موقع يوتيوب

يوتيوب - YouTube - مقاطع يوتيوب - موقع يوتيوب - فيديو يوتيوب
 
الرئيسيةالبوابةس .و .جبحـثالتسجيلالأعضاءالمجموعاتدخوليوتيوب

شاطر | 
 

 حقوق الإنسان - كي هارشر- ترجمة: هاشمي محمد

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
kanaan
{{}} مشرف {{}}
{{}} مشرف {{}}
avatar

ذكر عدد الرسائل : 533
البلد : Yiebna
الوظيفة : Critic
تاريخ التسجيل : 12/07/2007

مُساهمةموضوع: حقوق الإنسان - كي هارشر- ترجمة: هاشمي محمد   الثلاثاء سبتمبر 25, 2007 3:52 pm

ما الذي يجعل من حقوق الإنسان مفهوما سياسيا بالأساس؟ قبل ذلك لنحدد أولا مفهوم الحقوق بشكل عام. يملك فرد ما (أو في حالات لن نضعها في اعتبارنا "شخص أخلاقي") حقوقا حينما يعترف له بها بعض "الآخرين"، في إطار تشكيلهم لجماعة معينة، وحينما يكون من الممكن فرض مثل هذا الاعتراف، إذا ما اقتضى الأمر ذلك باللجوء إلى القوة. فليس لنا من حق في شيء داخل العزلة. فالحق دائما وبالضرورة قابل لأن نواجه به شخصا ما، يكون ملزما باحترامه تحت طائلة العقاب. وتتميز الحقوق التي تتسم بمضمون ما وكذلك بمدى معين بقابليتها لأن تواجه بها مجموعة متغيرة من الأفراد أو المؤسسات. فالملمح الرئيس للمفهوم الحديث للحقوق الذاتية هو توفر "ذات الحق"، الشخص الملموس (أو إمكانيا الأخلاقي)، على سلطات على مستوى الفعل وامتيازات معترف بها ومصالح مشروعة محمية.

ويتميز المفهوم الخاص بحقوق الإنسان عن الحقوق التي يتغير مضمونها وقابلية الاحتجاج بها حسب الأزمنة والأمكنة، بحيث من الممكن أن يحرم الفرد من هذه الحقوق تبعا للظروف والأنظمة القانونية الوضعية (كما أنها قابلة لاكتساب مضمون محدود، إذ من الممكن ألا يلزم باحترامها سوى قلة من الناس). غير أنه إذا ما اعتبرت بعض الحقوق الأساسية لتحقيق كل حياة تستحق هذا الاسم، فستكون كما لو أنها "لصيقة" بالإنسان: بحيث لا نستطيع أن نحيا حياة إنسانية كاملة بدونها، بينما تتوقف الحقوق الذاتية الأخرى على الظروف. ومن هنا فإن هذه الأخيرة تأخذ طابعا عرضيا وغير ضروري. فبمقدور الدولة أن تمنحها أو أن تمتنع عن ذلك، باعتبار أنها سابقة عنها، على عكس ما أعلنا أنها حقوق "طبيعية"، ففي هذه الحالة، سيكون لزاما على الدولة ضمانها، لأن هذه الحقوق غير تابعة لها، بل تتعلق جوهريا بالشخص ذاته و"بطبيعته".


لماذا تعتبر حقوق الإنسان مرتبطة أساسا بالفلسفة السياسية؟ ذلك لأن الحق لا يأخذ معناه بالنسبة لصاحبه، إلا في ارتباطه بالاحترام الذي يكون واجبا على البعض أو على جميع –الآخرين- تجاهه. فإذا كانت بعض الحقوق أساسية، فإن ذلك رهين قبل كل شيء بجعلها عمومية، وعند الضرورة جزائية. ولكن من طرف من؟ من طرف ذلك الذي يتوفر على سلطة المعاقبة، أي السلطة السياسية (محكمة المدينة بمعناها الواسع). فمن البين أن من يحتج عليه بحق ما من المحتمل ألا يكون هو في نفس الوقت من يعاقب. ولكن حقوق الإنسان هي حقوق أساسية وتدعى كذلك طبيعية، ومن هنا فإن السلطة السياسية ذاتها، التي تعد "آخر" شديد القوة، واحتماليا مستبدا ما دام أنه يتوفر على امتياز احتكار القوة عكس الأفراد الخاصين، يتوجب عليها وفي الدرجة الأولى احترام هذه الحقوق. وهكذا يتم الحديث حاليا في فرنسا على الحريات العمومية أي الحقوق الأساسية التي يلزم على الحاكمين احترامها. المعاقبة والاحترام: أليس هاهنا خلط خطير؟ إنه الأمر يتعلق بصعوبات أساسية في الفلسفة السياسية. فهل ستصبح الدولة في الآن ذاته قاضيا (المحكمة التي تعاقب) وطرفا في القضية ("المعاقب" المحتمل)، الذي يمكن الاحتجاج بالحق عليه، وباللجوء لذلك عند الحاجة إلى الإكراه؟ هل ستكره الدولة ذاتها؟ وهذا بالضبط ما يبرر أهمية الفصل بين السلط داخل الدولة. فالقضاة يجب أن يكونوا مستقلين، خصوصا أولئك الذين سيتم استدعاؤهم للبت في قضايا حقوق الإنسان. كما يتم الإلحاح على الطابع الحتمي لوجود رأي عام حذر، وقادر في ظروف قصوى على ممارسة حق مقاومة الاضطهاد (أي حق التمرد ضد عدم احترام حقوق الإنسان). إن حقوق الإنسان تتضمن شكلا معينا للدولة، التي يجب عليها في الآن ذاته احترام هذه الحقوق والمعاقبة على خرقها، ولو من طرفها، وباختصار تتضمن فكرة معينة عن النظام الجيد، موضوع الفلسفة السياسية بامتياز.

الوضعية الفلسفية ومضمون حقوق الإنسان:

في اللحظة التي نتوصل فيها إلى فكرة الحقوق الحميمية المرتبطة بإنسانية الإنسان (لا بخصائصه العرضية)، تبقى المسألة الحاسمة هي محاولة تعريفها. وإننا لندرك صعوبة مثل هذا المشروع. فمثاليا، سيتوجب علينا أن نأخذ في اعتبارنا ميتافيزيقا معينة بالطبيعة الإنسانية ونعمل على أن نستخرج منها الحقوق "الطبيعية" المرتبطة بالإنسان: وبهذا المعنى يتم الحديث عن الحقوق الطبيعية للإنسان. بالتأكيد يشكل الحق الطبيعي مفهوما قديما، لكنه كان يأخذ آنذاك دلالة الحق الموضوعي. إذ كان الحق الطبيعي هو النظام القانوني الأكثر انسجاما مع الطبيعة، وكانت هذه الأخيرة تتأسس بذاتها، داخل التقليد المسيحي الأوروبي، على عنصر ما فوق-طبيعي معين، أي على إله خالق وقيوم. إن تقليدا من هذا القبيل ساهم بشكل ما في جعل فكرة الحقوق الذاتية الأساسية ممكنة بترويجه لأفكار المخلوق المفضل (صورة الإله، وبالتالي المقدس، والمحترم بشكل قاطع)، والخلاص الفردي (وبالتالي: إمكانيات الحرية) وتساوي كل الناس أمام الإله، غير أن هذه الحقوق الأساسية الجنينية في العصر الحديث قد تطورت وانقلبت ضد المسيحية السياسية (التي استعملت اليد العلمانية للدولة من أجل أن تفرض نفسها على القوى المعاندة) وذلك باسم حرية الاعتقاد والاستقلالية الفردية: حيث تم توسيع مجالي مساواة البشر وحرية البحث عن الحقيقة (رفض Compelle interare) ليشملا أوضاعا مختلفة وديانات أخرى أو مواقف لا دينية.

إذن فالاستقلالية هي التي تشكل دون شك أهم ملمح لمحاولات تعريف الطبيعة الإنسانية المؤسسة لحقوق الإنسان: أي الحرية في أن يعطي الإنسان لذاته قانونه الخاص (مما يعني وبشكل مفارق الفكرة التي يكون حسبها للإنسان طبيعة "إعطاء ذاته" طبيعته، جوهره –باختصار عدم توفره على هذه الطبيعة مسبقا- أو على الأقل يجب التعامل معه كما لو أنه قادر على ذلك). إن السياسي لا يوجد كي يفرض تصورا معينا للحياة الخيرة، إنما يتمثل دوره على عكس ذلك في أن يجعل البحث الحر عن هذه الأخيرة ممكنا بالنسبة للمواطنين (بل أكثر من ذلك، بالنسبة لكل إنسان يدخل في لحظة أو أخرى تحت نظامه القانوني). وبهذا المعنى الجذري تكون المهمة الأساسية للسلطة السياسية (ليست الوحيدة بالتأكيد) هي أن تجعل حقوق الإنسان محترمة، أي وسائل الاستقلالية، فالشيء الوحيد الذي بإمكانه أن يبرر الإكراه الدولتي يكمن في اقتضاء جعل حرية الآخر محترمة من طرف الجميع. في الحدود القصوى، إذا ما احترم الأفراد بعضهم البعض بكيفية عفوية، فإن هذا سيبرر الفوضوية وبالتالي "سيتلف" الدولة. وهذا ما فكر فيه ماركس كما هو معروف، إذ حينما تجتث الشيوعية الصراعات الأساسية (المرتبطة بالصراع الطبقي وبالندرة)، فإن الحرية الفردية سوف تصير في ظلها محترمة بشكل عفوي دون أن يستدعي فرضها على الآخرين اللجوء إلى الإرغام. بيد أننا إذا ما تموضعنا داخل الشروط المثالية للغاية التاريخية الماركسية، فسنفهم ضرورة وجود الدولة الحكم حتى لا تكون الحرية وقفا على الأكثر قوة: فمن الواجب وجود نظام ما وتوقعية وملاذ للأكثر ضعفا. فدولة قوية أكثر من اللزوم تضع الإنسان تحت رحمة تعسف الطاغية، أما دولة شديدة الضعف فإنها تجعله تحت رحمة تعسف جاره.

إذا كانت حقوق الإنسان تمثل وسائل الاستقلالية، فما هو إذن مضمونها؟ هل بالإمكان "استنباطها" من فكرة الحرية؟ يلزم ها هنا بعض التدقيق. ففي حالة مفهوم مفعم بالتاريخ إلى هذا الحد، ومستعمل مرارا خارج نطاقه الأكاديمي، من الواضح أن واقع النصوص والممارسات هو أكثر تعقيدا من تطبيق فكرة فلسفية (مع افتراض أنها ليست مثار نقاش وهذا ليس صحيحا). هذه الوضعية تستلزم بالضرورة تغير مضمون الإعلانات الكبرى والنصوص الأساسية حول حقوق الإنسان. وتعود هذه الظاهرة على الأقل إلى عنصرين.

فمن جهة، يمكن إعطاء حقوق الإنسان تأويلا مختلفا عن ذلك الذي يقوم على فكرة الاستقلالية، وذلك مثلا بالتفكير فيها انطلاقا من فكرة الشفقة أو الإنسانوية Humanitrisme. إذ في مقدورنا رفض التعذيب والتعامل اللاإنساني والمهين في حق أناس نعتبرهم لما يبلغوا بعد مرحلة "النضج" التي اعتبرها كانط سمة أساسية للأنوار، وبالتالي فإنهم لا يتوفرون على الاستقلالية. ونفس الحجة تصلح لتبرير أنظمة استبدادية "عطوفة"، واحتمالا لتبرير حقوق الحيوانات (المبنية على نقد للنزعة النوعية "Specisme" أي النرجسية المتمركزة على الإنسان) فبإمكاننا أن نرغب في التعامل الجيد مع الحيوانات وأن نرفض "تعذيبها"، دون أن نتمكن مع ذلك من منحها حقوقا (الاستقلالية). وفي هذه الحالة، سوف نفصل حقوق الإنسان عن ممارسة الحرية، وعلى الخصوص السياسية، ولن نحتفظ في أحسن الأحوال من ثالوث لوك (الحياة، الحرية، الملكية) سوى بتأويل على صورة الاستقبال الشخصي، وفي أسوئها على حق في الحياة متوائم مع الحمايات القانونية الدنيا.

ومن جهة أخرى، بالإمكان الاختلاف دائما حول شروط التطبيق الملموس لفكرة الاستقلالية (وهذا ما سيشمل النقاش الأكبر حول الحقوق الاجتماعية، وفيما بعد حول الحقوق الثقافية).

فلنتخذ إذن من مفهوم الاستقلالية خيطا رابطا للتحليل، إن الدولة في هذا الإطار لا يفترض اهتمامها بتصورات الحياة الخيرة. فهي دولة علمانية، على الأقل في حدود كونها تمثل الشعب LAOS، وليس فقط "لجزء" من هذا الأخير "تصور جزئي للحياة". فإذا حدت من حرية البعض، فإنما باسم حرية الآخرين (البند 4 من إعلان 1789: "تكمن الحرية في القدرة على فعل ما لا يضر بالغير"). وانطلاقا من هذا المنظور، يمكن اعتبار الحقوق الكبرى التي يحميها الاتفاق الأوروبي لحقوق الإنسان سنة 1950 (ما يدعى بحقوق الجيل الأول) كشروط للحياة المستقلة، حتى وإن كان من الممكن النظر إلى البعض منها كما رأينا، مثل الحق في عدم التعذيب، "كمجرد" تقدم للإنسانية، ولو كان ذلك داخل نظام سياسي تبعي Heteronome. إن دولة حقوق الإنسان تشكل في الواقع مطلبا أقوى من الدولة العطوفة، بل وحتى "بمجرد" دولة الحق، التي يمكنها أن تبدو قمعية لأقصى حد، رغم احترامها للإجراءات النظامية، فما هي هذه الحقوق؟ إنها الحق في الحياة، وفي عدم التعرض للتعذيب ولمعاملات لا إنسانية ومهينة، وعدم الخضوع للسخرة أو الأعمال الشاقة، (حرية التجول، الحقوق في الأمن والمحاكمة العادلة، حقوق احترام الحياة الخاصة، الزواج والحياة العائلية، حريات الاعتقاد والتعبير والتجمع والتشارك)، والحقوق السياسية، وحق الملكية. ومن الممكن –ولكن دون أن يكون هناك أي ترتيب مسلم به- إرجاع هذه الأصناف الثلاثة من الحقوق حسب لوك: حقوق الشخص الفيزيائي ("حق الحياة" Sensulato)، شروط ممارسة الحرية وحقوق المواطنة (الملكية). ومن المهم كذلك أن نسجل أن هذه الحقوق، رغم أهميتها البالغة مقارنة بالحقوق الذاتية التي هي مجرد حقوق وضعية (وبالتالي سياقية)، ليست كلها ذات طبيعة مطلقة، فالاتفاق يقتضي حدود ممارسة البعض منها، سواء في الفترات العادية أو في الظروف الاستثنائية (التي تأخذ الحقوق خلالها كما هو معروف طابعا مؤقتا). ودون الدخول في تفاصيل هذه التحديدات، لنسجل بأن هذا الحق أو ذاك من حقوق الإنسان، يلزم بالضرورة أن يحد بنفس الحق الذي يستفيد منه الغير، وكذلك بحقوق أخرى: فحرية التعبير تنحصر على الخصوص بحق الحياة الخاصة، وبافتراض البراءة الذي يعد عنصرا أساسيا من عناصر الحق في محاكمة عادلة. كما أن الحقوق في حالات الحرب أو حينما يكون الوطن في خطر، يمكنها أن تجدد بشكل أكثر جذرية (البند – 15): إلا في بعض الحالات: لا يمكننا أبدا ومهما كان السبب، أن يكون لنا الحق في ممارسة التعذيب أو الاستعباد أو إيقاع جزاء عقابي قائم على استبداد رجعي (اللهم في الحالة الخاصة ذات الحساسية الكبرى والمتعلقة بمحاكمة نورمبرغ Nuremberg).

هكذا فإن حقوق الإنسان تفترض اجتهادات قضائية، تكون قادرة على تحقيقها بالملموس، وبعبارة أخرى إنها تفترض إدماجها داخل تقليد يضفي عليها طابعا سياقيا دون أن يتنكب هذا الإدماج مع ذلك عن وجهة المبادئ. وهذا ما افتتحته الولايات المتحدة منذ قرنين بفضل المحكمة العليا، كما عرفت أوربا نظام الجمعية الأوربية الذي تزداد كفاءته بشكل مستمر: وهذه الأخيرة، وعن طريق إجراء المرجعية الفردية، ينجم عنها إخضاع سيادة الدول، فيما يتعلق بشؤون الإنسان إلى قضاة فوق-وطنيين Supranationale ومستقلين. كما يجب أن نسجل كذلك أن الأنظمة السياسية لدول أوربا الغربية، أصبحت تتوجه أكثر فأكثر إلى إخضاع القانون الديمقراطي، الذي ينظر إليه كتعبير عن الإرادة العامة، إلى المراقبة الدستورية.

"أجيال" حقوق الإنسان:

إلى حدود هذه اللحظة، فقد تعلق الأمر فقط بما يدعى بـ"الجيل الأول" من حقوق الإنسان، إلا أنه في القرن 19، استدعت اللامساواة التي أفرزها المجتمع الصناعي الرأسمالي مطالب تخص الجيل الثاني من الحقوق: أي الحقوق الاجتماعية، حيث كان الهدف منها هو السماح للفئات المحرومة بالتمتع بحقوق الجيل الأول، والتي بدونها، سوف تشكل بالنسبة لهذه الفئات صورة فارغة من أي مضمون ("الحريات الصورية" حسب الماركسيين). ويتعلق الأمر بالحريات الاجتماعية، أي أداءات مادية تنجز من طرف الجماعة لكي تعادل الحظوظ بكيفية ملموسة: الحق في الأمن الاجتماعي وفي التعليم المجاني…الخ. وإن ما يميز هذه الحقوق عن معظم حقوق الجيل الأول، يكمن في استدعائها لآداءات مادية من طرف الجماعة، وهذا ما ينتج عنه بشكل شبه مكانيكي، تضخيم امتيازات الدولة، في لحظة تحولها من وضعية الدولة-الدركي إلى وضعية دولة العناية L’Etat-Providence. إن "حقوق الحصول على شيء ما" Freedoms to تختلف صميميا عن "حقوق فعل شيء ما دون تصادم" Freedoms from. إذ أن هذه الأخيرة تفترض حدا أدنى من الدولة التي تتمركز فوق الحشود المتلاحمة، بينما تستدعي الأولى دولة بروقراطية بإمكانها أن تتدخل في اللعبة الاجتماعية من أجل العثور على موارد ومن أجل توزيعها، والكل يعرف كم غذت التوترات القائمة بين حقوق الحريات وحقوق (الاعتماد) النقاش السياسي.

يدافع اليسار في العادة عن الحقوق الاجتماعية مستنكرا "ليبيرالية" تختزل أوصياء الحقوق في جماعة ذات امتيازات، فيما يندد اليمين بدولة مجسية محتملة ستمتص بالتدريج الحريات الأساسية باسم حقوق الاعتماد. إذ لن تمثل الحقوق الاجتماعية سوى وسائل مادية: وهكذا فإن الجيل الثاني من حقوق الإنسان يشكل شروطا للحريات العمومية (الجيل الأول)، والتي تعد بذاتها شروطا للاستقلالية. فليس بإمكاننا إذن أن نتجنب طرح السؤال الفلسفي المتعلق بالتوترات القائمة بين هذين الجيلين من الحقوق.

وتظهر صعوبات من ضرب آخر، فيما يتعلق بما ندعوه بالجيل الثالث لحقوق الإنسان. وسنكتفي منها في هذا المقام بحقوق الجماعات أو الثقافات. ولا بأس أن نذكر بأنه كان يقصد بحقوق الإنسان في القرن XVIII حماية الشخص الإنساني المستقل عن سلطة كل الجماعات. إلا أن هذا لا يعني إنكار فكرة إمكان توفر الشخصيات الأخلاقية على حقوق معينة، وإنما يفيد ذلك فقط جعل هذه الأخيرة مشروطة بشكل قاطع بالشخص الفيزيائي (الفرد) –فمن المؤكد أن اكتساب حقوق الإنسان حدث بفضل حركات جماعية، ثورية في بعض الأحيان، ومن هنا فهي تتضمن فكرة التكافل على مستوى الإنسانية عينها- إلا أن هذا التكافل العالمي على الخصوص، يستوجب ضرورة أن يأخذ الأسبقية عن الولاءات المحلية والخاصة، ولكن دون إلغائها.

ففكرة حقوق الإنسان تفترض نوعا من الطعن في مبدإ السيادة، أي في السلطة العليا لجماعة فعلية، مهما كانت، حتى لو كانت تجسد إرادة الأغلبية داخل الدولة-الوطن. وهذا السبب بالذات هو ما يجعل "عودة" الجماعي داخل المجموعة النظرية لحقوق الإنسان تطرح إشكالا. كيف أنجزت هذه العودة؟ لقد تمت أساسا من خلال مسألة الأقليات، وكذلك من خلال التوجهات المضادة للتمركز-الإثني، أي في الحالتين معا على صورة ثقافات مهيمن عليها. إذ أن هذه الثقافات وجدت نفسها ملغية بشكل شامل من طرف سلطة عدوانية. ولنتذكر فيما يخص الأقليات وضعية سنة 1958: حيث أعيد رسم الحدود الأوروبية بشكل جذري، مما ترتب عنه وضع ساكنات معينة داخل وضعية الأقليات المسيطر عليها.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://lorca.ahlablog.com/
kanaan
{{}} مشرف {{}}
{{}} مشرف {{}}
avatar

ذكر عدد الرسائل : 533
البلد : Yiebna
الوظيفة : Critic
تاريخ التسجيل : 12/07/2007

مُساهمةموضوع: رد: حقوق الإنسان - كي هارشر- ترجمة: هاشمي محمد   الثلاثاء سبتمبر 25, 2007 3:53 pm



ولم تكن كافية حجة إعطائهم حمايات "فردانية" مرتبطة بالجيل الأول أو حتى الثاني. فالناس لا تغير بين عشية وضحاها اللغة والدين (هذا مع افتراض أن لهم الرغبة في ذلك): ومن هنا فقد أوجب ذلك التصرف على المستوى الجماعي، أي حماية العبادات واللغات وأنماط الحياة على مستوى المجتمعات، وليس فقط حرية الاعتقاد أو غيرها على المستوى الفردي. ولنسجل أن حماية من هذا القبيل لا تقوم بتاتا على التعصب الإثني: إذ لا يتعلق الأمر بتمتين ثقافات مغلقة وإنما بتحقيق حمايات أكبر للفرد، المهدد بالاضطهاد إذا ما أصبحت ثقافته أو تراثه في وضعية الأقلية على المستوى السياسي، دون أن تتوفر على حماية معينة (على الأقل مؤقتا). وكما بالنسبة للحقوق الاجتماعية، فإن الفكرة الأصلية تكمن في جعل ضمان حقوق الفرد أكثر نجاعة. إلا أنه في هذه الحالة كذلك سرعان ما تبرز توترات (قد تكون أكثر حدة في هذا الموضع): إذ هل بالإمكان إدخال ذئب النزعة الحلولية Holisme ذات الطابع الجماعي والخصوصي داخل حظيرة الفردية الإنسانية الكونية؟ ألا نعرض أنفسنا لخطر "تصلب" وانغلاق الثقافة المحمية؟ إنها مجازفة بالتأكيد. لكنها ليست حتمية، إذا ما أخذنا في اعتبارنا أن دور بعض هذه الحمايات الجماعية ينحصر في تجنب تحول الحقوق الفردية إلى مجرد حقوق صورية. ولنضف إلى هذا أن الثقافة ترتبط ارتباطا جوهريا بمسألة الحياة الخيرة ("غايات" الفعل) أكثر مما ترتبط بالأداءات الاجتماعية (التي لا تشكل سوى "وسائل"). وهذا ما يجعل النقاش أكثر حساسية.

وتبدو الوضعية أكثر تعقيدا، في حالة صراع الثقافة المهيمن عليها ضد التمركز الإثني الغربي، بدءا لأن هذه الثقافات هي في الغالب متمركزة إثنيا بشكل عفوي إن شئنا القول. ولأنها ذات طبيعة قبل-حداثية، فهي في أغلب الأحيان لم تأخذ وقتها الكافي لتنمية شروط الاستقلالية وحقوق الإنسان. ولهذا فالقبول بمطالبها بشكل شمولي (والتي هي في الغالب مطالب حكامها الأكثر صلابة) والقبول اللامشروط "بحق الاختلاف" الشهير، يعدان بمثابة حجز للأفراد داخل ثقافات جزئية ونكوص إزاء المواطنة العالمية التي تمثل فكرة منظمة لحقوق الإنسان.

هذا المشكل لا يمثل ربما إلا عنصرا من الحركة المعاصرة الواسعة التي تبتذل حقوق الإنسان، حيث تضاف إلى حقوق الإنسان طبقة جديدة تلو أخرى دون التفكير دائما في انسجام نظام الحماية أو مقاربة التصورات الجديدة بكيفية نقدية (بالمعنى الكانطي للكلمة). فعوض التفكير في الحقوق الاجتماعية وعلى الخصوص الحقوق الثقافية، يتم إدماجها بكيفية دغمائية وترك مفعولاتها تتمادى أبعد من ميدانها الشرعي، وهذا ما أدى غالبا إلى ازدراء حقوق الفرد. ولنتذكر حق الشعوب الشهير في تقرير مصيرها. إن هذا التصور تولد على الخصوص عن رفض الوضعية الاستعمارية. فهل هناك ما هو أكثر شرعية في لغة حقوق الإنسان من أن يرفض شعب ما أن يكون مسيطرا عليه ومستغلا من طرف شعب آخر أقوى وأكثر حداثة؟ ولكن في نفس الوقت هل هناك شيء أيقن من الارتياب في أن الشعب حين انعتاقه لن يجد نفسه في شروط موائمة للحماية الفعالة لحقوق الإنسان؟ فما الجدوى من تعويض سيطرة أجنبية بطغيان محلي؟ وما الذي يعنيه تحويل حق الشعوب في تقرير مصيرها إلى حق طغاة محليين في التحكم في شعوبهم؟

يتعلق الأمر إذن بمشكل نقدي، حيث يتم الأمر كما لو أن منظومة حقوق الإنسان تجد نفسها في مواجهة ضربين من الهجومات. أولا معركة مباشرة: حيث يتواجه النظام القديم، أو الفاشية، أو مكر العقل الستاليني، مع أولية حقوق الإنسان (ولنفكر في مواجهة إيران لرشدي). ثم الصراع الداخلي (L’entrisme): ما دامت خطابات حقوق الإنسان أصبحت تأخذ مثل هذا الموقع من الهيمنة، بحيث صارت تشكل بكيفية ما المقدمة المنطقية التي لا تحد، والحجة الكبرى TOPOS لكل قول عمومي قابل للاحترام، وبالتالي قابل لأن "يسمع". إن الأمر يتعلق باستعمال تحريفي، وذلك من خلال تسريب موضوعات معادية إلى لغة حقوق الإنسان ذاتها. وهكذا فإن الرجعيين الأمريكيين لم يطالبوا (أو لم يعودوا يطالبون) باستبدال دروس البيولوجيا "الدارونية" ببيولوجيا "توراتية": ولكنهم بحداقة كبيرة اقترحوا إجراء "الاختيار": فما دامت توجد تصورات متضاربة وقابلة للنقاش فيما يخص دراسة الحياة، فهل هناك ما هو أكثر ليبرالية –وأكثر انسجاما مع الاستقلالية وحقوق الإنسان- من السماح بحرية الاختيار بالنسبة للمعنيين؟ ألا يوجد التسامح في صف أنصار نظرية الخلق، فيما تسود الدوغمائية في أوساط رجالات العلم الذين يرغبون في أن تدرس بيولوجيا واحدة، وواحدة فقط. إنه تحريف اللغة وقد بلغ غايته القصوى: فالمدافع عن نظرية الخلق، الذي يخدم تصورا أصوليا للدين، وباختصار دينا سياسيا، يتبدى كمدافع عن حقوق الإنسان. وفي المقابل، هناك ذلك الذي يميز بكيفية نقدية ضرورية بين المعتقدات القابلة للنقاش من جهة (ولا ننسى أنها معتقدات محمية باسم حرية الاعتقاد) والموقف العلمي من جهة أخرى، موقف من السهل بلوغه بكيفية متعالية عن الثقافة، بالنسبة لكل مخاطب يملك حسن النية والرغبة في اكتساب الكفاءات، فإنه يبدو مثالا للتعصب. وقد لوحظ أن نفس الضرب من التقلب يحصل في فرنسا فيما يخص قضية الحجاب، الذي هو في نفس الوقت رمز مطلبي لحرية التعبير، وإحدى أشكال الاضطهاد الديني، أو فيما يتعلق بالنزعة التعديلية ذات الطابع السلبي التي يطالب "منظروها" بنقاش متناقض باسم حرية الاختيار. إن حقوقا للإنسان بدون احتراس نظري سرعان ما ستنقلب إلى ضدها و"تكتسي طابعا جدليا" Dialectisés حسب عبارة أدورنو وهركهايمر. فلا يمكن تجنب ابتذالها إلا باللجوء إلى نقد فلسفي صارم للمفاهيم المتضمنة فيها.

إن الحجة المضادة للتمركز الإثني التي أشرنا إليها سابقا تؤثر على الروابط الجوهرية القائمة بين التاريخ الأوروبي وأفكار حقوق الإنسان، وتصاغ هذه الحجة بطرائق متعددة. إلا أن ما نريد قوله على الخصوص هو أن التاريخ الأوروبي يشكل "كلا" (مقاربة ذات نزعة عضوية حلولية Holistique للثقافة)، وأن هناك رابطا ضروريا بين الإيجابي والسلبي، بين حقوق الإنسان من جهة، والرأسمالية، و"التبادل غير المتكافئ"، والنزعة الاستعمارية "الجديدة" من جهة أخرى. وبشكل أكثر جوهرية، تقوم حقوق الإنسان على إيديولوجية فردانية تملكية، تقتل التكافلات وتضفي على المجتمع طابعا ذريا. ولقد تم التوسع في هاتين الحجتين الأخيرتين من طرف ماركس، ولكن ليس على نفس المستوى: إذ أن الحجة الأولى ستجعل احترام حقوق الإنسان متعلقا بنظام اقتصادي واجتماعي: بحيث تشكل الحقوق امتيازا لأقلية معينة (الطبقات المسيطرة أو البلدان المتطورة)، ومن هنا فإن بعدها الكوني لا يشكل سوى إيديولوجيا للواجهة لا تنسجم مع الطابع التفاوتي الضروري للرأسمالية. أما الحجة الثانية فتذهب فلسفيا أبعد من ذلك: إذ في هذه الحالة، تتعلق حقوق الإنسان بتصور أناني للإنسان، لا يتواءم مع الثقافات الحلولية (Holistique) وحس المقدس. وهذه هي موضوعة خيبة أمل العالم والسيطرة التدريجية للعقلانية الأداتية من خلال الرغبات الأنانية التي ينظر إليها في الغالب على أنها تجعل كل إنسان يستلب بالتدريج أمام "النظام" أو العالم "ذي البعد الواحد" "للمجتمع المقنن".

إن هذه الموضوعة ذات أهمية، وذلك لأنها تؤدي إلى تقسيم التوجهات الكبرى للحداثة الغربية التي تأخذ طريقها نحو العولمة. ولقد حاول هابرماس أن يظهر أن هيمنة العقلانية الأداتية لا تمثل إلا إحدى توجهات التحديث، إذ هناك حركة أخرى تتعلق بتنمية عقلانية تواصلية، وذلك بالعمل على توسيع النقاش ومفترضاته التداولية-الكونية: أو تساوي الأفراد، المطالبة بالصلاحية المتعلقة بسداد الأحكام، والشفافية، والدقة المعيارية للملفوظات، وتبدو هذه الحركة كتوجه يضعف الثقافات المغلقة، ولكن بمعنى مغاير تماما عن العقلانية الأداتية: إذ أن التواصل يقتضي العمل على خدمة وتوسيع حقوق الإنسان، بينما بمقدور "النظام" أن يمثل تهديدا لها (على الرغم من أنه يوفر كذلك أساسا ماديا ضروريا –نوعا من السيطرة على الطبيعة- لإشباع الحاجيات الأساسية). وهكذا يقوم هابرماس بوضع حل أصيل لمسألة علاقة حقوق الإنسان والثقافة، وسوف نفهمه بشكل أفضل عندما نقابل بينه وبين التأويل المقترح من طرف الفيلسوف الأمريكي جون راولس لحقوق الإنسان.

حقوق الإنسان والليبرالية:

إن تصورات الحياة الخيرة قابلة للنقاش، أو على الأقل تبقى إمكانية ذلك دائما مفتوحة، إمكانية لا يمكن إقصاؤها بشكل قسري: وهذا هو المبدأ الليبرالي للاستقلالية، والذي على أساسه يجب أن يقوم الخير على توافق حر. وينشئ راولس انطلاقا من مقدمات من هذا القبيل مفهوم "حجاب الجهل"، الذي لن أتناول منه إلى ما يخص الجيل الأول من حقوق الإنسان. يرى راولس أنه ليس بالإمكان مناقشة العدالة بين كائنين يتمتعان بالاستقلالية إلا إذا كانا على جهل متعمد بتصورات الحياة الخيرة موضوع النقاش، وباختصار على جهل بكل ما يباين بين الناس. وهكذا سيكون تأويج شروط تأسيس حقوق الإنسان على وضعية بدئية يرغب في ظلها كل فرد في تأويج شروط ممارسته للحرية، ولكن دون أن يكون عارفا بتصوره الخاص للخير أو بالقوة الاجتماعية التي يمثلها (وهو بالتالي على علم بخطورة شغل مكان المضطهد المحتمل)، مما سيقوده إلى أن يضمن للكل شروطا من هذا القبيل، أقصد الجيل الأول من حقوق الإنسان. وما إن يرفع حجاب الجهل حتى يكون بمقدور الكل على قدم المساواة ممارسة استقلاليته، مهما كانت وضعيته داخل المجتمع.

ينبغي أن نسجل أن هذه النظرية تفترض استحالة الحصول على توافق حول المجتمع العادل بانطلاقنا من التصورات المختلفة للخير، التي حكم عليها بشكل "نهائي" أنها متنافرة –إن الأمر يتم كما لو أن راولس يعتبر هذه التصورات مناطق مغلقة إزاء بعضها البعض، ربما قابلة للتواصل داخل المجتمع المدني، ولكنها في كل الأحوال متنافرة مع فكرة الوفاق المؤسس للعدالة السياسية. ولقد أثارت الانتقادات "القومية" Communautariens هذه الفرضية بالضبط، بحيث عابت على راولس رفضه الليبرالي الكلاسيكي للثقافات، التي ينظر إليها كأحكام مسبقة أو "خرافات" يجب حمايتها بالتأكيد، ولكن في نهاية النقاش التأسيسي، أي حينما يتم تأسيس العدالة بمعزل عن كل تصور للخير. أما في بداية هذا النقاش، فإن الثقافة الجزئية لا تلعب نظريا أي دور: الاستقلالية فقط هي التي سيتم افتراضها، أي فكرة روسو التي حسبها ما من أحد يملك في حالة الطبيعة (التي تعد الوضعية البدئية إعادة صياغة لها) سلطة طبيعية على الغير. ويرد "القوميون" (على الأقل الأكثر تقدمية منهم) باستحالة التزام مواطن دون وضعه على قاعدة ثقافية ليبرالية، ثقافة حقوق الإنسان، والانفتاح والتسامح، وأن وضع كل ما يشكل الهوية والتاريخ الخاصين بالمتحاورين تحت حجاب الجهل يتضاد مع الالتزام.

ولا يجد الرولسيون صعوبة في الرد بأن نزعة خصوصية الثقافة تشكل خطرا حقيقيا على حقوق الإنسان، ما دامت تنسف مباشرة المواطنة العالمية الكونية. وهذا ما سيؤدي إلى سجال غير فلسفي بالمرة: فإما الثقافات دون حقوق الإنسان، أو حقوق الإنسان بدون ثقافة. وتدخل هابرماس يتم في هذه النقطة من عملية إعادة البناء المقترحة ها هنا. إذ هل من الضروري فعلا إقامة تعارض جذري بين خصوصية "عوالم الحياة" وكونية حقوق الإنسان؟ يجيب هابرماس بالسلب، شريطة أن تأخذ بعين الاعتبار واقعة توفر هذه العوالم في دواخلها ذاتها (وليس مملاة من طرف "تمركز إثني" خارجي من الغرب) على إمكانية للكونية، ترتبط بالشروط التداولية لكل فعل كلام وتواصل. فمن جهة، كل مجتمع يفترض حدا أدنى من العقلانية الأداتية من أجل تنمية (قدر المستطاع) ما يدعوه ماركس بـ"القوى المنتجة": وهذه العقلانية تستطيع أن تدخل في صراع مع الطابع الدغمائي للثقافة المهيمنة وأن تفكك بالتدريج الخصوصيات، بيد أننا نعرف أن خيبة أمل العالم يمكنها أن تنتهي إلى نتائج متضادة مع حقوق الإنسان.

ومن جهة أخرى، كل ثقافة مهما كانت منغلقة وذات طابع تراتبي، فمن الضروري أن يصل التفاهم المتبادل فيها حدا أدنى. والحال أن هذا الأخير ينجز من خلال أفعال الكلام والتواصل التي تفترض تداوليا مجموعة من العناصر (على الخصوص التساوي بين الشركاء وبين الطموحات إلى صلاحية الملفوظات) التي تفتح إمكانيا العالم المغلق على الكونية. وبعبارة أخرى، سيؤسس هابرماس حقوق الإنسان بشكل مختلف عن راولس، وذلك على المنحى التالي: فعوض النظر إلى أشكال الحياة، وإلى تصورات "الحياة الخيرة" و"عوالم الحياة"، باعتبارها قابلة للنقاش بشكل دائم (بمعنى: "انغلاقها على ذاتها")، يجب أن نضع في اعتبارنا أن النقاش يفرض مقضيات للاندماج، وبالتالي لإضفاء طابع الكونية، ومن المؤكد أن قوة الحجة الأفضل لا تتماهى في إطار الحجاج العملي إلا نادرا مع المقتضى المنطقي الاستدلالي. إذ تبقى بعد النقاش تعددية صامدة، غير أن هذه الأخيرة تختلف جوهريا عن تعددية التعايش السابقة عن النقاش. إن الاعتراف بإمكانية وجود اختلافات معقولة فيما يخص أخذ قرار ما يتصف على الدوام بعدم الشفافية والمجازفة وبالتقديرات الإشكالية، يختلف عن ترسيخ وضعيات و"هويات" نستخلصها من اختبار أفضل حجة قبل النقاش، حيث لا يجب علينا في هذه الحالة أن نضع تصورات الخير تحت حجاب الجهل من أجل بلوغ وضعية ذات طابع كوني، تعد أساسا ضروريا لمبدأي العدالة، وفيما يخصنا في هذا المقام (المبدأ الأول)، للجيل الأول من حقوق الإنسان. وعلى العكس من ذلك، إن إخضاع التصورات المختلفة للمقتضيات التداولية للتواصل سوف لن يجعل هذه التوراث معطلة، بل سيقوم بتغييرها بكيفية ما، وذلك بإدماجها في الفضاء العمومي للحجاج المنظم، وهذا ما سيترتب عنه أن حقوق الإنسان لا تستلزم التأسيس –كما تريد الليبرالية الراولسية- انطلاقا من عملية إلغاء لكل تجذر ثقافي ولكل "هيرمينوطيقا"، وإنما سيتم تأسيسها على الطابع الملموس لعوالم الحياة، باعتبار أنها كانت دائما وبشكل مسبق مخترقة وموهنة من خلال مبدإ النقاش، وبالتالي فإن هذه العوالم لم تكن أبدا منغلقة بشكل كلي على ذاتها. سيتم استبدال الضرورة الخارجية، على الشاكلة الكانطية (الأمر المقولاتي يظهر رغما عن المصالح وعن تصورات الخير، أو بلغة راولسية، الحق Right له الأولوية على الخير Goo) بضرورة داخلية ذات طابع هيجيلي، تشكل تركيبا للوضعيات الليبرالية و"القومية". فخطأ الأولى يكمن في افتقارها إلى تجذر ثقافي ما، وفي طابعها التجريدي، أما الثانية فيكمن خطؤها في نزعتها الجزئية، أي "في عدم كونيتها" وفي حسيتها. إن التداولية الكونية لهابرماس تسعى إلى إقامة ارتباط جديد مع فكرة معينة للتركيب الهيجيلي، أي عدم الخوف من الحق Right والاستسلام للشيء ذاته باسم دينامية "إمكان" ما للكونية الماثلة في هذا الشيء. وحينها فإن الحق Right سوف لن يتموضع في مستوى التأسيس السيميائي "الحديث" عن العدالة (كما لو أننا لا نعرف شيئا عن تصوراتنا للخير)، وإنما في مستوى الفرضيات المسبقة التداولية، المنخرطة دائما بشكل مسبق في خضم عالم الحياة الأكثر انغلاقا، من خلال أي فعل كلام.

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://lorca.ahlablog.com/
kanaan
{{}} مشرف {{}}
{{}} مشرف {{}}
avatar

ذكر عدد الرسائل : 533
البلد : Yiebna
الوظيفة : Critic
تاريخ التسجيل : 12/07/2007

مُساهمةموضوع: رد: حقوق الإنسان - كي هارشر- ترجمة: هاشمي محمد   الثلاثاء سبتمبر 25, 2007 3:54 pm



لقد ترسخ في الفهم منذ كانط استحالة تأسيس حقوق الإنسان انطلاقا من عالم الحياة، ومن تصور للخير أو للدين أو الثقافة، وهذا ما يرتد في الواقع إلى الاختلاف مع فكرة الاستقلالية، وإلى إضفاء طابع تبعي على الإنسان، وإلى التفكير في الإنسانية انطلاقا من فكرة الخير وتحت مراقبتها، وباختصار انطلاقا من ميتافيزيقا جوهرانية، سنقول عندها أن حقوق الإنسان استلزمت لكي تظهر في الأفق الفكري لتاريخنا قطيعة معينة مع الميتافيزيقا (مع الأولية "المعرفية" للخير عن الحق Juste). إلا أن وضعية ما بعد الميتافيزيقيا لا تؤدي ضرورة إلى ريبة ذات نزعة تفكيكية: وإنما تؤدي بالأحرى –إذا ما وضعنا الفرضيات التداولية الكونية محط نقاش- إلى كونية مطهرة من الخصوصيات الثقافية ومنبثقة منها. إن فلسفة حقوق الإنسان القائمة بشكل كبير على التصور الكانطي للاستقلالية، تجد نفسها في نهاية المسار وقد أعيد بناؤها –بشكل مفارق- على نحو هيجيلي.

هكذا نستطيع وضع سؤال "حقوق الإنسان والثقافة(ات)". ففي البداية كان الاعتراض يصاغ على النحو التالي: فإما أن حقوق الإنسان تتموضع بعيدا عن التجذرات الجزئية، فيلغي تجريدها كل فعالية وكل قيمة إنسانية، وكل خاصية معيشة. وهذه في العمق، مع بعض التعديل، هي حجة هرمان كوهن الذي عاد إلى الطابع الملموس للديانة اليهودية، ضد تجريدية الدين الكانطي "في حدود العقل وحده". وإما يجب تجذيرها داخل ثقافة جزئية، وبالتالي فلن تتجاوز قيمتها أفق هذه الأخيرة (مثلا، حجة أولئك الذين يدافعون على الاستئصال والتطهير باسم شفرة ثقافية "مغايرة"). والحل المقترح سيكون كما يلي: إن "ثقافة" حقوق الإنسان تنبثق من عوالم الحياة كشيء مختلف، أي ما دعاه سارتر في مرحلته الهيجيلية بالكوني الملموس. وبالطبع إن هذا الانبثاق ليس ميكانيكيا أو مقدرا بشكل مسبق: إذ لا يتعلق الأمر بالسقوط مرة أخرى في النقاش القديم داخل الأوساط الماركسية بين الحتمية المطمئنة والإرادية "الميكيافيلية"، بل إن الأمر يتعلق بجبهة قوة، وبنزوع شاق للتحديث يمكن الارتكاز عليه دون المبالغة في التوهم حول حظوظ الإنجاز: وهابرماس باعتباره وريثا جامحا لمدرسة فرانكفورت، يعرف أكثر من أي كان مخاطر العقلانية الأداتية المهيمنة، وباختصار مخاطر "النظام"، فهناك رهانات متعددة للتحديث، بحيث تشكل ظاهرة معقدة، كما انتبه إلى ذلك جيدا آلان رونوفي في سياق مغاير (L’ère de l'individu)، حيث يحاول هو الآخر إقصاء رؤية خطية للحداثة.

حقوق الإنسان والديمقراطية:

هناك سؤال حاسم يتعلق بالعلاقات الإشكالية بين حقوق الإنسان والديمقراطية. فقد رأينا أعلاه أن النزعة الأساسية لتطور مجتمعاتنا تكمن في الأولوية التي أعطيت بوضوح لحقوق الإنسان عن الديمقراطية، وبالفعل فإن المراقبة الدستورية حينما تسهر على الأقل على حقوق الإنسان (وإعلان 1789 يعد في فرنسا جزءا مما يدعوه المجلس الدستوري "بالكتلة الدستورية")، فإن ذلك قد يفيد إلغاء ترتيبات صوت عليها من طرف أغلبية منتجة بشكل منتظم. هكذا نستطيع النظر إلى فعل قضاة حقوق الإنسان كتحديد قسري للفضاء السياسي الديمقراطي، أي لقرارات الأغلبية. وهذا التحديد يجب بالتأكيد أن يعتبر كتقدم هائل: إذ أن الأغلبيات بإمكانها أن تضل، ولذلك فاقتضاء مجموعة من الحواجز يبدو بينا بذاته، ورغم ذلك، فإن حجة ضعف الإرادة ذات الأغلبية أخذت في أغلب الأحيان، في تاريخ الأفكار السياسية، أوصافا أرستقراطية، أي وجوب تحديد "الأفضل"، فضاء الحرية، باسم مبادئ عليا (العقل، الدين، الحزب الخ). وهكذا إن ما يتغير في إطار المراقبة الدستورية، ليس على الخصوص "طبيعة" التحديد: فالقضاة يمكنهم أن يظهروا للبعض أنهم يشكلون "أرستقراطية" جديدة، بل ما تغير بالأحرى هو الوضعية الفلسفية ومضمونها. إذ يتعلق الأمر والحالة هذه، ليس بحرمان الأغلبية من جزء من حقوقها باسم مبدإ جوهراني منافس (كما هو الحال في نماذج "الدستور المشترك" بداية من أرسطو إلى الآباء المؤسسين للولايات المتحدة الأمريكية)، وإنما بقياسها حسب شروط مبدإ صوري… متعال للاستقلالية. وبهذا المعنى "فالإصلاح" الذي يفرضه قاضي حقوق الإنسان مهما كان المستوى الذي يتموقع فيه، يكمن في أن يفرض على إرادة ذات أغلبية أمبريقية مبنية على نقاش ديموقراطي، معرض لكل النقائص الاعتيادية، مبدأ الاستقلالية الذي كانت دائما تفترضه، رغم أنها قد تجازف في الواقع بخرقه. نستطيع القول في حالة كهذه بأن أغلبية ما –وهذا بالتأكيد يمكن دائما حدوثه- حين تأخذ قرارا مخالفا لحقوق الإنسان، فإنها ستكون سجينة تناقض كفائي "Contradiction performative"، أي لعدم الانسجام بين المضمون السميائي للقرار الذي أخذته، والشروط التداولية للنقاش الذي تدخل فيه. وللتعليل "الهابرماسي" لمراقبة الدستورية إغراؤه بالتأكيد، وذلك لكونه يقيك تصالحا بين حقوق الإنسان والديمقراطية باسم إتيقا النقاش. (Habermas, Factitat und Geltung, 1993). لكن يظل هناك مشكل أساسي: إذ أن النقاش الديمقراطي وقرار الأغلبية يتم في مستوى السياسة، أي مثاليا في مستوى نشاط المواطن والشيء العام (التزام الكل لصالح "شيء" الجميع)، بينما يتم احترام حقوق الإنسان في مستوى نشاط قاض أو قضاة. ولكن إذا فسدت الحياة الديمقراطية، ألن يجد القضاة أنفسهم وقد أوكل إليهم دور أرستقراطي بامتياز، والمتمثل في أخذ قرار يتعلق بالمشاكل الأساسية، بحيث لن يتركوا لسلطة الأغلبية سوى ما يفتقد للجدية وما لا يرتبط بالرهانات الحقيقية للمجتمع؟ وهذا التوجه قد لوحظ في الأوساط الأكاديمية الأمريكية، كما أنه يثير ردود فعل عنيفة ضد مبدإ المحكمة العليا. إننا نجد أنفسنا الآن أمام نقطة صميمية في تأمل وضعية حقوق الإنسان. إذ نستطيع في لحظة أولى أن نفهمها من خلال منظور ليبرالي: فهي بهذا المعنى تساعد في حماية الحياة والحريات الخاصة للفرد. ومن هنا فمسألة النظام السياسي الأقدر على بلوغ هذه النتيجة يبدو ثانويا. وقد وجد في تاريخ القرنين الماضيين كثير من العقول النابهة التي حاولت أن تفصل بين حقوق الإنسان والديمقراطية، في نطاق خوفهم من أن الأغلبيات الجاهلة والمغرر بها تشكل ضمانا هشا للحريات الفردية. فإما أنها ستختار استبدادا متنورا أو ستضع كل آمالها في المؤسسات القضائية التي تؤثر في سلطة الهيئات السياسية- إن موقفا من هذا القبيل يبدو منسجما بشكل تام: إذ يتعلق الأمر بحماية الإنسان الخاص (وليس السياسي) وحقوقه، بحيث تصبح مسألة المواطنة ثانوية وتختزل إلى مستوى الوسيلة المحتملة لإنجاز حقوق يلزم حمايتها. ولقد ألحت "حنة أرنت" كثيرا على هذا التصور، والذي لا يعد حسب رأيها بدعة في التاريخ الغربي: إذ أنه يرتبط بكل محاولات الحد من عسف السلطة باسم الحرية الخاصة. هكذا فإن التفكير في حقوق الإنسان سيصبح مستقلا عن مسألة السياسة بمعناها الدقيق.

إلا أننا إذ فهمنا حقوق الإنسان بمعنى ثان، أي انطلاقا من مبدإ الاستقلالية الأكثر تشددا (التشريع الخاص للقانون) فإن المنظور سوف يتغير تماما. إذ أن حقوق المواطن والحريات السياسية، في هذه الحالة، هي التي سيصبح لها شأن بارز: حيث أن الكرامة الإنسانية لا تختزل إلى فردانية، وإنما إلى مسؤولية، هي بالتأكيد خاصة في أحد جوانبها (مسألة معرفة كيف أتوجه داخل الحقل الأخلاقي باستقلالية جذرية، حيث أن سلطة الإلزام لا تعود إلا إلى ذاتي، بصفتي مشرعا وذاتا كما عبر كانط)، ولكنها عمومية كذلك من جهة ارتباطها بالحياة المشتركة، بالوجود-معا، وباختصار بالسياسة. وفي هذه الحالة فإن حقوق الإنسان لا يمكنها أن تجد نفسها منعزلة عن الممارسة الديمقراطية التي تمثل بالنسبة إليها تعبيرا لا يحد (وهذا شيء أساسي كما نعرف بالنسبة لأرنت التي تثمن، ربما من جانب واحد، حرية القدامى): يجب أن تتميز الاستقلالية جذريا عن الفردانية، كما أظهر ذلك جيدا آلان رونو. فبإمكان الاستقلالية أن تشمل هذه الأخيرة، ولكنها مع ذلك يجب أن لا تختزل إليها أبدا. وهكذا سوف يشيع نقد مألوف لحقوق الإنسان باعتبار أنها مرتبطة بإيديولوجيا ليبرالية وفردانية، في مقابل تصور "جمهوري" وديمقراطي لها. ولهذا السبب استطاع بعض الفلاسفة الأمريكيين (وعلى رأسهم "القوميان" مخاييل ساندل ومخاييل واتزر) انتقاد المؤسسة القضائية البالغة القداسة: وذلك بسبب التملص من المسؤولية السياسية ومسؤولية المواطنة والديمقراطية لصالح قضاة يبدون كما لو أنهم يرسخون نسخة فردانية لحقوق الإنسان أكثر منها "استقلالية". وهم بنقدهم هذا لا يقصدون العمل الممتاز الذي تم في الغالب إنجازه من طرف قضاة حقوق الإنسان: ولنستحضر في أذهاننا الاجتهادات القضائية المذهلة للمحكة الأوروبية لحقوق الإنسان والتطورات الحاصلة في المجلس الدستوري الفرنسي، إلا أن القضاة يجدون أنفسهم يتحملون مسؤوليات تفوق طاقتهم وذلك باعتبار ضعف القرار الديمقراطي ذاته وأفول الحكم السياسي Jugement politique.

حقوق الإنسان والاقتصاد:

يلزم دون شك تحليل المسألة الشائكة لعلاقة حقوق الإنسان بالنظام الاقتصادي الاجتماعي من خلال منظور متداخل. إذ غالبا ما تم ربط فكرة حقوق الإنسان بالرأسمالية وبالأفكار البرجوازية و"الفردانية التملكية" (ماكفرسون)، والماركسيون هم أول من فعل ذلك. ويجب التمييز، كما أشرنا سابقا، داخل النقد الماركسي بين لحظتين: ففي كتاب المسألة اليهودية (1843)، ينتقد ماركس بحدة حقوق الإنسان من حيث أنها تعبير عن الأنانية: إذ يتأهم من "الحرية-الحد"، أي النظر إلى المجتمع المدني كفضاء يتشكل من حقوق مغلقة، ويربط بهذا الافتراض فكرة دولة مصطنعة وخارجية، لا تتمكن من توحيد مجتمع ذري على هذه الشاكلة إلا من الخارج، من خلال الإكراه: فالمال والدولة يسيران جنبا إلى جنب، وتفكك الجماعة (باسم التحفظ على ما يدعوه ماركس "حس الملكية" في مخطوطات 1844) الذي يتولد عن المال يتضمن ضرورة الاستلاب السياسي والدولة كهيئة خارجية و"كدعامة". ولن يميز ماركس إلا لاحقا هذه اللحظة الأولية من النقد عن التشهير بالاستغلال، أي بالتباينات التي تتولد عن الرأسمالية واغتصاب الشغل غير المؤدى عنه (Surtravail) من طرف الطبقة المهيمنة، وذلك في تناقض مع مبدإ الاستحقاق ("كل حسب عمله") الذي تمت المطالبة به مع ذلك. ويمكن صياغة هذين الانتقادين على الشكل التالي: فالنقد الثاني يمكن أن يتواءم مع سوق لا يتم استغلال الشغل داخلها (مثلا على شاكلة المقاولات التي يملكها "المنتجون")، بينما يذهب النقد الأول أبعد من ذلك، إذ يلامس استلابا أكثر جذرية: فحتى دون استغلال، ودون "رأسمالية" إذا ما قبلنا على الأقل نظرية المراكمة التي تم تناولها في الجزء الأول من كتاب الرأسمال، فإن المساواة بين أطراف في سوق "كامل"، حيث يسعى المنتج إلى الرفع من أرباحه والمستهلك من "منفعته" كما يعلن عن ذلك اقتصاديو الكلاسيكية-الجديدة، ستبقي على الطابع الذري والتحفظ، وباختصار على "حس الملكية". من وجهة النظر هذه، يبدو نقد حقوق الإنسان نقدا جذريا، على الأقل إذا ما فهمنا تلك الحقوق في ارتباطها بالفردانية الليبرالية المعرفة سابقا. ولكن يجب من منظور الاستقلالية أن نرد بأن النظام الاقتصادي والاجتماعي ذاته سيأخذ طابعا أداتيا بالنسبة للديمقراطية ولحقوق الإنسان: فكلاهما يتعلقان بمعرفة ما إذا كان هذان النظامان يعملان لصالح حياة المواطنة (والحياة الخاصة) المستقلة. ونعرف أن المواقف من هذه النقطة كانت في الغالب متضاربة. فإضفاء طابع جماعي على الاقتصاد يبدو كأنما يخضع للقرار الديمقراطي سيرورات كانت خارجة على نطاقه في السابق، ولكن في نفس الوقت قد يكون تركيز كهذا للسلط الاقتصادية والسياسية مجازفة لصالح الاستبداد. وفي المقابل فإن السوق الحرة "الخاصة" قد تقصي من الحياة الاجتماعية الطلب غير القادر على الوفاء بالدين، أي أن تفرز ثنائية داخل المجتمع، ستمثل بذاتها خطرا على الحياة الديمقراطية وحقوق الإنسان، حيث أن المهمشين لا يشعرون بأي مسؤولية عن الوجود –معا داخل عالم لا يعدهم بأي مستقبل. ولهذا فإن مسألة النظام الاقتصادي والاجتماعي تظل من منظور الاستقلالية سؤالا مفتوحا، حيث أنه من المستحيل اختزال حقوق الإنسان إلى عبارة الرأسمالي ولا حتى إلى الفردانية التملكية بوجه عام. ولهذا السبب يأخذ حق الملكية داخل مجموع حقوق الإنسان طابعا إشكاليا: فلكونه ينظر إليه كحماية ضد الاستهلاك (أو فرض الضرائب الخ) الاعتباطي، فإنه يشكل بلا نزاع امتدادا ماديا لحماية الشخص، غير أن هذا الحق بإمكانه أن يتحول إلى وسيلة للهيمنة، والتي يمكنها، كما لاحظ اشتراكيو القرن XIX أن تفرغ هذه الحقوق ذاتها من مضمونها. مرة أخرى يتوقف الأمر بأكمله على التأويل الفلسفي الذي نعطيه للامتياز: ففي الإطار الليبرالي، تلعب الملكية دورا أساسيا، حتى وإن كان من المقبول تحديد مفعولاتها من أجل إقامة تكافؤ معين للفرص (ما يدعوه راولس بالتكافؤ المنصف للفرص). وفي إطار الاستقلالية فإنها تلعب دورا ثانويا حسب تشجيعها أو دعمها للجماعة الديمقراطية لحقوق الإنسان.

يلزم إذن النظر إلى الحجج "المناهضة" لحقوق الإنسان بكيفية نقدية. فحينما شهر بورك Burke "بالمسح الجذري" الذي قامت به الثورة الفرنسية، وبمثال حقوق الإنسان، فإنه كان يستند إلى ثقافة معينة (الإنجليزية) للحريات. إلا أننا قد رأينا أنه بالإمكان عدم فصل حقوق الإنسان سواء عن عالم الحياة الملموس أو عن الحياة الديمقراطية، أو عن المسألة السوسيو-اقتصادية للتكافل المادي. ولهذا يجب الرد على انتقادات "القوميين" انطلاقا من أرضيتهم ذاتها وذلك بإظهار أن حقوق الإنسان لا تختزل إلى الليبرالية، سواء السياسية ("الحرية-العقوبة")، أو الاقتصادية (الرأسمالية و/أو السوق).

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://lorca.ahlablog.com/
ابو خميس
{{}} مشرف {{}}
{{}} مشرف {{}}
avatar

ذكر عدد الرسائل : 1386
العمر : 36
البلد : فلسطين
الوظيفة : مش فاضي ادورعلي عمل
تاريخ التسجيل : 12/07/2007

مُساهمةموضوع: رد: حقوق الإنسان - كي هارشر- ترجمة: هاشمي محمد   الأربعاء أكتوبر 03, 2007 12:06 pm

مشكور اخي كنعان على المجهود تحياتنا الك

_________________
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://palestine.ahlamontada.com/index.htm
 
حقوق الإنسان - كي هارشر- ترجمة: هاشمي محمد
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
موقع يوتيوب :: 

¤©§][§©¤][ الاقسام العامة ][¤©§][§©¤

 :: الملتقى الثقافي والادبي
-
انتقل الى: