيله في الساق الأخرى. وأصبحت صابونة الركبة ثابتة وقاسية لا تتحرك. فقد أصبحت راسخة في الإفراز الذي هو مادة الورم، والذي قد استحال بعد أيام قليلة إلى درجة العظم في الصلابة، مما أثار رعبي. وبعد أسبوع تصلبت رجلي بالكامل، ولا أستطيع أن أثنيها ألبته. مما حدا بي إلى أن أسحب جسمي على الأرض كلما أردت الذهاب إلى المرحاض.
وفي ذلك الوقت تضاءل حجم فخذي ومعها ربلة الساق، بينما أزداد الورم في الركبة حجماً وازداد تصلباً، وكأنه تحول إلى عظم، وتفاقمت معه حالتي الجسمية والنفسية سوءاً. وفي نهاية شهر مارس قررت أن أغادر تلك البلاد. لقد بعت كل ما أملك في أيام معدودات بثمن بخس. ونظراً لأن رجلي لم تمكني من ركوب جمل أو امتطاء بغل فإني اضطررت إلى أن أُحمل في محفة مظللة واستأجرت لذلك ستة عشر رجلاً ليوصلوني إلى (زيلع)، والتي وصلتها بعد مضي أسبوعين من السير. وفي اليوم الثاني لتلك الرحلة أغذذنا السير وتجاوزنا القافلة بمسافة، ثم أصابتنا السماء بمطر غزير في وسط البيداء، فمكثت هناك ست عشرة ساعة تحت المطر من دون أن أجد شيئاً يكنّني من غائلته، ولم أستطع مواصلة السير من شدته، مما ألحق بي الكثير من الجهد والبلاء. حيث أنني لم أستطع مغادرة محفتي ألبته. وكان رجالي يبنون خيمة صغيرة لي فوق المحفة عندما ينزلوني على الأرض.
فكنت أحتفر بيديّ حفيرة جوار المحفة وأزحف إليها بجهد شديد لأقضي حاجتي، ثم أدفنها. وفي الصباح كانوا يرفعون الخيمة عني فيحملوني لمواصلة السير. إلى أن وصلت بغيتي ، بلدة (زيلع)، منهك الجسم مشلول الحركة. فظللت هناك أربع ساعات للراحة قبل أن أستقل الباخرة إلى (عدن)، وعند الصعود إلى الباخرة حزموني في فراشي ومن ثم رفعوني في محفتي رفعاً إلى متن الباخرة، ثم اضطررت أن أبقى في البحر ثلاثة أيام من دون أن أطعم شيئاً. وفي عدن أمضيت بعض الأيام لتصفية حساباتي مع السيد تيان، ثم ذهبت بعدها إلى المستشفى، حيث نصحني الطبيب الإنجليزي بعد أسبوعين بمغادرة المنطقة إلى أوروبا.
إنني واثق تمام الثقة بأنه لو عولج الألم في مفصلي منذ بدايته لما وصلت إلى هذه الحالة المتدنية ولكنت شفيت منذ زمن. ولكني لم أدرك خطورته في ذلك الوقت، كما أني زدتُ حالتي سوءاً بإصراري على السير الطويل والعمل الشاق. لماذا لم يعلمونا شيئاً من الطب في المدرسة؟ على الأقل لكي نحمي أنفسنا من تلك الأخطاء الحمقاء التي لم أحسب لها حساباً. إذا جاء أحدهم في مثل وضعي المرضي الحالي يطلب مني المشورة إزاء حالته فسأقول له حتماً: بالرغم من وضعك الصحي المتدني هذا فلن تدعهم يستأصلون رجلك ألبته! فإنك لأَنْ تموت أرحم لك من أن تعيش برجل واحدة! الناس المصابون بمثلها كثيراً ما يرفضون القطع، وإذا ما عُرضت هذه الفكرة علي شخصياً فسأرفضها حتماً. وإنني لأفضل أن أتحمل أشد العذاب على أن يستأصلوا رجلي ويتركوني برجل واحدة!
ولكن بالرغم من إرادتي تلك فإنهم قد استأصلوها! وهذه هي النتيجة! طوال يومي وأنا قعيد غرفتي، وإذا ما أردت الذهاب فإني أنهض وأتقدم بواسطة عكازيّ لأمتار عديدة في طريقة أشبه ما تكون بالقفز ومن ثم أقعد مرة أخرى.
يداي لا تقويان على الإمساك، وعندما أمشي فإن عيناي لا تعدوان مواضع خطوي ونهاية العكازين، كما أن رأسي ومنكبيّ قد تهدلا إلى الأمام حتى غدوت أشبه ما أكون بالأحدب، لقد صرت أهاب الناس والأشياء التي تتحرك من حولي، خشية أن أصطدم بأحدهم فأقع وتنكسر رجلي الأخرى. والناس يشاهدوني وأنا أقفز بعكازيّ فيضحكون من ورائي، وعندما أقعد من مشيتي تلك أجد أن يديّ قد أُجهدتا، وأن إبطيّ قد تأثرا من جراء العكازين، وقد فقد وجهي سحنته وتعابيره. أنا الآن أسير القنوط، جالس هاهنا، مشلول الحركة بالكلية، كثير التشكي مما أجد، بانتظار الليل، والذي سأعاني فيه كالعادة من أرق لانهاية له، حتى فجر يوم آخر أكثر بؤساً وشقاءاً من الذي قبله. وهكذا دواليك.
سأكتب قريباً مرة ثانية،
مع خالص تمنياتي القلبية،
رامبو

ترجمة: صـالـح مـحـمـد الـمـطـيري


الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://lorca.ahlablog.com/
kanaan
{{}} مشرف {{}}
{{}} مشرف {{}}
avatar

ذكر عدد الرسائل : 533
البلد : Yiebna
الوظيفة : Critic
تاريخ التسجيل : 12/07/2007

مُساهمةموضوع: رد: ملف آرثور رامبو   الأربعاء سبتمبر 19, 2007 6:24 pm

رامبو في الذكرى المئة والخمسين لولادته
(1854-1891)
وحش من النقاء
منذ 150 عاماً ولد الشاعر الفرنسي آرثور رامبو الذي يعتبر الأكثر عبقرية بين شعراء فرنسا مع انه طلّق الشعر في سن مبكرة وانطلق في مغامرات مختلفة، لكن شعره بقي مشعاً في سماء الكلمة والابداع. رامبو كان ايضاً التلميذ المتفوق والشاعر الملعون، والتاجر المفاوض والمسافر الدائم. اما القصائد فبقيت شاهدة على عبقرية فذة لم يترك لها صاحبها ان تبرز الى العلن في كل فصول حياته، فالشعر توقف معه في العشرينات وهو مات في أواخر الثلاثينات من العمر والقصائد بقيت لتشير الى إمكانية ما كان يمكن ان يطور ويعطي فوق أوراقه البيضاء التي تركها كما هي، على لونها ومضى الى مغامرات مغايرة.
فرنسا تتذكر شاعرها اليوم، كذلك كل من أحب شعره الذي تُرجم الى لغات عديدة. وبالمناسبة إعادة إصدار كتبه وبطبعات جديدة، احتفالات وخاصة في منطقة شارلويل حيث ولد، ومواقع تتزايد وتتشعب على الانترنت وتحمل كل قديم وجديد حوله وحول مؤلفاته الشعرية.
ولد آرثور في 20 تشرين الأول 1854 في شارلويل وتعتبر مسيرته الشعرية من أقصر المسيرات زمنياً وهي في حدود المئة صفحة مكتوبة بخط اليد وكلها منجزة قبل العشرين. يلي ذلك صمته الطويل الذي كلف النقاد الحبر الكثير لمحاولة شرح هذا الابتعاد المفاجئ عن مملكة الشعر التي وصل اليها بسهولة في حين كان عدد كبير من شعراء جيله يتخبطون في سعيهم الدؤوب الى المنصب الذي رفضه هو بعد حين، حتى انه وحسب أقوال صديق طفولته وزميل الدراسة ومؤرخ وكاتب سيرة حياته ارنست دولاهاي، فإن رامبو لم يعد يذكر شيئاً من تجربته الشعرية في الفترة الأخيرة من حياته، حتى انه نعت قصائده "بالخربشات" و"القذارة". اما بول فيرلين، الشاعر الذي ربطته علاقة "شاذة" به حين كان في سن المراهقة فقد كتب عنه فيما بعد: "انه شاعر ملعون، واحد من الشعراء المعلونين، لكن الغريب في أمره انه هو الذي يلعن نفسه ولا ينتظر الأمر من الآخرين".
كل هذا وقصائد رامبو كان لها اثرها ووقعها في الشعر الفرنسي إذ يعتبر النقّاد انه قطع بها مع المدرسة البارناسية ومع التيار الرمزي الذي كان قد تأجج منذ بودلير وصولاً الى فيرلين وغيره من معاصريه، وأسس لكتابة جديدة تنطلق من تجربة أو اختبار "الرؤيا" وهذه الكتابة شكلت لغزاً وتحدياً تماماً مثل حياته.
عفوية تعاطى رامبو مع الشعر بعفوية وسهولة تماماً كمن يبحث عن وسيلة تعبير تفجر مكنوناته الداخلية وليس من باب السعي الى الكتابة التي تشد القارئ وبالتالي تجلب الشهرة والنجاح.
اعتبر رامبو انه عاش طفولة قاسية بعض الشيء الى جانب والدة متسلطة جداً وقاست في تربية أربعة أطفال بعد وفاة زوجها.
لكن تسلطها لم يمنع العاطفة الصادقة التي اعترف بوجودها لاحقاً رامبو بعد بداية اسفاره وابتعاده عنها. عن قسوة الطفولة استعاض رامبو المراهق بحب الشعر والكتابة وكان تلميذاً لامعاً كتب في البداية من وحي التيار البارناسي، بعدها وجّه أستاذه ايزامبار الذي لاحظ موهبته القوية وهو كوّن كل ثقافته الادبية، كما سيذكر رامبو بعد حين في اماكن عدة.
عام 1870، اندلعت الحرب بين فرنسا وبروسيا، فقرر رامبو الهروب ناحية باريس وبلجيكا لانه لم يعد يطيق عزلة مدينته. عام 1871، كتب "رسالة الرؤيوي" واشتهر بعد نشره قصيدة "المركب السكران". في هذه المرحلة، التقى فيرلين وعاش معه علاقة شاذة ذاع صيتها في الوسط الثقافي، خاصة بعد اعتراض زوجة فيرلين، فسافرا الى انكلترا عام 1872 وتعتبر هذه المرحلة من أغزر مراحل فيرلين ورامبو الشعرية فكتب الاثنان وابدعا، ومن المؤلفات الشهيرة لرامبو في تلك الحقبة كتاب "الاشراقات". انتهت هذه العلاقة بأن اطلق فيرلين النار على رامبو واصابه اصابة طفيفة. كان ذلك عام 1873، وكأن هذه الحادثة وضعت نقطة النهاية على مرحلة باريس وعلى الحياة البوهيمية فيها وعلى علاقته بفيرلين وايضاً على قريحته الشعرية.
مرحلة جديدة
بعد هذه الحادثة بدأت مرحلة جديدة من حياة رامبو وبدأت اسفاره، من ايطاليا الى هولندا والسويد والدانمارك وافريقيا وقبرص. لكنه كان يعود من وقت الى آخر ليمضي بعض أشهر من الشتاء في منطقة شارلويل حيث ولد. عمل في اسفاره في التجارة وكان موهوباً في جمع الأموال تماماً كما ظهرت مواهبه في كتابة الشعر، لكنه اكتفى بمبلغ بسيط "ليعوّض عن كل الوقت الضائع"، وعن "المرحلة الملعونة" ـ كما يسميها ـ حين استعاد موقعه في عائلته وراح يسعى الى مساعدة والدته. وفي هذه المرحلة وطد علاقته به واكتشف ـ حسب كلامه ـ انها كانت تحبه على عكس ما كان يعتقد.
ومع رامبو يصعب فصل الاسطورة عن الواقع وماضيه عن حاضره الذي شغل بال النقاد والادباء وراح كل واحد يطلق عليه تسمية تليق به ومن وحي حياته. انه الشاعر الثائر والفوضوي والبوهيمي الذي ثار ايضاً على الثورة وعلى الفوضوية والبوهيمية وعاش عكس ذلك في الفصل الثاني من حياته. الشاعر الفرنسي ستيفان مالارميه وصفه بالتالي: "بوهيمي 1885 قد اصبح الرجل المحترم"، وفيرلين الذي قال عنه ذات يوم انه "الاجمل بين أسوأ الملائكة" صار يسميه "الملاك المنفي"، كذلك بول كلوديل قال عنه "انه المتصوف في حالة التوحشية" وجاك رفيير كتب عنه انه "وحش من النقاء".
اما بروتون فقال عنه "انه العبقري الذي يجسد جيل الشباب".
وفيليب سوبو وصفه بالتالي: "الازعر الرائع" وهنري ميللر ذكره بالتالي: "انه يجسد صورة الانسان العاصي"، ورينيه شار قال عنه: "انه الشاعر الاول لثقافة غير منظورة بعد".
كل هذا لم يكن بالكثير لشاعر شاب كتب اجمل قصائده في السادسة عشرة: "نائم الوادي" و"بوهيميتي" حتى انها تدرس في المدارس. وهو في العشرين اخذ على عاتقه ايجاد لغة شعرية جديدة فإذا كان عفوياً في قصائده الاولى الا انه بعد حين التزم بهدف ادبي: "عليّ ايجاد لغة (...) وهذه اللغة ستكون من الروح الى الروح وستختصر كل شيء، الروائح والاصوات والألوان، الفكرة المربوطة بفكرة..." وهنا كان التحدي الكبير الذي عاشه رامبو مع "الملاك" أو مع "الشيطان" الذي في داخله، أو هو "ملاك شيطاني" حسب تعبير العديد من الذين عرفوه. ردد ذات مرة وكتب: "الأنا" هي شخص آخر. وهنا لا يتعاطى الشاعر مع الفلسفة الميتافيزيقية، بل هو يحاول ان يشرح التيار العميق الذي اجتاح كيانه يوم ولد من جديد مع كتابة الشعر.
هذا "الرجل المنتعل الريح" الذي كتب عنه كل شعراء ونقاد القرن العشرين، نزل عليه المدح والهجاء من كل صوب، المديح طاول شعره والهجاء حياته التي اتسمت بالفوضوية والشذوذ. ويبقى اجمل ما قيل فيه انه "نقطة سوداء في سماء الشعر لربما، لكن هذه النقطة تجلب كل النجوم باتجاهها".
رامبو ابن الشعر الضال، لماذا كتب الشعر وهو الطالع من بيئة لا علاقة لها بالشعر؟ بالطبع كان لاستاذه ايزامبار الفضل الكبير في توجيه التلميذ الموهوب الى شغف القراءة والاطلاع على كتّاب العالم الكبار. لكن موهبته الخارقة كانت كل البداية. البداية القريبة جداً من النهاية، إذ ان اربع أو خمس سنوات في كتابة الشعر لا تعد الفترة الطويلة نسبة الى المراحل الطويلة التي قضاها الشعراء في التحضير لكتاباتهم.
لكن يبقى السؤال المحير حتى اليوم: لماذا توقف رامبو عن كتابة الشعر؟ ومن قال انه توقف كلياً عن الامر خلال اقامته الطويلة في القارة الافريقية؟ من يؤكد لنا انه لم يمر "بأزمات" شعرية حادة هناك؟ من يؤكد لنا انه لم يكتب أجمل القصائد ثم مزقها؟ هل كان يستفيق الشعر في روحه خلال انشغالاته اليومية؟ كيف قاوم الشعر؟ ولماذا قاومه؟ كل هذه التساؤلات بقيت معلّقة في سماء رحيله المؤلم، ليبقى رامبو فتى اللغز الأكبر في تاريخ الشعر الفرنسي.

كوليت مرشليان - المستقبل - السبت 18 أيلول 2004


الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://lorca.ahlablog.com/
kanaan
{{}} مشرف {{}}
{{}} مشرف {{}}
avatar

ذكر عدد الرسائل : 533
البلد : Yiebna
الوظيفة : Critic
تاريخ التسجيل : 12/07/2007

مُساهمةموضوع: رد: ملف آرثور رامبو   الأربعاء سبتمبر 19, 2007 6:26 pm



رامبو الأفيون طوفانٌ سينماتيكي يسيلُ.
والرأسُ
البرجُِ
يُحطمُ
ساعتهِ،
مُدخناً ما في اللوحة من أفيون
الشتات.
بعدها تفتحُ الحبّ في الأراملِ..
ومن تلك الثملات..
الأفيون في ظهر السكران.
دائماً..
الحانةُ تسكبُ الجحيم بعيداً
عن تلك الكؤوس.
أبداً..
الشهوة الذهبية تلك،
لبوةٌ على سطح المراكب.
تشقُ بنارها المباني بالطيران.
حيث الذهبُ المريضُ
في ثكنة ِ العزلةِ،
منتفخاً بالصرخات الطاعنة.
وكانت هناك المزامير المتشردة
والورقَ المـُكسّر.
**
[[رقعةُ شطرنج..
تلك المخيلة. ُوالصبيّ يداعبُ التماسيحَ بغصونِ الماءِ.]]

* عن كتاب ((شعراء بمعاطف الفرو))




نقاط
لم يخترع رامبو الشعر. لكنه اكتشفه في غير المكان المعهود الذي تتربى فيه القصائد، ويتخبط على حدوده الشعراء كالرعاة. رامبو سجل بذلك نصراً للشعر، يتجاوز ذهب الجائزة وباقات المديح المعنوي.
وهو أيضا.. اكتشف مكان الشعر في التشرد. وغاص في أتونه دون آسف.. حدد إقامة الشاعر في المخيلة. فحطم الظلام المنتشر على طول النفس. وطار نحو قلعة التيه مهتدياً باللهيب الذي كانت تختزنه أرواحه الصارخة المتعالية على يباب الأرض وتخوم البحار.
كان الشاعر الساكن في جسد رامبو ملاكاً مبخراً بالأفيون. يغني له في مزامير الاختلاف. ويشع له الطرقات بأحلام من فئة الموج الأشعث الصاخب.
فالشاعر في جسد رامبو أسراب مجانين يتمايلون كزهور عباد الشمس نحو الشمس الغامضة بين طبقات النفس. ويتحطمون كألواح المياه برغبة عالية. الشاعر.. مجموعة تتمرد على أخرى¡ لتغتال الرتابة.جبال تفك ارتباطها¡ لتغادر مكان الولادة القديمة، إلى حيث لا يقيم أحد إلا في الذروة التي تصنعها العاصفة من أجل مطاردة السحاب بصولجان اللغة.
لم يكن رامبو طفلاً وحسب. بل كان فردوساً تفكك بسرعة البرق. فما أن قاطع هذا الشاعر العابر بنعال من الريح الكلمات، حتى قطعهُ الموتُ جثثاً من الآلام¡ وبصرامة عسكرية وقحة.
في ذكرى ولادته التي تصادف اليوم قبل مائة وخمسين سنة ((20/10/1854- 1891)) نقدم في ((الإمبراطور)) ملفاً عن متاهات آرثور رامبو في تلك الحياة القصيرة الهائجة ، ليكون يوماً شعرياً بأشعة تقيم وزناً لإرسال النشوة في كل برازخ الحواس.
قبل ذلك.. نشكر كل كاتب نستعيد له نصه عن الشاعر السماوي رامبو ، لنتذكر مع القارئ الإليكتروني أفيونا شعرياً ليس من السهل تفادي التهاباته.

أسعد الجبوري




مختارات من شعر رامبو
1
وعندما تلاشت ضجة البحارة
تركتني الأنهر أهبط حيث أريد..
كما تعمل الكلمات على أن تبعث
في نفوسنا شعوراً بالخفّة والرشاقة:
لقد باركت العاصفة يقظاتي وسط البحار
فرقصت على الأمواج¡
وأنا أخف من الفلين..))
أيضاً.. فاستدلال الشاعر على المكان الشعري الآخر¡ لم يمنع رامبو أن يقوم بتقويض
المكان والإقامة على حد سواء. ليكون اللامكان أرض الشعر الدائمة. لقد آمن رامبو بتعرية الزمن. أراده أن يكون شفافاً
ومبللاً بمياه فوارّة تتساقط على رأسه ليكون الزمان رحماً مفتوحاً للقصيدة¡ لا عنواناً يشير إلى ضريحها.


((لم اعد أستطيع¡ مستحماً في سآماتك، يا أمواج.
أن انزع من حلمة الأقطان مخمور هم¡
ولا أن أعبر كبرياء البيارق وشعلات النار.
ولا أن اسبح تحت أعين مراكب الأسرى
المرعبة.))
كانت الأحلام في رأس رامبو¡ أكبر من رحم القصيدة¡ وأشد ضراوة من مولداتها.
فرامبو لم يحلم يوماً¡ بقدر ما كان يطلق الألعاب النارية في فضاءات شاسعة¡ من أجل الاحتكاك بالنيازك¡ كي يكون الشعر من فصيلة الألماس¡ لا من فضلات طحين الجسد ولا من أطيان الخرائب الشاهقة الألسن في عالم تئن فيه الأنفس طويلاً¡ بعدها لتخمد دون أثر للأبد.
أي شيء بالنسبة لنا يا قلبي
أي شيء هي بالنسبة لي يا قلبي¡ برك النجيع
والجمر¡وألف اغتيال، وصرخات الغضب الطويلة،
انتخابات من كل جحيم قابلة كل نظام، وريح الشمال بعد فوق الأنقاض.
وكل ثأر؟
لا شيء… لكن بلى لا نزال نريده كله!
أيها الصناعيون والأمراء والأعيان:
اضمحلوا!
أيتها القوة، والعدالة¡ والتاريخ: اسقطي!
هذا حقنا.الدم الدم !شعلة الذهب.
كل شيء للحرب للثأر للرعب¡
يا فكري¡ فلندر في الهجوم العنيف: آه امضي
يا جمهوريات هذا العالم !كفانا أباطرة،
وفيالق ومستعمرين وشعوباً!
من سيحرك زوابع النار الغاضبة
ان لم يكن نحن أولئك الذين نتصورهم هم إخوانا لنا؟
هذا سيطيب لنا نحن الرفاق الخياليين¡
لن نعمل قط¡ آه يا أمواج النار.
يا أوروبا وآسيا وأمريكا اختفي.
إن مسيرتنا الانتقامية قد احتلت كل شيء
مدناً وأريافاً
لسوف نسحق!
لسوف تنفجر البراكين
ولسوف يضرب الاوقيانوس..
أه يا رفاقي ! يا قلبي، أكيد انهم أخوان:
أيها السود المجهولون¡ لو إننا نذهب! فلنذهب !فلنذهب!
يا للشقاء!
أشعر اني أرتجف¡ الأرض القديمة،
الأرض تتهاوى علي أنا النذر نفسي أكثر فأكثر لكم!
هذا لا شيء أ أني عليها! أني عليها دائماً.

2
هكذا¡ دائماً، نحو اللازورد الأسود
حيث يرتعش بحر الزبرجد،
ستؤدي الزنابق تلك الحقن من النشوة¡ عملها
في مسائك!
في عصرنا¡ عصر دقيق النخل¡
حيث الأعشاب هي شغالة¡
فأن الزنبقة ستشرب القرف الأزرق
في نثرك الديني!
زنبقة السيد كردريل،
قصيدة عام ألف وثمانمئة وثلاثين،
الزنبقة التي يعطونها للشاعر الموسيقي
مع القرنفلة والقطيفة!
وفي شعرك¡ كأكمام.
الخاطئات ذوات الخطى الناعمة،
ترتعش دائماً هذه الزهور البيضاء!

3
إنها مستعادة
ماذا ؟ الأبدية.
انها البحر المتوافق
مع الشمس.
أيتها الروح المترصدة
فلنوشوش الاعتراف
عن الليل الباطل جداً
والنهار الملتهب.
من الآراء البشرية
والحماسات الشاسعة
هنا تنعقين
وتطيرين على هواك.
هنا لا أمل
ولا شروق
علم مع صبر
العذاب أكيد.
إنها مستعادة
ماذا؟
الأبدية.
إنها البحر المتوافق
مع الشمس.

4
لقد باتت صحتي مهددة.
وراح الرعب يقترب.
كنت أسقط في إغفاءات لعدة أيام¡ واكمل¡
وقد استيقظت اكثر الأحلام كآبة.
كنت ناضجاً للموت¡ وكان ضعفي يقودني
على درب محفوفة بالمخاطر،
الى تخوم العالم ((السيميري)) موطن
الظلام والزوابع.
كان على أن أسافر
أن ألهي الفتون المتجمعة فوق دماغي.
على البحر الذي أحببته كما لو كان عليه
أن يغسلني
من لوثة
رأيت الصليب المعزي يرتفع.
كانت قد حلت علي اللعنة بواسطة قوس
قزح.

5
السعادة كانت قدري¡ ندامتي،
دودتي: ستظل حياتي دائماً أوسع من أن تكون
منذورة للقوة والجمال.
السعادة¡ نابها¡ العذبُ حتى الموت¡
أنذرني عند صياح الديك في أحلك
المدن ظلاماً.
هذا قد مضى.
أعرف اليوم أن أودع الجمال.
في الغابة¡ يوجد عصفور¡
غناؤه يوقفك ويجعلك تحمر.
يوجد ساعة لا تدق.
يوجد ردغة مع عش من الحيوانات
البيضاء.
يوجد كاتدرائية تهبط
وبحيرة تصعد.
يوجد عربة صغيرة مهجورة في الحرش،
أو تهبط الدرب راكضة¡ مزينة بالشرائط.
يوجد فرقة من المهرجين الصغار بملابس التمثيل،
مترائين على الطريق عبر حاشية الغابة.
يوجد أخيراً، عندما يكون بك جوع وعطش¡
أحد ما يطردك.

6
كنت أحب الصحراء.
البساتين المحروقة¡ الحوانيت
الذابلة¡ الكحول الفاترة.
كنت أنسحب في الأزقة المنتنة¡
وأهب نفسي¡ مغمض العينين للشمس¡
آلهة النهار.
((أيها القائد¡ إن كان بقي مدفع عتيق
على متاريسك المدمرة¡ اقصفنا بكتل أرض يابسة.
في مرايا المخازن الرائعة !
في غرف الاستقبال ! اجعل المدينة تأكل غبارها.
اغمر المزا ريب بالصدأ.
املأ المخادع بمسحوق ياقوت ملتهب))
آه! الذبابة السكرانة في مبولة الحانة¡ عاشقة عشبه
الحميم المعرقة¡ والتي يذيبها
الشعاع.
وأخيراً
يا للسعادة. يا للعقل.
أبعدت عن السماء اللازورد الذي هو سواد¡ وعشت
شرارة ذهب من الضوء ((طبيعة)) من فرح¡
كنت اتخذ تعبيراً بهلوانياً وتائهاً إلى أقصى حد.
صرت أوبرا خرافية:
رأيت ان كل الكائنات تملك قدراً من السعادة.
الفعل ليس هو الحياة¡
لكنه وسيلة لافساد قوة ما¡
تهيج أعصاب.
علم الأخلاق هو إعياء الدماغ.

ترجمة المقاطع: سمير الحاج شاهين


الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://lorca.ahlablog.com/
kanaan
{{}} مشرف {{}}
{{}} مشرف {{}}
avatar

ذكر عدد الرسائل : 533
البلد : Yiebna
الوظيفة : Critic
تاريخ التسجيل : 12/07/2007

مُساهمةموضوع: رد: ملف آرثور رامبو   الأربعاء سبتمبر 19, 2007 6:29 pm

كتاب
فرنسي يؤكد أن مركبه
السكران رسا في بحر بيروت
متحف الشاعر يقع في الخطأ الكبير:
أرثور رامبو لم يرسم لبنان
صدر حديثاً في فرنسا كتاب "رامبو مجنَّحاً" لجان لوك باران يكشف النقاب للمرة الأولى عن ثلاث لوحات مائية رسمها الشاعر الفرنسي أرتور رامبو (1854 ــ 1891) في لبنان، وإحداها في بيت مري تأكيداً. فهل هذه اللوحات تحمل توقيعه حقاً أم أن المؤلف وقع في خطأ كبير ناسباً الى رامبو لوحات رسمها بحّار فرنسي يُدعى أنطوان ــ جان رامبو، جاء الى لبنان وعاش فيه وصار أستاذاً للرسم في الليسيه الفرنسية ورسم بيت مري وعين المريسة؟
المائيات التي يُفترض أنها لأرتور رامبو.
مائيتان "لبنانيتان" لأنطوان - جان رامبو: التوقيع نفسه والمعالجة نفسها والاسلوب نفسه... فضلاً عن التأثرات بلوحة عمر الأنسي (الصورة الأولى بعدسة مروان عساف).







مائية بحرية لأنطوان - جان رامبو.

زيتية لأنطوان - جان رامبو.

توقيعان من فوق لأرتور رامبو وتوقيعان من تحت لأنطوان - جان رامبو: وضوح "التوأمة" في التواقيع الثلاثة التحتية المنقولة عن ثلاث لوحات، الأول للشاعر والآخران للرسام، فضلاً عن التطابق في انفكاك حرفَيb وd عن سياقهما في التواقيع الثلاثة.







من تخطيطات أنطوان - جان رامبو لبيت مري: البرهان "الموضوعي" الاضافي.







مشهدان باريسيان بالالوان المائية لأنطوان - جان رامبو (عدسة وسام موسى).








غلاف الكتاب
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://lorca.ahlablog.com/
kanaan
{{}} مشرف {{}}
{{}} مشرف {{}}
avatar

ذكر عدد الرسائل : 533
البلد : Yiebna
الوظيفة : Critic
تاريخ التسجيل : 12/07/2007

مُساهمةموضوع: رد: ملف آرثور رامبو   الأربعاء سبتمبر 19, 2007 6:30 pm


بعد بحث طويل قمنا به، بتنا نستطيع أن نقدّم افتراضاً آخر هو الأقرب الى الصواب: هذه اللوحات الثلاث هي لرسام فرنسي مغمور لم يرد إسمه في موسوعة الفن الفرنسية، وليست لأرتور رامبو. صحيح أن الشاعر الفرنسي الكبير أرتور رامبو جاء الى لبنان في أواخر أىلول من العام 1887 ليحصل على جواز سفر من القنصلية الفرنسية في بيروت يمكّنه من السفر الى سوريا لشراء أربعة بغال، لكن هل صحيح أنه هو الذي رسم في لبنان ثلاث لوحات مائية بالألوان بسبب حاجته الى المال لتغطية نفقات السفر، وفق رواية الكتاب المذكور؟ هل سقط الكتاب في فخّ الخلط بين أرتور رامبو والرسّام أنطوان ــ جان رامبو الذي جاء الى لبنان في أواخر الأربعينات من القرن الفائت؟
الحرف الأول من كلا الإسمين والالتباس في طريقة الرسامَين المتشابهة الى حدّ التطابق في التوقيع، كانا السبب الذي أسقط متحف رامبو في فخاخ هذا الالتباس و... الخطيئة عندما أكد المتحف والكتاب أن اللوحات الثلاث هي للشاعر الفرنسي الكبير؟ أما السؤال الجارح والأشدّ وضوحاً وحدة فهو الآتي: هل تكون هذه اللوحات الثلاث التي يُفترض أنها لأرتور رامبو هي من توقيع أنطوان ــ جان رامبو؟
رواية "رامبو مجنَّحاً"

هاكم القصة: يروي الكاتب الفرنسي جان لوك باران في الصفحة 97 من كتابه "رامبو مجنَّحاً" الصادر حديثاً عن "متحف أرتور رامبو ومكتبته" أنه كان في شباط من العام 2001 في رفقة كريستيل لوكيه، في إحدى صالات البيع، في إحدى المناطق الفرنسية المتباعدة، عندما عثر ولوكيه وسط مجموعة من اللوحات على لوحة مائية، قديمة بعض الشيء، وتحمل توقيع A. Rimbaud الى يمين اللوحة من الأسفل. ووراء تلك اللوحة كان ثمة لوحتان متواريتان تحملان التوقيع نفسه.
ويوضح جان لوك باران، ودائماً في صيغة الجمع (ويقصد هو وكريستيل لوكيه) أنه هرع الى موسوعة "بينيزيت" الخاصة بالفنانين لعله يعثر على معلومات تكشف النقاب عن صاحب هذا التوقيع: هل هو لشخص يكون إسمه الأول ألفونس أو أنطوان أو أرمان رامبو، لكنه لم يعثر على شيء من هذا، بل عثر على إسم أرتور موصوفاً بأنه "شاعر ورسّام" poete et dessinateur وليس كرسّام للأكواريل.ويتابع باران قائلاً إنه اشترى اللوحات الثلاث بعدما وجد أنها استثنائية ومثيرة للعجب والغموض، أقلّه بسبب السرّ الذي يضفيه عليها توقيع A. Rimbaud. وفي باريس وبناء على مشورة اختصاصي في المخطوطات المكتوبة بيد رامبو عرض إحدى هذه اللوحات المائية على خبراء في اللوحات مشهود لهم بالصدقية بهدف التحقق من صحة نسبتها الى الشاعر، وقد جاءت غالبية التقارير التي وضعوها بنتيجة تدقيقهم في هذا الشأن لتؤكد أن هذه اللوحة... ليست له وأن التوقيع ليس توقيعه.
ويكمل باران روايته شارحاً أنه بعد سنة من الأبحاث والتدقيقات الدؤوبة على أيدي هؤلاء الخبراء، تلقى رسالة مفادها أن هذه اللوحة المائية هي فعلاً للشاعر أرتور رامبو.
ويضيف أنه، بعدما أوقعته هذه التقارير في حيرة قاتلة، خلص الى الإقرار بوجود سرّ يحيط بهذه المسألة لا يقل غموضاً عن السرّ الذي يكتنف الشاعر رامبو، موضحاً أن تفصيلاً لافتاً أثار اهتمامه في اللوحة: اسم بيت مري الذي يعلو التوقيع يفيد بأن المشهد المرسوم بالألوان المائية يمثل إحدى روابي بيروت في لبنان. ويواصل باران سرد روايته بأسلوب الحكواتي المشوّق كاشفاً أنه عرف في ما بعد أن رامبو سافر الى لبنان ولم يكن يملك مالاً يدبّر به أموره، وحمله هذا على التفكير أن الشاعر ربما استطاع في هذه الحال أن يتعلم الرسم المائي بسرعة وأن ينجز بعض اللوحات بناء على طلب زبائن من أجل سدّ حاجته.
ويقول باران إنه لو لم يعثر على هذه المائيات لكانت اختفت نهائياً لأن لا أحد كان اهتمّ بإسم هذا الرسّام الذي بدا أنه كان لا يزال مجهولاً في تلك المدينة الفرنسية النائية. هكذا، صار رامبو peintre، يقول باران، بعدما عُرف بأنه شاعر وdessinateur ومصوّر.

المسألة مثيرة للشغف وملهبة للخيال، وخصوصاً لدى "عشّاق" شاعر الجحيم. وهي لا بدّ أن تلهب خصوصاً أهل الأدب من اللبنانيين الذين يشغلهم شاعر هو أيقونة الأيقونات الشعرية كلها وخابز الفتن في عجين الكلمات وفي قمح الحياة والأيام على حدّ سواء. فشأنهم في هذا شأن جميع المنتمين الى شيطان الآلهة وإله الشياطين. إنه لشيء يفوق الوصف أن يكون الشاعر ذو النعلين من ريح قد ذهب الى القاهرة والإسكندرية وعدن والجزائر والحبشة وهرار وأريتريا وقبرص، باحثاً عن ذهب نفسه المبعثر في أرجاء الكون، وكاتباً على غيمة حياته، في تجوالاته التائهة هذه، تلك القصيدة الهائلة التي لم تجتمع في شعر الكلمات ولا في قصائد الكتب.
إنه لشيء لا يُصدَّق أن يكون أرثور رامبو زار تلك الأماكن كلها، وربما غيرها أيضاً، في هذا الشرق الجحيمي اللاهب والمفتن، ولم يعرِّج على لبنان. فقد كان هنا، على مقربة، في لارنكا القبرصية، في خراجها الشاطئي القريب، وفي جبل ترودوس وشاطىء ليماسول ( رسائله من شباط 1879الى حزيران 1880)، وقد زرنا أمكنة نزوله وعمله فيها. وهو زار أيضاً نواحي هذا الشرق الآسر، اليمني منه والأثيوبي والأريتري والمصري،... مخترعاً لحياته حالةً شعرية قصوى هي الجحيم نفسها، الموازية حياتياً لـ"فصل من الجحيم" شعرياً، في ذاك المزيج الجنوني الفريد من نوعه، والمصنوع، دمعةً دمعةً، من كيمياء الهامش والفتنة البوهيمية ومن رحيق النزول الى بئر الليل وغيبوبة اللهاث وراء الشمس، ناحتاً لحياته ولحياة الشعراء والخلاّقين جميعهم شمساً إذا أشرقت فلكي تصنع الينابيع وتزورها بل... وترويها، وإذا أعتمت فلكي تفتح الطريق الى سراج الباطن وأزقته وأرجائه المطلقة.
لذا، فأن يكون مركبه السكران قد أقلّه حقاً الى شواطىء بيروت في أواخر أيلول من عام 1887 (مثلما يزعم الناقد الفرنسي بيار بوتي في كتابه "رامبو، سيرة 1854 - 1891)، فأمضى في لبنان أياماً، وربما أكثر، متنقلاً بين بحره وتلاله وريفه، واصلاً الى "رابية بيت مري" ذاك الزمان، ثم غادر "بلاد الأرز" تاركاً وراء أذياله رسوماً مائية ثلاثةً قيل إنه أنجزها ليشتري بها بغالاً وهي البرهان شبه الوحيد الذي يؤكد عبوره الآسر والخاطف فيه... فهذا في ذاته يوازي لدى المؤمنين حالةً تشبه الأعجوبة.
هذا في الأقل ما يؤكده الكتاب المشار إليه، وليس أمامنا سوى أن "نصدّق" ما أورده هذا الكتاب. فإذا لم يكن صحيحاً ما أورده، فعلينا أن نخترعه وأن نضيف عليه ونبهّره. لأننا نريد أن نشارك في إعلاء الوهم وتربية التخييل، وإن "كاذباً"، ونريد أن نكون جزءاً من هذه الحركة "الاختلاقية" الكونية المأخوذة بأسطورة رامبو، والتي هي أسطورة الشعر نفسها، وسنقول ديانة الشعر.
؟؟؟
لكن هل نستطيع أن نكتفي برواية الكتاب البخيلة وباللوحات الثلاث تلك، أم نريدنا أن نلتحق برامبو في رحلة التيه المفترضة، ذاهبين الى شواطىء عين المريسة (!) والى تلال بيت مري (!)، لنقتفي أثر النعال المصنوعة من الريح. بل لنلقي على عبورها مزيجاً من فتنة الحقيقة والتخييل والحلم؟ وإذا كان علينا أن نفعل هذا، فأين الضرر في أن نسأل: لِمَ لم يرسم رامبو سوى هذه اللوحات الثلاث المائية الملوّنة، قبل ذلك التاريخ، وبعده؟ وإذا كان جاء حقاً الى لبنان في أواخر أيلول، على ما يزعم بيار بوتي، واحتاج الى مال فلماذا لم يستخدم المبلغ الذي كان أودعه مصرف "لو كريديه ليونيه" في القاهرة قبيل أشهر (سيرته في "لابلياد")؟ ولماذا بعد حصوله على المال لم يسافر الى سوريا مثلما كان متوقعاً؟ ... وأيضاً ما قصة أنطوان ــ جان رامبو "اللبناني" الآخر الذي عاش في لبنان في أواخر الأربعينات من القرن الفائت، وكان رسّاماً، بل أستاذاً للرسم في مدرسة الليسيه الفرنسية، وترك رسوماً انطباعية أو ما بعد انطباعية عن مشاهد لبنان، تشبه تلك الرسوم المائية الثلاثة التي يزعم "متحف أرتور رامبو ومكتبته" أنها تحمل توقيع الشاعر الكوني الكبير؟ فهل من خطأ في التقدير لدى الخبراء والاختصاصيين الفرنسيين؟ وهل يكون غاب ربما عن بالهم أن ثمة رسّاماً فرنسياً يحمل الأحرف الأولى نفسها التي للشاعر، حتى وإن لم يرد إسمه في موسوعة الفن الفرنسية خلال القرن العشرين؟ فهل يا ترى من المحتمل أن تكون اللوحات الثلاث المزعومة للشاعر الفرنسي هي لهذا الرسام "المجهول" الذي عاش في لبنان، وما قصة التوقيع على هذه الذي "يؤاخي" التوقيع على تلك ويشبهه الى حدّ التماهي والتوأمة، فضلاً عن "التآخي" في الموضوعات وفي أسلوب المعالجة؟ هل هو التباس الإسمين والتوقيعين ــ A. Rimbaud ــ أم هو الشبه بين المقاربتين التشكيليتيين، أم هو الذهول التخييلي والشعري، أم... هي الحقيقة الموهومة، تجعلنا نسلّ سيف الشكوك طريقاً الى اليقين؟
روايات ورسائل وسؤال
يروي الكتاب ــ الفتنة أن رامبو زار بيروت في فجوة أىلولية غامضة من العام 1887 (في 26 آب 1887 كان في ضيافة القاهرة بدليل الرسالة التي وجّهها من هناك الى ألفرد باردي. وفي الثاني عشر من تشرين الأول 1887 كتب من عدن رسالة الى قنصل فرنسا في بيروت)، بهدف الحصول على جواز سفر من القنصلية الفرنسية يمكّنه من الانتقال الى سوريا لشراء أربعة بغال ليضمّها الى قافلته من الجمال. وتمضي الرواية في نسج التشويق الغامض حول زيارته تلك فتقول إن الشاعر احتاج الى المال فرسم ثلاث لوحات مائية بالألوان ليبيعها، ثم عدل في اللحظات الأخيرة (!) عن السفر الى سوريا بل يمّم شطر عدن في تشرين الأول من تلك السنة.
فأين أمضى رامبو أيلوله المذهّب هذا إن لم يكن قد أمضاه في لبنان؟
ما نستطيع أن نؤكده هو الآتي بالاستناد الى أعماله الكاملة الصادرة لدى دار arlea، وهو يكشف بوضوح ساطع أن رامبو لم يزر لبنان في أيلول على الإطلاق بدليل الرسالة التي كتبها من عدن في تاريخ 12 تشرين الأول 1887 ووجهها الى قنصل فرنسا في بيروت، وفيها أنه "يخطط" للمجيء الى بيروت.
تقول الرسالة ما يأتي، بل ما معناه: أعذرني لأني أطلب منك المعلومة الآتية: الى من أستطيع أن ألجأ في بيروت أو في غيرها على الساحل السوري لشراء أربعة baudets etalons (فحول الحمير بحسب القاموس) قوية ومعافاة ومن أفضل الأجناس المستخدمة لتوليد أقوى البغال وأفضلها في سوريا؟ وما هو سعرها؟ وما هي تكاليف نقلها أو تأمينها من بيروت الى عدن؟
هذه الرسالة التي تحمل تاريخ الثاني عشر من تشرين الأول 1887 تثير لدينا شكوكاً منطقية وموضوعية ساطعة في أن يكون رامبو قد زار بيروت قبل التاريخ المشار إليه. مما يعني أيضاً أن نظرية الكتاب المشار إليه، ونعني كتاب بيار بوتي، حول شراء أرتور رامبو البغال قبل شهر من ذلك، أي في أيلول، لا أساس لها من الصحة.
وهناك سؤال آخر يرخي بظلاله: لنفترض أن رامبو جاء بعد تاريخ الثاني عشر من تشرين الأول هذا الى بيروت، فهل يعقل أن يكون تلقى رسالة جوابية من قنصل فرنسا في بيروت بعد ذاك التاريخ ثم سافر من عدن مباشرة ووصل الى بيروت ثم سافر مجدداً الى عدن ليوجّه من هناك رسالة الى القنصل دو غاسباري تحمل تاريخ الثالث من تشرين الثاني؟
إنه لسؤال مضن حقاً، إذ كيف يستطيع أن يفعل هذا كله وبهذه السرعة، وبأي وسائل نقل سريعة مفترضة؟
علماً بأنه كان لا يزال في عدن حتى الخامس عشر من كانون الأول ،1887 بدليل الرسائل التي وجهها من هناك الى كل من عائلته والقنصل دو غاسباري والمونسنيور توران. وأنه وجه رسالة ضائعة الى أرمان سافوري في الثاني والعشرين من كانون الأول 1887 من عدن أيضاً، ثم رسالة الى عائلته في الخامس والعشرين من كانون الثاني 1888 من عدن أيضاً، ورسالة مؤرخة في الأول من شباط. وهلمّ.
عَودٌ على بدء
كل ما كُتب عن رامبو، تحليلاً لشعره وتأريخاً لحياته يوماً بيوم، وساعة بساعة... تقريباً، وكل ما كتبه هو بنفسه من مراسلات وتأريخات، لم يحمل أيّ إشارة الى أنه سافر الى لبنان في ذلك الشهر بالذات، أو الى أنه رسم لوحات مائية بالألوان، في حين أن المؤرخين والأدباء والبحاثة والنقاد لا يزالون حتى اللحظة يلاحقون شعره وقصائده وأنفاسه ورسائله فيدرسونها ويحصونها ويروون أسفاره ويلقون الأضواء حول تفاصيل إقامته في الأماكن التي زارها ويتحدثون عن رسومه بالأسود والأبيض فقط. أما أن يكون قد "حجّ" الى لبنان وأمضى أيلول 1887 فيه، أو بعضه، أو أكثر، ورسم "رابية بيت مري" والمشهد البحري في عين المريسة ومشهداً جبلياً أو ريفياً ثالثاً، فهذه معطيات جديدة، صاعقة ومذهلة، تشكّل كشفاً كبيراً ومفاجأة غير مسبوقة.
فهل الذي يصنع النار من أشعة عينيه وأسفار تخييلاته ويشعلها في الكلمات فيجلعها تترنح كمراكب سكرى، هل كان يُعقل حقاً أن يكون قد ذهب بعيداً للقبض على روح الذات والكون والأشياء، وبعيداً جداً وحتى الحدّ الأقصى الذي لا حدّ بعده، في تلك "البلدان الشيطانية"، كما سمّاها يوماً في إحدى رسائله من عدن الى عائلته، بحثاً عن نار الشعر والحياة، ولم يعرّج على لبنان الذي كان رحّالة ذاك الزمان يصفونه بالأسماء الفردوسية ويطلقون عليه ألقاب الجمالات الأرضية ويسمّونه بلد اللبن والعسل؟
كان لا بدّ أن يكون ثمة مكامن فتنة وسحر وإغواءات متبادلة بين هذا الشاعر الرائي وبلد الرؤيا والغموض هذا، وكان سيكون مؤلماً حقاً لو أن مجيئه الى لبنان لم يتحقق. أفكان سيظل رامبو قابلاً ببقاء تلك الفجوة العميقة، فجوة لبنان الناقصة، مفتوحة الى الأبد؟ هذا السؤال الذي ظل في فم الحيرة والالتباس والنقصان طوال هذا الزمن، ربما وجد بداية جواب عنه الآن، وإن ناقصاً أو ملتبساً أو واهماً أو خاطئاً، في كتاب جان لوك باران.
اللوحات الثلاث التي كانت مجهولة طوال مئة وخمس عشرة سنه، كشف النقاب عنها جان لوك باران هذا قبل سنة من الآن، عندما كان في زيارة لإحدى المناطق الفرنسية النائية، فعثر ــ يا للمفارقة ــ على ثلاث لوحات مرسومة بالألوان وتحمل توقيع A. Rimbaud أ. رامبو. لم تصدّق عيناه بادىء ذي بدء حين شاهد اللوحة الأولى ممهورةً بتوقيع غريب وأخّاذ. اقترب من اللوحة فعرف للتو أنها للشاعر الملاحَق الى الأبد بتهمة تخريب الحياة والكلمات لإعادة توليدهما من جديد. وشاهد خلف اللوحة اثنتين أخريين تحملان التوقيع نفسه: A. Rimbaud
اشترى جان لوك باران اللوحات الثلاث، ولعاً وفضولاً، وحملها الى حيث استطاع أن يتأكد (؟!) من أنها للشاعر الكوني الكبير دون سواه، وأن لا رسّام آخر في العالم كله يحمل هذا الإسم أو يوقّع به على هذه الطريقة (هل هذا صحيح وأكيد حقاً ؟!). واكتملت الصورة عندما انبرى "متحف أرثور رامبو ومكتبته" لتبنّي اللوحات الثلاث وإعلان صحة التوقيع بعد التأكد من ذلك، والسماح بنشر الكتاب الذي يضمّها. بل بتبنّي نشره.

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://lorca.ahlablog.com/
kanaan
{{}} مشرف {{}}
{{}} مشرف {{}}
avatar

ذكر عدد الرسائل : 533
البلد : Yiebna
الوظيفة : Critic
تاريخ التسجيل : 12/07/2007

مُساهمةموضوع: رد: ملف آرثور رامبو   الأربعاء سبتمبر 19, 2007 6:32 pm


أضواء نقدية على اللوحات الثلاث
في ضوء على اللوحات الثلاث الممهورة بتوقيع A. Rimbaud أ. رامبو، يقول الناقد والمؤرخ التشكيلي والرسّام فيصل سلطان إن لوحة بيت مري المائية تظهر معالجة الظلال الملوّنة، على طريقة الإنطباعيين، ويبدو فيها الرسّام ملمّاً بأجواء المناخ، وعارفاً بسرّ تقسيم اللوحة أفقياً ثلاثة أقسام: السماء بالأزرق، كتل البيوت والأشجار، ومقدمة اللوحة الترابية. كما يُظهر الرسّام مقدرة لافتة وأكيدة على رسم المنظور التشكيلي، مرجِّحاً أن تكون رُسمت صيفاً.
يُذكر أن كتاب جان لوك باران نشر هذه اللوحة بالألوان بطريقة متواضعة وبخيلة، مكتفياً بنشر اللوحتين الأخريين بالأسود والأبيض (لماذا؟!)، وقد ظهر فوق توقيع رامبو إسم بلدة بيت مري اللبنانية التي يؤكد الكتاب أن رامبو أقام فيها، واصفاً إياها بأنها رابية من روابي بيروت. ذاكراً أيضاً أن كلمات بالعربية كانت مكتوبة على قفاها.
في اللوحة الثانية التي يورد الكتاب تسميتها Sauv sur le chemin du CHAM ثمة فيها ما يوحي، في رأى سلطان، أنها مرسومة في مرحلة ما قبل الظهيرة، وأنها ريفية الطابع وتحمل بصمات الطبيعة اللبنانية. بل هي تذكّر بأجواء لوحة المشهد الريفي وبـ"منطق الشجر" في أعمال عمر الأنسي.
أما لوحة المشهد البحري التي يسمّيها الكتاب Les siecles de verre فهي "بيروتية" في الغالب، في رأي سلطان، بل ومن أجواء عين المريسة في ذاك الزمان وما يليه. وتتميز اللوحة بدقة متناهية في رسم المنظور وفي التعبير عن ظلال المشهد المرسوم في مرحلة ما قبل الظهيرة، بحسب حركة الظلال المستلقية على جدران البيت.
وتتمتع اللوحات الثلاث بغنائية لونية ومشهدية ومنظورية واضحة القسمات والبصمات والانفعالات.
ويؤكد سلطان أن اللوحات الثلاث، وإنْ لم تكن لفنان "كبير" Grand Maitre، في المعنى التقني للكلمة، فإنها تنمّ على مقدرة واضحة في الرسم، وعلى إلمام وافٍ بالنقاط الرئيسية التي يقوم عليها المشهدان البحري والريفي الجبلي. بل تنضح بموهبة فنية أكيدة، وبجرأة في معالجة الضربات اللونية، بدليل عدم وجود أيّ إشارة لاستخدام القلم الرصاص الذي يمهّد عادةً لرسم المنظر. وهذا يعني أن الفنان بارع في التقاط الهنيهة المنظرية. فإذا كانت هذه الملاحظات التشكيلية الجوهرية هي في صلب لوحات أرتور رامبو الثلاث هذه، فلماذا لم يُعرف قبل هذه اللوحات، وبعدها، كرسّام للمائيات، علماً بأن الأبحاث عنه تكتفي بالقول إنه كان يرسم بالأسود والأبيض؟
ومن جهة أخرى، يلفت الناقد التشكيلي نفسه الى أن اللوحة المائية كانت منتشرة في فن الرحلات في أواخر القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين، مذكّراً بأن رسوم فنّاني الجيوش الفرنسية الى الشرق تؤكد ذلك بوضوح.
وفي مستوى أساسيّ آخر، يشير الناقد الى أن إيقاعات المنظر في اللوحات الثلاث تذكّر بمرحلة بدايات الموجة الإنطباعية في لبنان مع عمر الأنسي ومصطفى فروخ وقيصر الجميل (أو هي تسبقها بالتأكيد إذا كان صحيحاً أنها لأرتور رامبو وأنها رُسمت في العام 1887). بل يقول إن معالجة الظلال البنفسجية وطريقة التقاط مقاطع من الأشجار هي ــ للمفارقة ــ من خصائص الأسلوب الذي اتبعه عمر الأنسي في الثلاثينات من القرن العشرين. فأيّ علاقة يا ترى؟ وهل من اختلاط بين هذه اللوحات وصاحبها وموقّعها، وتلك اللوحات التي عُرفت في الأربعينات من القرن الفائت للرسّام أنطوان ــ جان رامبو الذي كان يوقّع لوحاته بـA. Rimbaud؟
من هو رامبو "اللبناني" الآخر؟
ما ان صدر كتاب جان ــ لوك باران في فرنسا، "رامبو مجنَّحاً"، حتى التهبت المخيّلات بالأرق وخصوصاً مخيّلات المهتمين بأدب هذا الشاعر وبحياته وأسفاره وتفاصيل يومياته البوهيمية. زميلنا الشاعر عيسى مخلوف خصص فقرة إذاعية خاصة في "إذاعة الشرق" في أوائل أيلول الجاري لإلقاء الضوء على هذا الحدث الأدبي والفني البالغ الأهمية، وملقياً في الآن نفسه ظلاًّ من الشك حول موضوع اللوحات. زميلنا الشاعر عبده وازن خصص قسماً كبيراً من صفحة الثقافة في جريدة "الحياة" للموضوع نفسه وللأسئلة نفسها في السابع عشر من أيلول الجاري أيضاً. إذاً، ما أن ذاع خبر هذا "الاكتشاف" حتى صار محور الإهتمام الأدبي والفني والإعلامي.
من جهتنا سنحاول إلقاء الضوء على شخصية أنطوان ــ جان رامبو ورسومه وتخطيطاته في لبنان. بدايةً، يحضر السؤال الآتي: ما العلاقة بين أ. رامبو الشاعر، وأ. رامبو، الرسام الفرنسي الذي جاء الى لبنان في أواخر الأربعينات وتزوج من لبنانية ودرّس الرسم في مدرسة الليسيه الفرنسية وترك أعماله لورثته من آل طراد بعد وفاته؟
العارفون بتاريخ الفن التشكيلي اللبناني، يعلمون تماماً أن ثمة رسّاماً وأستاذاً فرنسياً يدعى أنطوان ــ جان رامبو، ولد في مرسيليا (هل من علاقة متوسطية مع رسومه اللبنانية البحرية؟! بل هل ثمة التباس واختلاط أسماء وتوقيعات بين لوحة عين المريسة التي يؤكد كتاب "رامبو مجنّحاً" أنها من أعمال الشاعر الفرنسي الكبير وإقامة أنطوان ــ جان رامبو في عين المريسة؟!)، وأقام في بيروت بل في عين المريسة بالذات وقرب مقهى "البحري" وقهوة الحاج داوود، ورسم مناظر البلد ومشاهده وبيروته وعين مريسته وريفه، و... كان أيضاً صديقاً للرسام اللبناني الإنطباعي وما بعد الإنطباعي عمر الأنسي، وثمة من يؤكد أنه كان متأثراً بطريقته في المعالجة اللونية الانطباعية.
في أطروحة عن الفن التشكيلي في لبنان، أعدها الزميل فيصل سلطان في الفرنسية (اتجاهات الفن في لبنان 1861 - 1986) وناقشها في جامعة السوربون الثامنة في باريس، يذكر إسم أنطوان ــ جان رامبو الى جانب لائحة من الفنانين الفرنسيين الذين عاشوا في لبنان القرنين التاسع عشر والعشرين.
وفي الصفحة 72 من الجزء الثاني من "موسوعة مئة عام من الفن التشكيلي في لبنان 1880 ـ 1980" الصادرة لدى "منشورات غاليري شاهين" (لصاحبها ريشار شاهين)، يرد في الفرنسية إسم A. Jean RIMBAUD تحت باب O ويقصد بها المستشرقين من القرن السابع عشر الى القرن التاسع عشر، لكنه يضع الى جانب الإسم المذكور إشارة 20 s التي تعني القرن العشرين.
وتكشف أرشيفات "غاليري شاهين" أن أنطوان ــ جان رامبو ضابط في البحرية الفرنسية قدم الى بيروت واستقر في لبنان في العام 1939 وتزوج في العام 1950 من ليندا طراد التي لم تنجب منه.
ويذكر قاموس فن الرسم في لبنان dictionnaire de la peinture au liban، الذي أصدره ميشال فاني في العام 1998 في الفرنسية عن منشورات l,escalier في الصفحة 231 أن أنطوان ــ جان رامبو هذا، هو بحّار فرنسي استقر في لبنان وعمل أستاذاً للرسم في مدرسة الليسيه الفرنسية في أواخر الأربعينات ومطلع الخمسينات. ويكشف أنه عرض عام 1945في صالة في مركز الدراسات العليا طريق الشام ويشير ميشال فاني الى أن إسم أنطوان ــ جان رامبو ظل وارداً في معارض الربيع والخريف في الأونيسكو التي كانت تقيمها وزارة التربية الوطنية حتى العام .1959 في حين يلفت فيصل سلطان الى أن "جريدة الأحرار" أوردت في آذار من عام 1950 (وتؤكد ذلك أرشيفات غاليري شاهين) أن أنطوان ــ جان رامبو عرض في صالة مركز الدراسات العليا، وأن لوحاته تمثل مناظر ومشاهد من الطبيعة اللبنانية فضلاً عن مشاهد فرنسية، وأنه كان على صلة وثيقة بالكونت أرمان دو شايلا.
وتفيد المعلومات لدى المصادر المشار إليها أن أنطوان ــ جان رامبو توفي في منتصف الستينات، مرجِّحةً أن يكون ذلك في العام 1964(؟) وأنه دفن في مدافن عائلة نقولا طراد في مار متر وانتقلت لوحاته الى زوجته ليندا، ثم آلت بعد وفاة هذه الأخيرة الى إبن أخيها نقولا طراد التي توفي قبل سنتين تقريباً من الآن، فآلت ممتلكاته الى زوجته إليان وأولاده الأربعة.
ويؤكد فيصل سلطان بحسب مقابلة أجراها مع الفنان سعدي سينوي الذي كان صديقاً لأنطوان ــ جان رامبو وعارفاً برسومه ومقتنياً بعضها أن أنطوان ــ جان رامبو تعرف الى عمر الأنسي على أثر زواج الأنسي الثاني عام 1939 من الفرنسية ماري بوير التي كانت تدرّس في الكوليج بروتستان.
وفي تلك المرحلة كانت لوحات الأنسي حافلة بموضوعات المشاهد والأشجار وحركاتها وإيقاعاتها، وهو كان يبحث في ما يرسم عن قوتين حيويتين عظيمتين، إحداهما الطبيعة الحية وثانيتهما الإنسان الحي، حيث كانت إيقاعات الشاطىء وحركة الأشجار ومدى الكثبان تحتل مرتبة عالية في أعماله. ويؤكد الناقد فيصل سلطان أن أنطوان ــ جان رامبو تأثر في تلك المرحلة بفن الأنسي على مستوى التقاط زوايا المنظر ولاسيما بعدما صار رامبو هذا أستاذاً للرسم في مدرسة الليسيه.
* * *
... ومن خلال البحث والتدقيق عثرنا لدى غاليري ريشار شاهين على صورة لوحة لمنظر لبناني بالألوان تحمل توقيع أنطوان ــ جان رامبو وعلى لوحتين تمثلان مشهدين باريسيين. وفي غاليري بخعازي في الأشرفية عثرنا على ثلاث لوحات لأنطوان ــ جان رامبو (من المفارقات ان نادر بخعازي درس الرسم على يد أ. جان رامبو في محترفه)، وهذه وتلك تؤكد بيقين شبه ثابت، إن على صعيد المعالجة التشكيلية أو على صعيد التوقيع، أن "العلاقة" بين اللوحات المزعومة لأرتور رامبو وهذه الأكيدة لأنطوان ــ جان رامبو هي لشخص واحد، ولا بدّ أن تكون للثاني حكماً.
قصدنا منزل ورثة أنطوان ــ جان رامبو في الأشرفية، وهم عائلة نقولا طراد، ودخلنا الى حيث أودعت تخطيطاته، فوقعنا على دفتر كامل من التخطيطات خصص غالبيتها الساحقة لرسم مشاهد من "مقره" الصيفي في بيت مري (أليس مفارقاً ومشكوكاً فيه، في هذه الحال، أن يكون أرتور رامبو هو الذي رسم بيت مري؟)، إضافة الى تخطيطات أخرى للروشة ولمناطق فرنسية ولغيرها.
على كل واحد من هذه التخطيطات، نقرأ ملاحظات كتبها أنطوان ــ جان رامبو تفيد أن هذه التخطيطات هي مشاريع لوحات مائية وزيتية، وقد آلت ملكيتها بعد رسمها الى أصحابها من اللبنانيين ومن غير اللبنانيين، من مقتني اللوحات، بينهم اللايدي كوكرن والنائب الراحل الدكتور البر مخيبر والآنسة (...) بيروتي والسيدة فيرا نجار والمحامي (...) شمالي والسيدة (...) توسان.
* * *
... لكن أياً تكن حقيقة هذه المسألة، نحبّ أن نعود الى رامبو الشاعر لنقول: أكان هو الذي جاء الى لبنان أم غيره، أكان هو الذي رسم اللوحات الثلاث أم تكون لرسّام آخر، فإن شيئاً لن يتغيّر في قصتنا معه ومع الشعر. ويقيننا أنه جاء الى هنا من دون ان يجيء او من دون ان يدري أحد بمجيئه. بل من دون أن يحتاج أحد الى برهان. فهو جاء ورمى الفتنة في الينابيع وسمّم المياه وخرّب الفصول وحركة الليل والنهار وأصاب القمر الشمس والنجوم بالعماء الخلاّب وأشعل في الغيوم والذهب وأعماق العقل الباطن نار الحرائق الأبدية. والدليل أن هذه الحرائق لا تزال نيرانها مستعرة في ذهب الشعر، وفي ذهب الشعر اللبناني والعربي الحديث تخصيصاً. وإذا كان من شكّ أكيد أو شبه أكيد في نسبة هذه اللوحات، فهو يضاف الى الألغاز التي تكتنف شخصية هذا الشاعر الكوني وحياته.
في قصيدة "إشراقات" يذكر أرتور رامبو إسم لبنان بالجمع فيقول "لبنانات الحلم". هذه اللبنانات التي عاشها رامبو في الحلم، ترى هل سكنها وعاشها في الواقع؟
* * *
... لا نريد لهذا المقال أن يدحض ما جاء في الكتاب الفرنسي حول صحة نسبة هذه اللوحات الى الشاعر الكوني، لكننا نريد أن نلقي بعض الأضواء على المسألة ونطرح الأسئلة الحارقة، مرجِّحين ان لا يكون ارتور رامبو هو راسم هذه اللوحات، ولكن من دون أن نحسم نفياً أو إيجاباً في الجواب، تاركين كشف النقاب الكامل عن هذا الموضوع في أيدي النقّاد والمؤرخين التشكيليين اللبنانيين والفرنسيين لكي يتحرّوا عن هذا الشأن، ولأهل الخبرة والصدقية من الإختصاصيين الفرنسيين الذين يتولون "متحف أرثور رامبو ومكتبته"، وغيرهم من الخبراء، أن يرووا الغليل الذي لن يشفى.
وفي الأخير الأخير، هل ثمة علاقة ما بين عثور جان لوك باران على هذه اللوحات الثلاث في منطقة فرنسية نائية وبين مسقط رأس أنطوان ــ جان رامبو في مرسيليا ومنطقتها؟
وفي الأخير الأخير أيضاً: إذا كان التشابه قاطعاً بين التوقيعين، فهل يكون أنطوان ــ جان رامبو قد قصد عن سابق تصور وتصميم أن "يقلّد" توقيع الشاعر الكوني ليكتسب... شهرته؟!
وغايتنا في الأخير الأخير الأخير أن نحصل على الجواب الآتي: هل أرتور رامبو هو الذي رسم هذه اللوحات الثلاث، أم هو أنطوان ــ جان رامبو؟ ومن يكشف على تواقيع هذا البحّار الفرنسي الذي صار أستاذاً للرسم ولوّن ورسم وترك لوحات ودفاتر تعجّ بأعمال تشبه الى حدّ كبير اللوحات الثلاث المفترضة لأرتور رامبو، وخصوصاً لوحة بيت مري، أسلوباً وطريقة معالجة و... توقيعاً؟
هل ثمة من يأخذ على عاتقه هذه المسألة، هنا وفي فرنسا بالذات؟

عقل العويط - ملحق النهار


الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://lorca.ahlablog.com/
ابو جهاد
{{}} مراقب {{}}
{{}} مراقب {{}}
avatar

ذكر عدد الرسائل : 1843
العمر : 36
البلد : فلسطين
الوظيفة : بأبحث على وظيفة
تاريخ التسجيل : 11/07/2007

مُساهمةموضوع: رد: ملف آرثور رامبو   الأربعاء سبتمبر 19, 2007 9:53 pm

مشكور اخ كنعان
انا لم اقرأ الملف و لكن لي عودة انشاء الله بعد الافطار
علشان الواحد يكون مصحصح
تحياتي الك
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://palestine.ahlamontada.com
 
ملف آرثور رامبو
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
موقع يوتيوب :: 

¤©§][§©¤][ الاقسام العامة ][¤©§][§©¤

 :: الملتقى الثقافي والادبي
-
انتقل الى: